منتدى بالرباط يناقش طرق محاربة التطرف في السجون

تنشغل كل دول العالم، وخاصة الأقطار التي تعاني من صداع الإرهاب، بالبحث عن سبل ناجعة لمقاومة الإرهاب أوالتطرف العنيف لا فقط من خلال محاولة صده عن تنفيذ عملياته، بل أيضا بمعالجة حواضن التطرف، وقد أجمعت دراسات كثيرة على أن السجون تمثّل أكثر الفضاءات المؤهلة لأن تكون أرضيات خصبة لأفكار الإرهاب والتطرف، سواء لدى المساجين المتطرفين أو عند سجناء الحق العام. وفي هذا الانشغال الفكري والسياسي انعقد “المنتدى الأفريقي الأول لإدارات السجون وإعادة الإدماج”، في المغرب يومي 30 و31 يناير الماضي، وتوصّل إلى أن تدبير المعتقلين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب مسألة تتجاوز الحدود الوطنية والقارية.

الرباط – احتضنت مدينة الرباط المغربية، بين 30 و31 يناير الماضي، المنتدى الأفريقي الأول لإدارات السجون وإعادة الإدماج الذي نظم تحت شعار”نحو رؤية مشتركة لتعزيز التعاون جنوب – جنوب لمواجهة تحديات وإكراهات تدبير المؤسسات السجنية”. وشارك في المنتدى، المنظم بمبادرة من المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ستة وثلاثون بلدا أفريقيا.

 

وتوزعت أشغال المنتدى الأفريقي الأول لإدارات السجون وإعادة الإدماج على ثلاث جلسات تتمحور حول مواضيع “أي مقاربة تشاركية ناجعة في تهيئة السجناء للإدماج؟” و”قراءة في تجارب التدبير الأمني بالمؤسسات السجنية، وتدبير السجناء المعتقلين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب” و”تحديث الإدارة السجنية وفعالية العنصر البشري”.

 

وافتتح رئيس الحكومة المغربية، سعدالدين العثماني، المنتدى، ووضع مسألة إدارة السجون في سياقها العام حين أكد أن إصلاح منظومة العدالة كان له وقع إيجابي على مجال تدبير الاعتقال.

 

وأوضح العثماني، أن هذا الإصلاح كان من بين أهدافه الإستراتيجية الكبرى تعزيز حماية القضاء للحقوق والحريات، وبالتالي إرساء سياسة عقابية ناجعة من خلال إقرار بدائل للعقوبات السالبة للحرية، ووضع آليات قانونية لتجنيح الجنايات ذات التأثير البسيط، ومراجعة النصوص القانونية التي تتضمّن فوارق شاسعة بين الحدين الأدنى والأقصى للعقوبة، في اتجاه التقليص من هذه الفوارق، واعتماد ضوابط ومعايير محددة في إعمال السلطة التقديرية التي يتوفر عليها القضاة لتقدير العقوبة.

 

ومن جهتها، اعتبرت ليزا ليتشورت، ممثلة المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، أنّ أي جهود للتصدي لنزعة التطرف المفضي إلى الإرهاب في السجون يجب أن تكون متوافقة مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن تحترم ظروف الاحتجاز كرامة السجناء وحقوقهم.

 

التعامل مع المعتقلين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب مسألة تتجاوز حدود الدول المعنية، بل تتجاوز حدود قارّة بعينها لتصبح قضية عالمية

 

ولفتت ليتشورت، إلى أن من العوامل التي تقف وراء تزايد اهتمام المجتمع الدولي بسياق السجن والعمل مع السجناء أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به السجون في الوقاية من التطرف المفضي إلى الإرهاب وتجنيد الإرهابيين، وفي ضمان إيلاء الاهتمام المناسب بإعادة تأهيل السجناء وإعادة إدماجهم، مبرزة التكامل القائم بين احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وسيادة القانون، وبين إرساء تدابير فعّالة لمكافحة الإرهاب.

 

وأكدت ليتشورت أن المجتمع الدولي بات أكثر وعيا بأن التصدي الفعّال للتهديدات التي يطرحها الإرهاب لا يتطلب فقط بلورة عمليات استخباراتية وتدابير قوية لإنفاذ القانون، بل يتطلب أيضا التزاما بإيلاء الاهتمام لجوانب الوقاية وانخراط مختلف الفاعلين، بمن فيهم الشباب والنساء والمجتمع المدني والقطاع الخاص، والتركيز على مكافحة الخطاب الإرهابي، وتوفر الإرادة لمعالجة الظروف التي قد تفضي إلى الإرهاب، في إطار نهج شامل ومتكامل يكفل حماية حقوق الإنسان وتعزيز سيادة القانون.

 

وفي هذا الصدد، أوضح المدير بمديرية إدارة السجون الفرنسية، رومان بيراي، خلال الجلسة العامة الثانية للمنتدى، والتي نظمت حول موضوع “قراءة في تجارب التدبير الأمني بالمؤسسات السجنية، وتدبير السجناء المعتقلين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب”، أن هذا الموضوع يتجاوز رهانات الإدارات السجنية، مبرزا أنه “قضية مجتمعية يجب أن تعبئ جميع القوى المعنية”.

 

وأضاف بيراي، أن تدبير المعتقلين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب يتجاوز حدود الدول المعنية، “بل إنه يتجاوز حدود قارّة بعينها ليصبح قضية عالمية”.

 

مقاربة مغربية ناجحة في إزالة نزعة التطرّف لدى المعتقلين وإعادة تأهيلهممقاربة مغربية ناجحة في إزالة نزعة التطرّف لدى المعتقلين وإعادة تأهيلهم

 

وخلال استعراضه للإستراتيجية الفرنسية في مجال محاربة التطرّف في الوسط السجني، أشار إلى أنها ترتكز على ثلاثة محاور، وهي الرصد والتقييم والتكفل، مسجلا أن هذه الإستراتيجية تسمح كذلك بالتكفل خارج المؤسسة السجنية، من خلال مراكز تقدم “مواكبة معززة” للمعتقلين السابقين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب من أجل تسهيل إعادة إدماجهم.

 

واستعرض رئيس المرصد المغربي حول التطرّف والعنف، مصطفى الرزرازي، المقاربة المغربية في تدبير السجناء المعتقلين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب، وأكد أنها تهدف إلى إعادة إدماج هذه الفئة في المجتمع.

 

وأوضح الرزرازي، أن المقاربة المغربية في هذا المجال، الذي تم اعتمادها بعد الاعتداءات الإرهابية لـ16 مايو 2003، هي مقاربة شمولية تجمع بين الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية واحترام حقوق الإنسان، مبرزا أنها تروم، بالأساس، إزالة نزعة التطرّف لدى المعتقلين وإعادة تأهيلهم.

 

وأشار إلى أن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج أطلقت، بالشراكة مع الرابطة المحمدية للعلماء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، برنامج “مصالحة”، الذي يسعى إلى أنسنة وتحسين ظروف الاعتقال، وتأهيل السجناء لتهيئتهم للإدماج في المجتمع، منوها بهذه المبادرة الرائدة على الصعيد القاري.

 

وأبرز أن هذا البرنامج يعمل على محاربة التطرف العنيف من خلال الاعتماد على التربية الدينية، والمواكبة النفسية، وتنظيم ورشات عمل تعنى بالقانون ونشر ثقافة حقوق الإنسان، وتقديم تأطير سوسيولوجي واقتصادي لهذه الفئة من المعتقلين، مسجلا أن هذا البرنامج مكّن مجموعة مهمة من السجناء من الخروج من دائرة التطرّف ونبذ العنف بكل أشكاله.

 

مؤسسات سجنية أصبحت مراكز مميزة لنزع الأفكار المتطرّفة والعنيفةمؤسسات سجنية أصبحت مراكز مميزة لنزع الأفكار المتطرّفة والعنيفة

 

من جانبها، أكدت ممثلة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأفريقيا، نيرينا تشيبيوت كيبلغات، أن هذه الهيئة التي أطلقت برنامجا يساعد دول القارة على محاربة التطرّف وتدبير السجناء المعتقلين على خلفية قضايا التطرف والإرهاب، تعتبر أن المؤسسات السجنية أصبحت مراكز مميزة لنزع الأفكار المتطرّفة والعنيفة، وحماية المجتمعات الأفريقية من آفة الإرهاب، منوّهة في هذا الصدد بالتجربة المغربية في هذا المجال.

 

ودعت المسؤولة الأممية الدول الأفريقية إلى إيلاء اهتمام خاص بالنساء العائدات من ساحات النزاعات، ولاسيما اللواتي يحملن أطفالا، من أجل إعادة تأهيلهن وإدماجهن في مجتمعاتهن، مسجلة أهمية تعزيز قدراتهن الفكرية والمعرفية، واستفادتهن من التكوينات المهنية الملائمة لأسواق الشغل.

 

وفي ختام المنتدى تم إصدار “إعلان الرباط” الذي أوصى بوضع التجربة المغربية في تدبير السجون رهن إشارة الدول الأفريقية في المجالات التالية:

 

أ – تدبير آليات التعاطي مع سجناء قضايا التطرّف والإرهاب.

 

ب – تكوين الموارد البشرية وتطوير آليات العمل وإعداد البرامج من خلال مركز تكوين الأطر بتيفلت الذي يظل رهن إشارة الأطر الأفريقية في سياق التكوين وتبادل الخبرات.

 

ج – تدبير إدماج السجناء خلال فترة اعتقالهم.

 

د – تدبير إدماج السجناء بعد الإفراج عنهم في إطار برامج الرعاية اللاحقة من خلال تجربة مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء في هذا المجال.

مقالات ذات صله