الأخوة التركية السورية تتجدد من أنقاض زلزال ألازيغ

كتب: محمود عثمان

وهو يشق طريقه إلى مدينة ألازيغ التركية من أجل الدراسة هناك، لم يخطر ببال الشاب السوري محمود عبد الباسط عثمان أنه سيكون يوما ما بطلا لحكاية، تشهدها هذه المدينة الهادئة البعيدة عن الأضواء، يسطرها التاريخ في أنصع صفحاته، رمزا للبطولة والنخوة الانسانية والتفاني والوفاء، في زمن جنح فيه بنو الانسان نحو المادية والأنانية المفرطة.

 

مثل غالبية الشباب الذين تربوا في المجتمع السوري، تصرف الشاب محمود بما أملاه عليه ضميره ووجدانه وواجبه الديني والأخلاقي، حين سارع ليمد يد العون لعائلة  تطلب المساعدة من تحت أنقاض الزلزال المدمر الذي ضرب مدينة ألازيغ..

 

أنقذ محمود الرجل ثم أنقذ زوجة الرجل مؤديا واجبه الانساني والأخلاقي. في وقت كان بوسعه الذهاب فيه إلى سكنه الجامعي، والخلود للراحة، ومتابعة ما يجري حوله من أحداث، من خلال وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. لكن أصحاب الضمائر الحية يأبون القعود والخلود للراحة ما دام من حولهم بحاجة إليهم.

 

أشعل محمود ضوء هاتفه، ليشرق نور الأمل في عيون زوجين قابعين تحت الأنقاض، لا حول لهما ولا قوة، قد قطعا الرجاء إلا من رحمة الله..

 

لم ينتظر محمود مجيئ فرق الانقاذ، ولا طلب كسارة حجارة أو آلة حفر ثقيلة، ولا ذهب ليبحث عن أدوات تكسير وحفر، بل شمر عن ساعدي الجد، وبدأ يزيل الأنقاض بيديه العاريتين.

 

لبى محمود نداء الاستغاثة، فأنقذ امرأة وزوجها من تحت الأنقاض، لكنه بنى صرحا أخلاقيا كبيرا في عقول الغالبية العظمى من الشعب التركي..

 

أخرس محمود ألسنا كانت تفيض عنصرية، وأسكت أقلاما طالما نضحت حقدا، ضد اللاجئين عموما والسوريين منهم على وجه الخصوص.

 

محمود جاء إلى ولاية هطاي قبل عامين من محافظة حماة السورية، ثم انتقل إلى ألازيغ قبل 3 أشهر من أجل دراسة الجامعة.

 

صادف حصول الزلزال خروج محمود من العمل، وكان في طريقه إلى ممارسة الرياضة، فاتجه على الفور بعد انتهاء الهزة إلى المكان الذي تهدم وهو يسمع أصوات الناس هناك.

 

قصة إنقاذ بطولية

انتشر مقطع فيديو للسيدة دوردانه في المستشفى، وهي تروي البطولة التي أظهرها محمود لإنقاذها هي وزوجها من تحت أنقاض منزلهما في حي “سورسورو” في ألازيغ، دون أن يكترث للجروح التي أصابت يديه.

 

مقطع الفيديو انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث كانت السيدة التركية تروي ما جرى معها بحرقة قائلة: “الشاب محمود، الذي أنقذ حياتي، هو من السوريين الذين نلومهم في كل شيء، لقد حفر بأصابعه بين الأنقاض إلى أن أخرجني”.

 

وعقب انتشار مقطع الفيديو بالمنصات الاجتماعية، تصدر هاشتاغ #Suriyeli_Mahmut (محمود_السوري)، قائمة الترند على “تويتر” في تركيا، حيث وصف المشاركون في الهاشتاغ محمود بـ”البطل” و”المنقذ” و”الشجاع” وغيرها من الصفات التي تصور فعله الشجاع.

 

وتابعت دوردانه حديثها في الفيديو: “لن أنسى ذلك الشاب ما دمت على قيد الحياة، وسأبحث عنه أينما كان بعد خروجي من المستشفى.. محمود شاب مدني، وليس من طواقم الإنقاذ.. ورغم ذلك نجح في إخراجي من تحت الأنقاض بأصابعه التي تمزقت من الحفر”.

 

مسألة اللاجئين من جديد

بعد أن تصدّر حديث الشارع التركي، لقاء الشاب الجامعي السوري محمود العثمان، مع السيدة التركية دوردانه أيدن، التي أنقذها وزوجها بشجاعة من تحت الأنقاض إثر الزلزال العنيف في ولاية ألازيغ شرقي تركيا يوم الجمعة، برزت مسألة اللاجئين السوريين للسطح مرة أخرى، وانقسم الرأي العام بين فريق مادح صنيع الشاب السوري محمود، ومرحب بالتعايش مع السوريين، وفريق يرى ما فعله محمود أقل الواجب، وما قدمه لا يساوي شيئا أمام ما قدمته تركيا للاجئين السوريين.

 

أحزاب المعارضة التي وظفت ورقة اللاجئين لغايات سياسية. وهو ما بدا واضحا بقوة خلال الانتخابات بلدية استانبول الأخيرة، في خطاب حزب الشعب الجمهوري المعارض، تخشى هذه المرة من تعاطف شعبي مع السوريين يقطف حزب العدالة والتنمية الحاكم ثماره السياسية لصالحه.

 

وخلال معظم المحطات الانتخابية الماضية، تصدر حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية، الحملة ضد اللاجئين السوريين، وقدم وعوداً مختلفة للناخبين، بالعمل على إعادتهم إلى بلادهم حال فوزه بالانتخابات، مستنداً إلى قائمة طويلة من الاتهامات، التي حاولت الحكومة طوال السنوات الماضية تفنيدها دون جدوى.

 

واستندت الحملات المناوئة للاجئين السوريين تقليديا إلى قائمة طويلة من الاتهامات المعتادة، أبرزها أن اللاجئين السوريين يحصلون على راتب شهري ومساعدات مالية من الدولة التركية، ويدخلون الجامعات من دون امتحانات قبول، ويحصلون على مساعدات سكن وشقق سكنية بالمجان، ويرتبكون نسبة عالية من الجرائم، ولا يدفعون الضرائب، ويحصلون على امتيازات اقتصادية تفوق تلك التي يتمتع بها المواطنون الأتراك، وغيرها الكثير.

 

وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة، يشكّل السوريون ما يقرب من ثلث إجمالي عدد اللاجئين في العالم ، وتستضيف تركيا نسبة 63.4 % منهم وهو ما يقارب الأربعة ملايين لاجئ.

 

يشكل السوريون ما نسبته 4.2% من عدد سكان تركيا، ويتوزعون على كافة الولايات التركية الثمانين، ولهم تأثير كبير ديمغرافيا وسياسيا واجتماعيا على المجتمع التركي.

 

اهتمام رسمي

أبدت وسائل الاعلام التركية اهتماما منقطع النظير بحادثة الشاب السورية محمود، حيث حرصت شبكة تلفزيونات TRT  الحكومية على تقديم الخبر وابرازه من خلال المانشيتات العريضة. وكالة الأناضول الرسمية قامت من جانبها بترتيب اللقاء بين الشاب السوري محمود والسيدة دوردانه التي أنقذها.

 

وزيرا الداخلية سليمان صويلو والصحة فخر الدين قوجه، التقيا الشاب السوري محمود خلال تفقدهما أعمال البحث والانقاذ في حي “سورسورو” وسط مدينة ألازيغ مركز الولاية.

 

وتجاذب الوزيران مع محمود أطراف الحديث ثم قدما له الشكر على مبادرته في نجدة متضرري الزلزال.

 

وقال وزير الداخلية سليمان صويلو في حديث للصحفيين، إن “محمود قام بواجبه الإنساني، ونشكره على ذلك، لقد عشنا معهم (السوريين) تحت لواء واحد لمدة 400 عام، فنحن أخوة وهذه الأخوة مستمرة بيننا”.

 

بدوره، قدم وزير الصحة فخر الدين قوجة الشكر لكل من بذل جهودا عقب الزلزال، مضيفا “قيمنا ومعتقداتنا واحدة، فمحمود وأمينة (مسعفة تركية نالت شهرة واسعة عقب تحدثها هاتفيا مع سيدة تركية تحت الأنقاض) أثبتا لنا جميعا أن الإنسانية لغتها واحدة”.

 

تشكل الكوارث والمحن والمصائب مختبرا حقيقيا ميدانيا للمبادئ والشعارات، وتساهم في تقوية معاني الأخوة والتضامن والتكافل الاجتماعي، ويتميز خلالها الأوفياء أصحاب الشيم والأخلاق عن الكسالى البخلاء المتقاعسين عن فعل الخير، المتأخرين عن القيام بالواجب.

 

كما تعزز الكوارث والمحن والمصائب مبدأ الثقة بين مكونات المجتمع، سواء كانوا سكانا أصليين أم لاجئين وافدين، حيث تسود أجواء التعاون وتضافر الجهود لحل المشكلات مهما عظمت، ومواجهة التحديات مهما كبرت.

 

في محكم التنزيل يقول الحق جل جلاله : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) .. هذه وامثالها مناسبات أمام السوريين ليقدموا لأنفسهم ويفعلوا الخير، وليتركوا آثارهم الطيبة وبصماتهم الايجابية في ذاكرة الشعب التركي.

مقالات ذات صله