سباب فشل المحادثات مع السعودية-* صادق العماري

 

تفصلنا أيام قليلة عن مرور 1000 يوم على ذكرى الحصار الجائر على بلادنا، هذا الحصار الذي فرضه أشقاء وجيران كنا نحسبهم عوناً وظهراً قبل أن يكشفوا عن حقيقة نواياهم وطعناتهم الغادرة التي ظهرت فجر يوم الخامس من يونيو 2017 في حدث فاجأ شعوبهم بقدر ما فاجأ أهل قطر.

لا دليل ولا إثبات ولا مبرر سوى ما لمسه الجميع من أن الهدف هو وضع قطر تحت إقامة سياستهم الجبرية، وألا يكون لها رأي ولا موقف إلا ما يرونه وما يتفقون عليه، وكأنهم ولاة الأمر وما على قطر سوى الطاعة والخضوع.

ألف يوم وقطر بألف خير من دونهم، كما قال صاحب السمو – حفظه الله – ومع ذلك ما زالت يد قطر ممدودة بالسلام ومنفتحة على الحوار ولا تدع أي فرصة للتقارب إلا وتمسك بها وتحترمها وتعمل ما تمليه عليها أخلاقها ومبادئها وما تؤمن به، وفي حين ترى قطر أن هناك أكثر من وجهة نظر للتعامل مع القضايا في المنطقة والعالم، فإن هذه الدول لا تريد سوى تغليب مصالحها الضيقة على مصالح الجميع، حيث لا تعم الفائدة إلا عليها فقط دون مراعاة للآخرين الذين تريدهم فقط لهدفين: تمويل مغامراتهم والصمت على أفعالهم.

قبل أسابيع مضت استبشر الخليجيون خيراً، عندما انتشرت الأخبار عن إحياء جهود المصالحة الخليجية، وانتعاش الوساطة الكويتية، وبدء المفاوضات بين قطر والسعودية، لبحث نقاط الاتفاق من أجل تعزيزها ومناقشة الخلاف للوصول إلى حلول ترضي جميع الأطراف.

كانت البشرى عظيمة وارتسمت ابتسامة عريضة من الكويت حتى عمان، ابتهاجاً بأن الأخوة والجوار سينتصران في النهاية، حيث في هذه الأزمة المستمرة منذ ما يقارب ألف يوم لا منتصر فيها سوى من يريد بمنطقتنا الخراب والتفتت والدمار.

ولكن! ماذا حدث بعد هذه الأخبار السعيدة؟! لقد فشلت المفاوضات وتعثرت وعادت الأزمة إلى نقطة الصفر.

ترى ما السبب؟ هل ما زالت دول الحصار تبحث عن أدلة إدانة لجريمة اقترفتها بحق شعب قبل ثلاث سنين؟!

هل بحثوا عن مخرج مناسب للأزمة أمام شعوبهم ولم يجدوا هذا المخرج ففضلوا استمرارها بدلاً من الرجوع عنها؟!

في اعتقادي أنني أعرف السبب! لو أننا أمعنا النظر قليلاً بمبادئ السياسة التي تنتهجها السعودية الجديدة، لوجدنا أن ما يميزها هو أنها بلا مصداقية ولا جدية، وهي سياسة ساخرة أكثر مما تكون حقيقية مبنية على مرتكزات واقعية تخدم مصالحها كدولة وشعب، ربما لو تذكرنا بعض المواقف التي مرت بها “السعودية الجديدة” سنرى أن الوعود أكبر من الأفعال، وأن التخدير الكلامي الذي تحقن به شعبها يتفوق على واقع مرير وهو أشبه بالسراب الصحراوي في قيظ الظهيرة.

لقد مرت – على سبيل المثال – 4 سنوات تقريباً على وعد ولي العهد السعودي بأن اقتصاد بلاده لن يعتمد على النفط في عام 2020، وقال بالحرف الواحد في قناة “العربية”: “نستطيع أن نعيش في 2020 من دون نفط”، وها نحن اليوم في منتصف الشهر الثاني من عام 2020 وما زال النفط هو محرك الاقتصاد الوحيد في السعودية، وما تزال الميزانية تترنح إن انخفضت الأسعار أو إذا وصل صاروخ حوثي إلى حقول النفط!.

حسناً.. هل هذا كل شيء؟!

كلا ما يزال لديَّ أمر مهم وأكثر خطورة، في 2 مايو 2017 ظهر ولي العهد السعودي في مقابلة تلفزيونية ليعلن أن “بإمكاننا أن نجتث الحوثي في اليمن في أيام قليلة”، وبغض النظر عن أن هذا التصريح جاء بعد بدء الحرب على الحوثيين بعامين حيث انطلقت المعارك في 2015 إلا أن هذه الأيام القليلة التي تعهد بها ابن سلمان قد أصبحت 3 سنوات من 2017 ولم تنته الحرب، بل ولم تحقق السعودية الجديدة وتحالفها أي انتصار ولو معنوي مع الحوثيين، بل على العكس تماماً وصلت صواريخ الحوثي إلى العمق السعودي، وأصبحت المملكة كلها أهدافاً لهم، ولم تسلم آبار النفط أو المطارات من الصواريخ التي اعتادت العبور بسلام دون أن تتمكن الدفاعات الأرضية من اصطيادها قبل وصولها إلى أهدافها.

أسأل الله العلي القدير أن يحفظ أشقاءنا في السعودية منها، ومن الحروب ومن التخدير الموضعي الذي تتفنن حكومتهم في حقنهم به كلما ضاق عليها الأمر.

أمر آخر مهم أيضاً ودليل قوي على عدم جدية السعودية الجديدة في حل الأزمة هو استمرار إعلامها المنحط في النيل من قطر ورموزها، ولم تهدأ هذه الحملات الكاذبة يوماً واحداً حتى وإن ادعوا كذباً أمام شعوبهم أنهم يريدون إنهاء الأزمة.

ما يزال إعلام “المعدة” مستمراً في الكذب والتضليل، واستمر المغردون الذين يقبضون الثمن مع كل تغريدة بالتنافس في السفالة والقذارة والقذف بالأعراض.

عن أي صلح يتحدثون وهم يطلقون كلابهم تنبح في كل المنصات؟!

عن أي محادثات يريدون وهم مستمرون في سرد الأكاذيب وتوزيع الاتهامات على من لا يكون على هواهم وبنفس أفكارهم؟

ربما كنت من القلة الذين تفاءلوا بقرب انتهاء الأزمة الخليجية؛ ليس حباً في هذه الأنظمة، بقدر ما هو رغبة في عودة الدفء إلى حضن الخليج، الخليج الواحد كما كنا نردد ونحن نستمع إلى الأغاني الوطنية في أوقات انعقاد القمم. ربما كنت متفائلاً، ولكنني اليوم اقتنعت بأن “السعودية الجديدة” لا مصداقية لها ولا جدية في مواقفها بعد اليوم.

—–

رئيس تحرير صحيفة (الشرق) القطرية.

مقالات ذات صله