بؤس يقين المتشكك، بمعنى آخر: لماذا يخافون على الله

بؤس يقين المتشكك، بمعنى آخر: لماذا يخافون على الله

 

 

سعد القرش

وراء السلوكيات المتشنجة من قبيل التحرش والتكفير وإلغاء الآخر المختلف، تقبع ثقافة سلفية عميقة ودفينة، تدعي أنها تذود على الله، وتصون الدين من تهديدات متخيلة. وفي هذا الدافع الفكري الخفي خطورة أكبر تكمن في أن هذه الثقافة المتطرفة تصرف الجماهير عن جوهر الدين، وتحولها صوب وجهات وسلوكيات خطيرة ومدمرة للتعايش المجتمعي، تبدأ من التحرش وتصل إلى القتل.

 

صاحبي الذي استنكر احتفال مسلمين بأعياد الميلاد، لامَني على مقال “الفرح بعيد الميلاد يكشف ملامح الوحش الجماهيري” المنشور في صحيفة “العرب” في 31 ديسمبر 2019، وانتشى بمشاركة مقطع فيديو لملحد في هايد بارك لم يأبه له إلا جماعة من المسلمين، وتطوع منهم مصري بسباب الملحد والسخرية منه، وخاطبه “يا حمار، يا ابن الكلب، يا مجنون يا وسخ، والله العظيم أنت حيوان”. المصري المتوتّر دعا الحاضرين إلى إعلان “لا إله إلا الله”، فهتفوا فرحين بالنصر والفتح القريب، وتكرر ترديد “لا إله إلا الله، والقرد الكافر عدو الله”، ثم تعالى الهتاف وطغى على الرجل، ربما لكي لا يصل صوته بالإلحاد إلى الله الأقرب إليه من حبل الوريد. وأبرأ المصري المسلم ذمته، مستشهدا بالحضور في حديقة لا يحرّم فيها الكلام ولا يجرّم “أليس هذا قردا؟”، ولأن الملحد أسود اللون، فقد أجاب أحد المسلمين: القرد أحلى منه.

 

لماذا لا يتصالح المسلم مع دينه الذي أمره إذا رأى “الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم”؟ هل يمثّل الملحد خطرا على الله؟ وإلى أي درجة يُسأل المسلم عن “التقصير” في هداية غيره من خلق الله؟

 

وكيف يتصور مسلم أن مخلوقا ضعيفا يستطيع المساس بمُلْك خالق كليّ الإرادة “والأرض جميعا قبضته”؟

 

ليست هذه الأسئلة افتراضا، ولكن لها ظلال وتجسيد عنيف ودام بزعم الخلق وصايتهم على الخالق، واندفاع البعض إلى تغيير ما يرونه منكرا بالأيدي الخشنة، وصولا إلى القتل.

 

ولولا وجود هذا الملحد في حماية قوانين بريطانية لفتكوا به، كما يُلاحق غيره في العالم الإسلامي بالاغتيال، ثم يعلن مشايخ وسطيّون إدانتهم للضحايا، ويدافعون عن قتلة نفذوا “شرع الله” في المرتد. ولا أسهل من رذيلة التسويغات بمستويات ودرجات لا تنفي عنها حقيقة التواطؤ على جريمة قتل، أو جريمة تحرش مثل تلك التي ارتكبها مرضى بالسعار الجنسي، ليلة رأس السنة الجديدة (2020). جريمة تحرش جماعي بامرأة في مدينة مصرية؛ بحجة ارتدائها ما لا يعجبهم. ولم يعدموا أصواتا سلفية تدين الضحية. ولم تكن أول جريمة تسوّغ سلوك المهووسين بهياجهم، في مسلسل التحرش الذي يتواصل على مدى الأربعين عاما السلفية الأخيرة.

 

لماذا لا يتصالح المسلم مع دينه الذي أمره إذا رأى “الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم”؟ وهل يُسأل المسلم عن التقصير في هداية غيره؟

 

في مصر وحش أخطبوطي، ذو رؤوس منزوعة العقل، يجيدُ القيام بعدة مهام معا، فيندفع إلى التحرش وهو يسمع مواعظ تبثها المحال والسيارات وميكروفونات المساجد القريبة في غير مواعيد الخطب التي تضخّ في الفضاء إلى لا أحد. زبائن هذه الخطب لا ينصتون إليها، ولكنهم مستعدون للاعتداء على من يطلب خفض الصوت، ولا يترددون في التحرش البصري واللفظي بامرأة عابرة، وإذا اُعتدي عليها فلا تأخذهم النخوة بمنع المجرم، بل يلومون ضحية لا تلتزم في أوهامهم بزيّ يقولون إنه الشرعي، ولا يجدون الآن حجة بعد  تعرّض المحجبات للتحرش.

 

وخلاصة القول في سيكولوجية المتحرش إنه لا يفرق في هجومه بين انتهاك خصوصية امرأة انتصارا لرجولة مفتقدة، وعدوانه على مواطن يُعمل عقله في فقه بشري “مقدس”.

 

الثقافة السلفية القشرية تصرف الوحش الجماهيري عن جوهر دين يؤكد أن الله لا يعجزه شيء ولا أحد. ولا يمكن التحكم في هذا الوحش، فاقد الرشد، ما لم يكن مستلبا فاقدا للرشد، لا يعي حديثا يرددونه ولا يفقهونه، يقول “لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء”. ولا تزيد الأرض على جناح بعوضة إذا ما قورنت بملك الله وقدرته، وكان عبدالمطلب كبير مكة يعي بفطرته هذه الحقيقة، قبل اكتشاف العلم الحديث للكون غير النهائي، وما الأرض إلا كوكب يدور حول الشمس. والشمس نجم واحد على طرف مجرة درب اللبانة (التبانة) البالغ قطرها نحو 100 ألف سنة ضوئية، والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة. وتضم المجرة ما لا يحصى من النجوم. وفي الكون ما لا تحصيه العلوم والمدارك الحديثة من المجرات. فما حجم الإنسان المنكر لوجود الله في كرة أرضية لا تعدل جناح بعوضة؟

 

عبدالمطلب أدرك ذلك، فلم يزايد على الله، واهتم بما يجب أن يُسأل عنه الإنسان، وترك ما لله لله، وكان لله بيته الحرام، فقال “للبيت ربّ يحميه”.

 

لا يلجأ المؤمن إلى وسائل دعائية للتعبير عالي النبرة عن اطمئنانهلا يلجأ المؤمن إلى وسائل دعائية للتعبير عالي النبرة عن اطمئنانه

 

فلماذا تتهدج أصوات الوعاظ بالبكاء والتباكي على مُلك الله كلما صادفهم ملحد مسالم، أو مسلم لا يوافق هواهم، فيعودون بالمسلمين إلى المرحلة المكية للإسلام، بالإلحاح على إقناع المسلمين بأن محمدا رسول الله، وأن للكون إلها يستدلون على وجوده بمصادفات غريبة، كأن تتشكل كلمة “الله” على جذور البطاطس أو في ثمرة طماطم. ولا يحتاج الله في علاه إلى هوس استغنت عنه عجوز ذات قلب سليم، وهي تسأل عن رجل يتزاحم عليه مريدوه، فأخبروها أنه الإمام الرازي “وعنده ألف دليل ودليل على وجود الله”. فقالت “لو لم يكن عنده ألف شك وشك ما احتاج إلى ألف دليل ودليل، أفي الله شك؟”. وبلغه كلامها فقال “اللهم إيمانا كإيمان العجائز”.

 

لا يلجأ المؤمن إلى وسائل دعائية للتعبير، عالي النبرة، عن اطمئنانه. ودليلي على ذلك سلوك كل من عبدالمطلب والعجوز، وكلاهما مؤمن بالله حقا. والمؤمن الحق لا يخاف على الله القادر على طيّ الأرض والسماوات بيمينه، إلا إذا كان يشكّ في يقينه.

 

وأرجّح أن وراء النفاق الديني والاجتماعي شكوكا في قدرة الله، وقبل أكثر من ثلاثين عاما شاركتُ في اعتذار إلى الله لم يأمر به أحدا، ليلة رأس السنة، بالاجتماع في المدينة الجامعية ورفع الأصوات في قراءة جماعية للقرآن، في منتصف الليل، إذ أمدّنا الخيال الفقير بوجود عُصاة في مكان خفيّ يسمعون “المعازف” ويشربون الخمر ويعربدون، فيضايقون الله ويعكّرون صفو مُلكه. وفي وقت لاحق ستكتشف أن شاربي الخمر أكثر تسامحا وتصالحا مع الناس، وأن من يتصرفون بمنطق “الخوف على الله” متشنجون، كارهون للحياة، مستعدون للقتل، وفيهم يصدق ما ذكره إنجيل يوحنا “تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله”. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

مقالات ذات صله