بين التشرد ومراكز الاستقبال.. قصص معاناة مهاجرين في صربيا

بين التشرد ومراكز الاستقبال.. قصص معاناة مهاجرين في صربيا

 

 

 

كتب: شريف بيبي

بعد فض اعتصامهم فجر اليوم الجمعة عند معبر كيليبيا الصربي الحدودي مع المجر، وزعت السلطات الصربية المهاجرين على نحو 15 حافلة نقلتهم إلى مناطق حدودية أخرى، بعيدة عن المجر. مجموعة صغيرة حالفها الحظ وتم نقلها إلى مركز سوبوتيسا. المجموعة أوضحت لمهاجر نيوز ظروف الاحتجاز التي تمر بها والأسباب التي دفعت المهاجرين في صربيا لمحاولة اختراق الحدود مع المجر بشكل جماعي.

الطقس بارد، الحرارة لا تتعدى الدرجة المئوية الواحدة. تستيقظ سوبوتيسا على مهلها وهي تصارع الندى وطبقة الجليد الرقيقة التي تشكلت على الطرقات والسيارات. هدوء المدينة يكاد لا يعكر صفوه سوى صوت محرك سيارة يتيم أو زقزقة شحرور يستقبل الصباح بنشاط.

ولكن للصورة وجه آخر. في المدينة مركز استقبال للمهاجرين، تحديدا العائلات منهم. داخل المركز مجموعة من المهاجرين الذين شاركوا أمس بقافلة الحدود وتم إبعاده بواسطة الشرطة. إجمالا تم تفريق المهاجرين إلى عدد من مناطق صربيا، إلا أن مجموعة صغيرة حالفها الحظ وبقيت في سوبوتيسا.

“طبعا حالفها الحظ”، يقول احمد، اللاجئ الفلسطيني القادم من مخيم المقرب في حلب. “مجرد بقاءنا هنا سيوفر علينا مشقة طريق العودة لهذه المنطقة. لن نتوقف عن محاولات العبور، حتى ننجح”.

 

لقاء خارج المركز

وتعتبر هذه المنطقة مهمة للمهاجرين، كونها قريبة من الحدود مع المجر، حيث تستمر محاولاتهم اليائسة بشكل شبه يومي لعبور السياج الحدودي.

مهاجر نيوز كان يتحدث إلى المهاجرين داخل المركز، إلى أن حضر أحد عناصر الشرطة وطلب منا الخروج، “لا يحق لكم التواجد هنا، هذا مركز خاص”. لم تفلح كافة محاولات الاستفسار من رجل الأمن حول المركز ووظيفته، في كل مرة كان يطلب منا التواصل مع رؤسائه في بلغراد. مهاجر نيوز حاول التواصل مع السلطات المعنية في بلغراد، ولكن حتى لحظة اعداد هذا التقرير لم يصلنا جواب.

خرجنا من المركز لتوافينا مجموعة من المهاجرين في الخارج.

 

“لماذا يتعاملون معنا بهذه الطريقة”

علاء، مهاجر سوري قادم من حلب، وصف الحياة داخل المركز بالسجن، ” لا أنكر أنني سعيد كونهم جلبوني إلى هنا، ولكنهم في الداخل يتعاملون معنا كالمساجين. منذ لحظة وصولنا صباح اليوم، لم يقدموا لنا شيئا،حتى الماء. قلنا لهم انه لدينا اطفال وهم بحاجة لأشياء محددة، حتى الآن لم يجيبونا”.

ما قاله علاء كرره الكثير من المهاجرين الذين ادلوا بشهاداتهم حول الوضع في صربيا. ويضيف المهاجر الحلبي “لا افهم لم يتعاملون معنا هكذا. البارحة ضربوا النساء والاطفال وطردوا الصحفيين من موقع اعتصامنا. اليوم يشعروننا بالإهانة في كل مرة نطلب فيها كوب ماء”.

وهذه ليست المرة الأولى التي يشكي فيها مهاجرون من سوء المعاملة في صربيا. وسبق لمهاجر نيوز ان تحدث عن العنف الممارس من الشرطة الصربية تجاه المهاجرين عموما.

يتدخل مختار، وهو مهاجر سوري أيضا من دمشق، ليؤكد على تلك الوقائع “البارحة خلال اعتصامنا، ذهبت ومجموعة من النساء والرجال لشراء الماء. منعتنا الشرطة من ذلك دون أدنى سبب. حتى انه خلال الليل، جاءت مجموعة من المتطوعين وجلبت لنا بعض الاغطية الصوفية لندفئ بها الاطفال، رفضت الشرطة السماح لهم بإدخالها. كيف يمكن تصنيف هذه التصرفات؟”.

 

عنف وعنصرية

روايات المهاجرين لم تتوقف عند هذا الحد. عماد، مهاجر سوري، قال لمهاجر نيوز إن زوجته فقدت “جنينها لحظة دخولنا إلى صربيا. حينها الشرطة علمت بحالة زوجتي، فراح أحدهم يضربها متعمدا على بطنها. ما هذا الإجرام؟ “.

قصص سوء المعاملة لم تنته هنا، إذ غالبا ما يعاني المهاجرون من ممارسات عنصرية حتى في الشارع. يقول أحمد “طردت عدة مرات من متاجر بقالة لأنني أتحدث العربية. في كل مرة كنت أهم لأدفع ثمن الحاجيات التي اشتريتها، يرفض صاحب المتجر استلام الأموال مني ويطردني خارجا. حتى عند محطات الحافلات العامة، قد تخسر دورك لصالح صربي فقط لأنك مهاجر”.

خلال أحاديثهم، ما انفك المهاجرون يتحدثون عن ألبانيا وكوسوفو، وكيف انهم وجدوا معاملة راقية وإنسانية هناك، عكس صربيا. ويزيد علاء “وتركيا أيضا. ما شهدناه من عنصرية هناك لا يحتمل”.

 

“لن نستسلم”

“محاولات العبور لم تتوقف هنا، ولن تتوقف”، يقول أمجد المهاجر التونسي، “هناك محاولات شبه يومية، ولكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها تنظيم عبور جماعي بهذا الشكل. ما أردنا قوله من خلال هذه المحاولة هو اننا لا نريد البقاء في صربيا، والصرب أنفسهم لا يريدوننا هنا، فليفتحوا لنا الحدود. نريد الذهاب إلى اوروبا، حيث أهلنا وأصدقاؤنا وحقوق الإنسان”. ليختم كلامه قبل أن يغادرنا عائدا إلى داخل المركز “عليهم أن يعرفوا اننا لن نستسلم”.

خلال الحديث، كان المهاجرون يتلقون اتصالات من أصدقاء لهم فصلوا عنهم البارحة. مجموعة منهم تم إرسالها إلى المنطقة الحدودية مع بلغاريا، أخرى إلى الحدود مع مقدونيا. جميع الاتصالات كانت تنتهي تقريبا بنفس العبارة “إذا كتب لنا اللقاء من جديد”.

 

طرد من المركز

حالة الغربة التي يعيشها هؤلاء المهاجرون عكست نفسها على تصرفاتهم ومفرداتهم، التي تكاد لا تخلو من “إذا ولعل وربما”، وقفات كلامية تنم عن ضياع وخوف دائمين مما تخبئه لهم الايام القادمة.

فجأة، بدأت هواتفهم جميعا بالرنين، إنهم أصدقاؤهم داخل المركز يقولون لهم “تعالوا خذوا اغراضكم، لقد اتخذ القرار بطردنا من هنا”. على عجل غادرنا المهاجرون ليلملموا حاجياتهم استعدادا لخوض معركة جديدة مع التشرد والصقيع والعنصرية، ليقول أحمد قبيل مغادرته “يبدو أن مصيرنا هو معانقة المجهول شخصيا”، ليختم جملته بابتسامة صفراء “سلام على القيم والمبادئ، الإنسانية أدارت ظهرها للمهاجرين”. / عن موقع مهاجر نيوز.

مقالات ذات صله