مواجهة التشدد الديني أولى مهمات المراكز الإسلامية في أوروبا

المراكز الإسلامية باتت وسيلة المواجهة الأساسية في ملف ما يسمى بـ”العائدون من داعش” إلى بلدانهم الأصلية في أوروبا، مع اقتناع الكثير من المؤسسات الرسمية أن المواجهات الأمنية وحدها لن تحول دون انتشار التطرف الذي يعتبر قضية فكرية في المقام الأول، ويحتاج إلى رؤية شاملة تجتثّه من جذوره.

 

القاهرة – وجدت بعض الحكومات الأوروبية ضالتها في المراكز الإسلامية للعب الدور الأساسي في جهود التعاطي مع أزمة العائدين من مناطق التوتر في الشرق الأوسط، في ظل اقتناعها بأن الحلول الأمنية لن تمنع عناصر داعش من عودتهم إلى خلايا عنكبوتية نائمة قابلة للنشاط في أيّ وقت في بعض بلدانهم.

 

ودقّت عملية الابتزاز والخداع التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرا مع فرنسا وغيرها، ناقوس الخطر بقوة، فمن الممكن أن يتدفق الكثير من الإرهابيين على العديد من الدول الأوروبية، انتقاما أو رغبة في تشتيت الأنظار، أو لغيرها من الأهداف الكامنة التي يمكن أن تسبب إزعاجا لافتا.

 

ولذلك شكلت المؤسسات الأوروبية مؤخرا لجانا متخصصة لوضع آليات للتعامل مع الأزمة المحتملة للعائدين، ضمت في تشكيلها أئمة المراكز الإسلامية المعروفة بأفكارها الوسطية في خطوة لاقت ترحيبًا بين أوساط المسلمين، وهجومًا عنيفًا من اليمين المتطرف.

 

مهاجري زيان: المراكز الإسلامية ينبغي أن تغتنم الفرصة لتصحيح صورة الإسلاممهاجري زيان: المراكز الإسلامية ينبغي أن تغتنم الفرصة لتصحيح صورة الإسلام

 

وفي هذا السياق قال مهاجري زيان، رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، لـ”العرب”، إن تنسيق الحكومات مع المراكز الدينية في مواجهة التطرف يعدّ فرصة حقيقية لتصحيح صورة الإسلام ومواجهة الهجوم العنيف للتيارات اليمينية التي تضع جميع المسلمين في كفة واحدة.

 

ووفقًا لبيانات وكالة الشرطة التابعة للاتحاد الأوروبي “يوروبول”، فإن نحو 5 آلاف، أغلبهم من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا، غادروا بلدانهم للقتال في سوريا والعراق، وعاد منهم 1500، بينما يتراوح مصير الباقين بين القتل أو البقاء في آخر الجيوب المتبقية لداعش، أو والوقوع رهن بعض القوى لاستثمارهم عند اللزوم.

 

وأضاف زيان، في حوار خلال زيارته الأخيرة إلى القاهرة التي التقى فيها مسؤولي الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية، أن اللجان التي تم تشكيلها تتولى وضع برامج تهدف لتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الجهاد وإعادة دمج العائدين في المجتمع .

 

وتؤكد بعض الدراسات الأمنية الأوروبية، أن المقاتلين في صفوف تنظيم داعش يشكلون مصدر تهديد كبير وبإمكانهم زعزعة استقرار أوروبا بأكملها، ما يحتاج إلى أفكار غير تقليدية للمواجهة، فوضعهم في مراكز الاحتجاز يجعلهم أكثر خطورة بإمكانية نشر أفكارهم بين المدانين بجرائم جنائية.

 

وأضاف زيان، أن حكومات أوروبية نظمت اجتماعات مكثفة بين رموز المراكز الإسلامية وخبراء علم النفس والاجتماع ومتخصصين في قضايا الرأي العام، تضمنت نقاشا مطوّلا حول سبل التعامل مع العائدين، وتوصلت في النهاية إلى اعتبار النواحي الفكرية السبيل الأول للمواجهة باعتبار التطرف فكرا تنبغي مواجهته بالفكر أيضًا.

 

وتمثل الاستعانة بأئمة المراكز الإسلامية ضمن اللجان المشكلة لمواجهة المقاتلين العائدين من صفوف داعش اعترافًا بأن المكوّن الإسلامي أصبح جزءًا من الحل، وليس جزءا من المشكلة كما يروّج اليمين المتطرف.

 

وتعتبر تلك الجهود بمثابة تبرئة للكثير من المراكز الإسلامية من تحمل مسؤولية نشر الفكر المتطرف بين شباب أوروبا، أو الاشتراك بأيّ صورة في الترويج لمفاهيم الجهاد المغلوطة، أو المسؤولية عن انضمام الآلاف من أبناء القارة إلى صفوف تنظيم داعش.

 

وأوضح زيان أن اللجان الحكومية الجديدة تحظى بدعم منظمات المجتمع المدني والبرلمانات الأوروبية، فعودة المقاتلين أصبحت أمرا واقعا، والأزمة تغيرت حاليا من بحث أسباب الانضمام للجماعات المتطرفة إلى كيفية التعامل مع العائدين منهم.

 

ومنح الدعم الحكومي والمجتمعي للمراكز الإسلامية قدرة أكبر على مواجهة اتهامات اليمين المتطرف واقتناع المواطنين بأن اتهاماته سياسة في المقام الأول، مع تنامي الاقتناع بمنطقية حجج تلك المراكز وانتشار خطابها الوسطي الذي يدحض مزاعم المتطرفين.

 

وتسعى الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية إلى تفعيل الأهداف التي نشأت من أجلها منذ أربعة أعوام بمبادرة من شخصيات دعوية، وتحوّلها إلى المرجع الرئيسي للأئمة ورافد لنشر الأفكار الوسطية .

 

تنسيق الحكومات الأوروبية مع المراكز الدينية في مواجهة التطرف يعدّ فرصة لتصحيح صورة الإسلام ومواجهة الهجوم العنيف للتيارات اليمينية التي تضع جميع المسلمين في كفة واحدة

 

وتحظى المراكز الإسلامية التابعة للهيئة بدعم من المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، ومنتدى تعزيز السلم بدولة الإمارات، وكذلك الأزهر ووزارة الأوقاف بمصر، ورابطة العالم الإسلامي، ومؤسسات دينية سعودية معروفة باعتدالها.

 

وأشار زيان إلى أن بعض الدول العربية تتبنى جهودا طيبة تساهم في تعزيز أدوار الهيئة، بنشر قضايا التسامح والتعايش السلمي وتصحيح صورة الإسلام في الغرب، ودعم المراكز الإسلامية في أوروبا لتؤدي دورها في مواجهة التطرف وتصحيح صورة الإسلام .

 

وأشاد بالتعاون المتواصل بين الهيئة والمؤسسات الدينية بالإمارات عبر المشاركة في منتديات تعزيز السلم والأخوّة الإنسانية، وزيارة مركز صواب بهدف الاستفادة من برامج مكافحة الفكر المتشدد، فالمؤسسات الدينية الإماراتية تتسم بأنها مرتبة وتعتمد على العقل في مواجهة التطرف ما يجعلها مناسبة للمجتمعات الأوروبية.

 

وناقش زيان في مصر إمكانية إيفاد أئمة للمراكز الإسلامية، إضافة إلى عقد دورات لأئمة أوروبا في أكاديمية التدريب بمصر للاستفادة من  تجارب دار الإفتاء في مواجهة الفتاوى المتشددة .

 

وتعتزم الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية إطلاق برنامج جديد خلال شهر يناير الجاري في العديد من الدول منها فرنسا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا والسويد وبلجيكا، يتضمن ندوات وورش عمل حول مواجهة الفكر المتطرف وتصحيح المفاهيم لدى الشباب العائد من داعش بدعم من الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني.

 

ويتزامن مع ذلك إطلاق مبادرات تحث أبناء المجتمعات المسلمة على الاندماج في البلاد التي يعيشون فيها، واحترام الحقوق والقوانين في مجتمعاتهم، والتواصل مع وسائل الإعلام الغربية لعرض برامج الهيئة المقبلة في مجال مكافحة التطرف.

=

 

ولفت مهاجري زيان، إلى أن المراكز الإسلامية ينبغي أن تغتنم الفرصة لتصحيح صورة الإسلام ومواجهة التطرف واستغلال تركيز الرأي العام ووسائل الإعلام الغربية على جهود تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الشباب العائد من بؤر التوتر، باعتبارها مهمة كبرى ترتبط بمصير المجتمع الغربي برمته.

 

وشدد على أن المراكز الإسلامية في أوروبا بحاجة لدعم المؤسسات الرسمية العربية من خلال إيفاد الأئمة الذين يجيدون اللغات الأجنبية المختلفة وليس الإنجليزية فقط، إلى جانب ترجمة الكتب والمطبوعات التي تحصّن الشباب وتحمل الفكر الوسطي المستنير، وتجسد قيم المواطنة والتعايش والتسامح، لأن تلك القضايا أهمّ ما يحتاجه المسلم في الغرب.

 

وأكد زيان مهاجري، أن تجنيد الشباب يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأسباب تتعلق بضعف التوعية الدينية التي تقوم بها المراكز الإسلامية في بعض الدول، وتعمل الهيئة حاليا على مواجهة تلك المشكلة بتطوير الأداء الدعوي بشكل عام، للقيام بأدوار أكبر في مواجهة المتطرفين.

 

وتبقى مهمة مواجهة المتشددين المنتمين لداعش وغيره في مقدمة المهام للمراكز الإسلامية في أوروبا، لأن التصدي لهذه المعركة يعزز حضورها ويؤكد قدراتها.

نادر ابو الفتوح

مقالات ذات صله