تاريخ طويل من العلاقات السرية أوصل إلى لقاء البرهان- نتنياهو

تاريخ طويل من العلاقات السرية أوصل إلى لقاء البرهان- نتنياهو

ضد الارهاب- لندن

لم يكن اللقاء بين  رئيس مجلس السيادة السوداني الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا، مجرد حدث اول السطر.. لكنه كان آخره.

فوفقاً لمصادر متعددة هناك تاريخ طويل من الاتصالات السرية  بين السودان وإسرائيل ، التي أتى اللقاء تتويجاً لها.

 

البشير وإسرائيل

 

يمكن للتدليل على ذلك ذكر أن الرئيس عمر البشير أجرى تفاهمات مع الاسرائيليين في اللقاءات التي رعتها تركيا في اسطنبول بين الجانبين في  2017 ولغاية ما قبل خلع حكومته  الإخوانية في السودان.

هذه التفاهمات التي كشفت عنها  القناة العبرية بقولها في 2017 أن مبعوثا إسرائيليا خاصا ” لم تسمه” التقى سرا قبل عام مسؤولين سودانيين بارزين في إسطنبول التركية، بهدف تجديد المباحثات بين البلدين، أعاد كبير مراسلي الشؤون الدبلوماسية في القناة العاشرة الاسرائيلية باراك رافيد يوم 27 نوفمبر 2018، تاكيدها بقوله أنها تضمنت لقاءَ بين مبعوث اسرائيلي بمسؤولين سودانيين رفيعي المستوى في تركيا قبل عام.

وكتب باراك تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) آنذاك قائلا إن اللقاء تم في إسطنبول بين مبعوث الخارجية الإسرائيلية بروس كشدان ووفد سوداني برئاسة أحد مساعدي مدير جهاز الأمن السابق محمد عطا بوساطة قادها رجل أعمال تركي مقرب من الرئيس السوداني عمر البشير حيث تم مناقشة تطبيع العلاقات والمساعدات في مجال الاقتصاد والزراعة والصحة.

وعلق المحلل السياسي اللبناني نضال السبع،  على لقاء نتنياهو بالبرهان‏، مؤكدًا أن الرئيس السوداني المعزول عمر البشير عقد لقاءات سرية مع إسرائيل برعاية تركية.

وقال في تغريدة عبر “تويتر” : “علينا أن لا ننسى، أن عمر البشير هو أول من عقد لقاءات سرية مع إسرائيل برعاية تركية، حيث شهدت إسطنبول في نهاية 2018 أول لقاء بين مبعوث من الخارجية الإسرائيلية بروس كشدان ووفد سوداني برئاسة أحد مساعدي مدير جهاز الأمن السابق محمد عطا بوساطة قادها رجل أعمال تركي مقرب من أردوغان”.

 

وفي نفس الاطار ابدى الرئيس التشادي إدريس ديبي الذي زار إسرائيل في شهر تشرين ثاني /نوفمبر 2018 استعداده للمساهمة في تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل والتوسط بينهما.

 

ونقلت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي أن السودان هو الدولة التالية في مسلسل الدول العربية والإسلامية التي من المتوقع أن تنفتح أمام إسرائيل وتبدأ إقامة علاقات معها، وقالت إن الجهود الإسرائيلية السرية تنصبّ الآن على السودان.

وبعد زيارة ديبي بأيام كشفت قناة عبرية النقاب عن “أن إسرائيل أدارت لقاءات سرية ومباحثات مكثفة مع مسؤولين سودانيين، بهدف إدارة مباحثات بين إسرائيل والسودان”.

أقدم تطبيع عربي

 

وأبعد من ذلك، كان السودان أول محطة عربية  انطلق منها قطار التطبيع مع إسرائيل، وذلك في إطار مساعي الخرطوم للحصول على الاستقلال عن مصر وبريطانيا.

وأثناء زيارة إلى العاصمة البريطانية لندن للقاء مسؤولين بريطانيين من أجل المطالبة بدعم استقلال السودان عن مصر، اجتمع الصديق المهدي، الابن الأكبر للسياسي عبد الرحمن المهدي، ونائب الأمين العام لحزب الأمة محمد أحمد عمر مع مسؤولين إسرائيليين في السفارة الإسرائيلية في لندن، في 17 يونيو 1954، واتفقا على أن يكون عُمَر رجل الاتصال الدائم بين الجانبين. وبعد فترة وجيزة من ذلك اللقاء، التقى مسؤولو حزب الأمة السوداني مع محافظ بنك إسرائيل دافيد هوروفيتس في العاصمة التركية إسطنبول، من أجل بحث “فصل السودان عن أي اعتماد اقتصادي على مصر”.

واتفق الجانبان على منح مساعدات مالية لحزب الأمة على شكل قروض لتمكينه من مواجهة النفوذ المصري في السودان، كما اتفقا على استثمار إسرائيل أموالاً في مشاريع اقتصادية في السودان، وفي مشاريع تدرّ أرباحاً مالية على حزب الأمة.

واقترح الحزب السوداني على المسؤولين الإسرائيليين شراء القطن من أراضي المهدي، زعيم الحزب، لثلاث سنوات مقدماً، بمليون ونصف مليون جنيه إسترليني.

ووفقاً لتقارير منشورة، تكثفت الاتصالات بين إسرائيل وحزب الأمة السوداني عشية العدوان الثلاثي الإسرائيلي-الفرنسي-البريطاني على مصر للضغط على القاهرة، وجرى الاتفاق على تقديم إسرائيل قرضاً لحزب الأمة السوداني قيمته 100 ألف دولار من غير ضمانات، وقرضاً آخر للمهدي قيمته 300 ألف دولار، مقابل ضمانات. وبحث الجانبان إقامة بنك زراعي في السودان من أجل إدارة ملف الاستثمارات الإسرائيلية هناك، واقترح رئيس الحكومة الإسرائيلية دافيد بن غوريون أن يسافر المدير العام لوزارة الزراعة الإسرائيلية إلى الخرطوم، لبحث النشاط الإسرائيلي في السودان.

بحسب أستاذ تاريخ الشرق الأوسط والتاريخ الإسلامي في أكاديمية الولايات المتحدة للقوات الجوية في كولورادو جاكوب عبادي تتسم العلاقات الإسرائيلية ـ السودانية، بالسرية والتضارب والتقلبات، لكنها قديمة وتعود إلى فترات مبكرة من بعد قيام دولة إسرائيل بسنوات.

ويوضح عبادي في مقالة له بعنوان (إسرائيل والسودان: ملحمة ذات علاقة غامضة)، أن التبادل التجاري بين البلدين بدأ قبل استقلال السودان في 1956.

ويذكر عبادي بالأرقام حجم التبادل التجاري بين الدولتين، حيث صدر السودان ماشية وقطناً وأعلافاً بين 1949 و1952 بقيمة راوحت بين 300 و700 ألف جنيه إسترليني، ولكنه يؤكد أيضاً أن هذا التبادل التجاري توقف بعد عام 1953 دون أن يذكر أسباباً للتوقف.

ويقول عبادي ان التعاون بين الحزب والدولة العبرية استمر حتى بعد الاستقلال ووصول الحزب للسلطة بعد تولي عبدالله خليل منصب رئيس الوزراء، إلا أن العلاقات بدأت في التدهور، لكنها لم تنقطع بعد الانقلاب العسكري الأول 1958، والثاني بقيادة جعفر النميري عام 1969، والانقلاب الأخير بقيادة المعزول عمر البشير 1989.

أما بالنسبة لحكومة البشير، فإن السياسي وعضو الكنيست السابق ووزير التعاون الإقليمي السابق أيوب أقرا، صرح لقناة نيوز24 الإنجليزية عام 2016 بأن إسرائيل تحتفظ بعلاقات جيدة ـ ولكنها خفية ـ مع النظام السوداني. كما كشف أقرا في عام 2017، عن زيارة مسؤول سوداني لإسرائيل سراً.

خيانة عبد الناصر

 

وفي سبتمبر 1956، زار زعيم حزب الأمة السوداني مصر، برفقة صديقه الشخصي رئيس البرلمان السوداني محمد صالح الشنقيطي، وأجريا محادثات مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وقدم الشنقيطي تقريراً إلى مسؤول إسرائيلي في جنيف، في 27 سبتمبر 1956، عن تلك المحادثات.

وعقدت وزيرة الخارجية الإسرائيلية غولدا مئير اجتماعاً رسمياً سرياً مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل في صيف 1957 في أحد فنادق باريس.

وتقول التقارير أيضاً إن رجل الأعمال  عدنان خاشقجي دعا عام 1979 خمسة مسؤولين من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى الخرطوم للقاء الرئيس السوداني جعفر النميري هم: يعقوب نمرودي ودافيد كيمحي وآل شفايمر ورحافيه فاردي وهانك غرينسبان، وذلك لبحث سبل دعمه داخلياً.

وتشير التقارير أيضاً إلى أن أرييل شارون التقى في مزرعه يمتلكها عدنان خاشقجي في كينيا مع الرئيس السوداني جعفر النميري ورئيس المخابرات السودانية عمر محمد الطيب وكل من عدنان خاشقجي ويعقوب نمرودي وآل شفايمر. وفي بداية عام 1980، وصل إلى الخرطوم مسؤول في جهاز الموساد واجتمع مع عمر محمد الطيب ومسؤولين سودانيين آخرين من أجل الاتفاق على نقل يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل عبر الخرطوم.

كسر العزلة

 

وفي عهد البشير ايضاً، كشفت تراجي مصطفى أبو طالب، رئيسة “جمعية الصداقة السودانية الإسرائيلية السابقة  أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم  في السودان أجرى اتصالات مباشرة مع إسرائيل بدون وسطاء. وقالت أبو طالب من كندا إنها مطلعة على الاتصالات التي يجريها الحزب الإسلامي الحاكم مع إسرائيل، مشيرة الى أن المباحثات مستمرة بين الجانبين من أجل الاتفاق على بعض القضايا السياسية والاقتصادية.

وذكرت أن تل أبيب تريد إبعاد السودان عن المعسكر الإيراني ومنع تدفق أية أسلحة من الموانئ السودانية إلى سيناء ثم إلى حماس، كما تريد من السودان وقف الهجرة غير الشرعية القادمة من إفريقيا باتجاه إسرائيل. أما المطالب السودانية، وفقاً لأبو طالب، فتمحورت حول مساعدة الخرطوم في التكنولوجيا والاقتصاد، لا سيما أن البلاد تعاني من أزمة اقتصادية، مشيرة إلى أن الحزب الحاكم يريد أيضاً كسر العزلة الدولية والحصول على استثمارات غربية ورفع العقوبات الأمريكية على السودان.

وقالت أبو طالب التي استقبلها الرئيس السوداني عمر البشير عام 2016 في الخرطوم إن الدول المجاورة للسودان سواء تشاد أو إثيوبيا أو مصر باتت على علاقة وثيقة مع إسرائيل، لذلك لا يمكن أن تكون الخرطوم بمعزل عمّا يجري حالياً من إعادة ترتيب للعلاقات الإفريقية الإسرائيلية.

وفي يناير 2016، أكد وزير الخارجية السوداني السابق إبراهيم غندور أن السودان يمكن أن يدرس مسألة التطبيع مع إسرائيل، كما كشفت وكالة السودان للأنباء (سونا) في ذلك الوقت أن مسألة التطبيع مع إسرائيل كانت موضوعة ضمن جدول أعمال لجنة العلاقات الخارجية لمؤتمر الحوار الوطني السوداني.

وأشارت الوكالة إلى أن أغلبية أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في مؤتمر الحوار الوطني يوافقون على إقامة علاقات “مشروطة” مع إسرائيل.

تسريبات  ويكيليكس

وكشفت تسريبات  ويكيليكس أن المستشار السابق للرئيس عمر البشير مصطفى عثمان إسماعيل، اقترح على الولايات المتحدة أن تتضمن عودة العلاقات مع واشنطن تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

ففي وثيقة، أكّد إسماعيل للقائم بأعمال السفير الأمريكي سابقاً في الخرطوم ألبرتو فرنانديز، أنه “إذا مضت الأمور بصورة جيدة مع الولايات المتحدة، فقد تساعدوننا في تسهيل الأمور مع إسرائيل، الحليف الأقرب لكم في المنطقة”. وفي أغسطس 2017، قال وزير الاستثمار السوداني مبارك الفاضل المهدي في مقابلة معه إنه يدعم علناً تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإسرائيل.

وتضم قائمة التصريحات الصادرة عن الحزب السوداني الحاكم والتي تنادي بالتطبيع مع إسرائيل كرم الله عباس الشيخ، والي ولاية القضارف الأسبق الذي أعلن انتماءه إلى مدرسة داخل الحزب الحاكم تطالب بالتطبيع، وكذلك الرئيس السابق للجنة الاستثمار والصناعة في البرلمان السوداني عبد الحميد موسى كاشا الذي طالب بالتطبيع مع إسرائيل قائلاً: “ما دمنا قد قبلنا بأمريكا فلنقبل بإسرائيل”.

مشروع إسرائيلي

 

تمتلك تل أبيب مقترحاً قديماً لنقل مياه نهر النيل عبر ترعة السلام في سيناء إلى إسرائيل، لكن هذه الخطوة لم ترَ النور بسبب عدم موافقة كافة دول حوض النيل عليها ومنها السودان.

ويقول الدكتور هاني رسلان، رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية ورئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل في المركز، إنه لا توجد مؤشرات جدية على حدوث تقارب أو تطبيع بين السودان وإسرائيل في المرحلة المقبلة علنياً، لكن ما يجري حالياً هو إطلاق تصريحات من وقت إلى آخر من قبل مسؤولين سودانيين لتهيئة الرأي العام لهذه الخطوة في المستقبل.

وأضاف رسلان أن إسرائيل كي تحقق مشروعها المذكور يجب أن تمتلك علاقات مع كافة دول حوض النيل، وهي بالفعل طبعت مع الجميع إلا السودان. وفق قوله.

ما يعني أن المشروع بات قابلاً للتطبيق بعد لقاء البرهان ونتنياهو.

تبرير

ويوم الثلاثاء أقر  البرهان أنه التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا، وذلك بعد يوم من إعلان إسرائيل حدوث الاجتماع.

وقال البرهان في بيان إنه قام بهذه الخطوة من واقع مسؤوليته بأهمية العمل الدؤوب لحفظ وصيانة الأمن الوطني. وأضاف أن بحث وتطوير العلاقة بين السودان وإسرائيل مسؤولية المؤسسات المعنية بالأمر وفق ما نصت عليه الوثيقة الدستورية.

وأشار إلى أن موقف السودان المبدئي ثابت من القضية الفلسطينية وحق شعبه في دولته المستقلة. على حد تعبيره.

وقالت التقارير الإسرائيلية إن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين انضم هو أيضا إلى زيارة رئيس الوزراء نتنياهو على غير عادته الى أوغندا . وتأتي زيارة رئيس الموساد على خلفية نفي جهاز الأمن السوداني في آذار/مارس 2019 إن رئيس المخابرات والامن الوطني السوادني صلاح قوش التقى مع رئيس الموساد الاسرائيلي في المانيا، على هامش مؤتمر الامن في ميونيخ بهدف اسهام إسرائيل بتلبية طلب السودان لحمل الولايات المتحدة على حذفها من لائحة الدول الداعمة للإرهاب التي أضيفت اليها عام 1993 ورفع العقوبات المفروضة على السودان جراء ذلك.

 

 

مقالات ذات صله