مصالحة (حشدية داعشية) في الافق عرابها الخزعلي !- هارون محمد

اذا صحت الانباء التي انتشرت، خلال الايام القليلة الماضية، ومفادها، ان فصائل في الحشد الشعبي، قررت سراً، التفاوض مع معتقلين ومحكومين من تنظيم الدولة (داعش) وعددهم وفق المصادر الامنية، أربعة الاف وتسعمائة، بين قيادي وكادر ومقاتل، لغرض اقامة تعاون مشترك بين الطرفين، وتنظيم مقاومة مسلحة للوجود الامريكي في العراق، فان مرحلة من الاضطرابات والاقتتال والفوضى، مقبلة لا شك فيها، تخلط الاوراق، وتعيد البلاد الى أجواء حزيران 2014 ، وما رافقها من احتلال ونزوح وخراب، شمل اكثر من نصف الجغرافية العراقية.

ووفق ما يتردد بهذا الصدد، فان زعيم مليشيا العصائب قيس الخزعلي، الذي يرتبط بعلاقات (سجنية) مع قادة ومقاتلين من تنظيم القاعدة سابقاً، كانوا معه خلال فترة اعتقاله مع شقيقه ليث في معتقل (بوكا) جنوب البصرة، في آذار 2007، وتحولوا الى الداعشية لاحقاً، هو من تعهد بعقد اجتماعات مع المسجونين الدواعش، واقناعهم بالتعاون، مقابل اطلاق سراحهم، والغاء الاحكام الصادرة عليهم، والسماح لهم بممارسة أنشطتهم المسلحة في المناطق والمحافظات السنية، باستثناء بغداد وحزامها، اللذين يخضعان الى هيمنة المليشيات، وسامراء وأطرافها، لوجود مراقد دينية فيها، وبهذا الصدد، يؤكد عدد من المعتقلين المفرج عنهم، من بوكا، عند اغلاقه في العام 2009، ان الخزعلي أجرى حوارت فقهية وعقائدية وسياسية، في المعتقل المذكور، قبل نقله الى (كوبر) في رضوانية بغداد، مع عدد من قادة (القاعدة) المعتقلين وقتئذ، كان من ضمنهم، ابو مسلم الحسني (التلعفري)، الذي اطلق سراحه في العام 2008، وغادر الى سوريا، ويعتقد انه يتولى زعامة تنظيم داعش حالياً، خلفاً لابي بكر البغدادي.

ورغم ان نواباً صدريين، استبعدوا هذا السيناريو، لما يتركه من آثار، على مكانة المرجعية الشيعية، صاحبة فتوى (الجهاد الكفائي)، الا ان المليشيات باتت على قناعة، عقب مقتل قاسم سليماني وابو مهدي المهندس، بانها غير قادرة لوحدها، على الانتقام لهما، وتسديد ضربات موجعة للوجود الامريكي، وخصوصاً لقواعده العسكرية والجوية، وجميعها في المناطق العربية السنية، باستثناء أربع في اقليم كردستان، ففي الانبار، توجد اكبرها، عين الاسد، التي لمح اليها الرئيس ترامب، وطالب حكومة بغداد، بتسديد تكاليف انشائها وتطويرها، وايضا قاعدة الحبانية، لتدريب الجيش والشرطة، كما توجد قاعدتان في محافظة صلاح الدين، بلد، وتستخدمها طائرات اف 16، وتكريت (سبايكر) للتدريب، وهناك قاعدة متقدمة، في ناحية القيارة جنوبي الموصل، واخرى في كركوك (كي1) والعمل جار حالياً، لتأهيل مطار (الغزلاني) في ضواحي الموصل، والرطبة غربي العراق، والرماية قرب القائم، وبالتأكيد فان المليشيات التابعة لايران، لا تملك قدرات عسكرية على مهاجمتها، رغم وجود فصائل منها، في هذه المناطق، وهو وجود يستهدف اضطهاد سكانها السنة أساساً.

كما ان للامريكان معسكرات مشتركة مع قوات جهاز مكافحة الارهاب، وقطعات الجيش، والاجهزة الامنية، في منطقتي الرضوانية قرب مطار بغداد، والتاجي في شمال العاصمة، اضافة الى مجمع السفارة الامريكية في المنطقة الخضراء، الذي تتوافر في داخله ومحيطه، أحدث التقنيات العسكرية الدفاعية، ومن الصعب اختراقه.

ولان المليشيات التابعة لايران، تعلم مسبقاً، انها غير مؤهلة، عسكرياً في الاقل، على المواجهة مع الامريكان في العراق، وخصوصاً في المحافظات السنية، فهي تعمل على انعاش تنظيم داعش فيها، واستغلال حالة العداء بين التنظيم، والتحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، في دعم مسلحيه للقيام باعمال عسكرية، وهي في النهاية، لا تخسر شيئاً، فالبيئة ليست بيئتها، والمنطقة ليست منطقتها، والخراب الذي يحدث فيها، يصب في مصلحتها، وهي التي عملت منذ معارك تطهيرها من احتلال الدواعش، على الحاق المزيد من الدمار بها، ومنع سكانها النازحين من العودة اليها، استمراراً في اضعافها، ومنعاً لاعمارها.

وقد بات واضحاً، ان ايران اليوم، تفتقر الى مقومات الاشتباك مع الامريكان، وهي تعيش أوضاعاً مضطربة، في ظل تصدع جبهتها الداخلية، واتساع حراك المعارضة ضد قيادتها، وانهيار اقتصادها، وتدني عملتها المحلية، وتلاشي أسواق نفطها، وتزايد مشاكلها مع القوميات والاقليات فيها، يضاف الى ذلك انها فتحت اربع جبهات عسكرية خارجها، في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وايران كما هو معروف، ليست دولة عظمى، حتى يمكنها تحمل هذه الاعباء التي باتت تشكل ضغطاً عليها، ويمنعها من الاستمرار في تنفيذ صفحات متبقية من مشروعها (الهلالي الطائفي).

وصحيح ان ايران، تسعى الى ابعاد أراضيها، عن أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة، وتعتمد على (وكلائها العقائديين) من مليشيات واحزاب وكتل وجماعات، وخصوصاً في الساحة العراقية، في تنفيذ أهدافها، الا ان الصحيح ايضاً، ان هؤلاء (الوكلاء) لم يعد في طاقتهم، الصدام المسلح مع الامريكان، لان نتيجته ليست في صالحهم، ولا ننسى هنا، انهم اغتنوا طيلة السنوات السابقة، وأثروا بشكل فاحش، وباتوا يمتلكون شركات واستثمارت، ويديرون مكاتب اقتصادية، في داخل العراق وخارجه، تدر عليهم المليارات، وفي الامثال (ان زيادة الاموال التي تأتي بلا جهد أو تعب، تُورث الكسل)  وهذا ما يحصل في العراق الآن، حيث صار قادة المليشيات، أباطرة مال وتجارة ونفط، واستيراد وتصدير، وسمسرة في الفنادق وصالات القمار، ويكفي للتدليل على ذلك، انهم استولوا على عشرات الأرصفة لتهريب النفط، في شط العرب وأم قصر، واستحوذوا على عشرات المنافذ الحدودية، تذهب ايراداتها، وهي بارقام فلكية، الى جيوبهم وأرصدتهم، ودائماً فان المرفهين واصحاب الملايين، بالدولار واليورو، ممن كانوا من الحفاة، يغلب عليهم الطمع، ومغادرة المباديء والشعارات، التي كانوا يتشدقون بها سابقاً.

لذلك ليس مستبعداً، ما يدور حالياً، عن اتصالات حشدية داعشية، لتشكيل ما يسمى بـ(مقاومة اسلامية) ضمن محور الممانعة، الذي ترعاه ايران، بحيث يتولى مسلحو داعش، مهاجمة الوجود الامريكي، في العراق وغربي سوريا، في حين تقوم مليشيات الحشد، بتأمين الدعم لهم، سلاحاً ومالاً ودلالةً، وتكتفي هي، بجني الاموال، وفرض الأتاوات، وتنظيم مواكب اللطم، وترديد شعارات (كلا كلا أمريكا)، لانها كما أثبتت الاحداث السياسية، والوقائع على الارض، لا تريد للعراق، ان يستقر وينهض، ولاحظوها كيف تصدت بالرصاص الحي، والاغتيال والخطف والتنكيل، لمتظاهرين سلميين، يطالبون باستعادة وطنهم المسلوب الارادة، والمنهوب الموارد والثروات، والايام المقبلة حبلى بالمفاجآت !.

 

مقالات ذات صله