قمع المحتجين ورّط النظام العراقي ولم يشتّت الانتفاضة

 

 

لندن – ضد الارهاب

يمثّل تواصل موجة الاحتجاج غير المسبوقة في العراق للشهر الخامس، فشلا مزدوجا للنظام وللأطراف القائدة له والعاملة في الوقت الحالي على حمايته من السقوط تحت ضغط الشارع.

 

ورغم استخدام السلطة مدعومة بالميليشيات الشيعية ومستعينة بـ“الخبرة الإيرانية”، لأقصى درجات القمع والتنكيل بالمحتجين، فإنّها لم تنجح في كسر إرادتهم وإنهاء الانتفاضة الشعبية المتواصلة منذ أكتوبر الماضي، وهو المظهر الأول للفشل.

 

أما المظهر الثاني فيتمثّل في عدم القدرة على إخفاء تورّط السلطات بشكل مباشر وبطريقة ممنهجة في قمع المحتجّين وارتكاب جرائم متنوعة بحقّهم، الأمر الذي يساهم في مزيد تلويث سمعة النظام السيئة أصلا محلّيا ودوليا، وتوسيع الهوّة بينه وبين المجتمع.

 

وأظهر تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية جملة من الحقائق الصادمة حول مدى الوحشية التي بلغها قمع المحتجين في العراق، وأثبت بشهادة بعض من عايشوا الأحداث وساهموا في صنعها تورّط حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي والميليشيات الشيعية بشكل مباشر في جرائم ضدّ المشاركين في الحراك الاحتجاجي، من شأنها أن تضع كبار المسؤولين في الدولة وزعماء الأحزاب والميليشيات، موضع مساءلة أمام العدالة الدولية.

 

ويُسقط التقرير الذي أعدّه مراسل الصحيفة في بغداد غيث عبدالأحد، بشكل نهائي، أسطورة “المندسين”، و“الملثّمين” و“الطرف الثالث”، التي لطالما سوّقتها السلطات العراقية لتبرير العدد المهول من الضحايا في صفوف المحتجّين بين قتلى وجرحى ومختطفين.

 

لكنّ التقرير ذاته يثبت وجود طرف واحد مندسّ في صفوف المتظاهرين، وهو طرف أمني استخباراتي حكومي، يقوم بدور فعّال في تصيّد المشاركين البارزين في الاحتجاجات والإيقاع بهم.

 

ويورد التقرير شهادة مسعف شاب مشارك في الاحتجاجات اختطفه مسلّحون ملثّمون من أمام بيته وأخضعوه لعملية تعذيب وحشية جعلته يتمنّى الموت للخلاص مما هو فيه.

 

ويأتي في التفاصيل أنّ “حيدر” وهو اسم مستعار للمسعف العسكري السابق كان يشارك في إسعاف المحتجين المصابين بقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والمطاطي في ميدان التحرير وسط العاصمة بغداد، عندما أصيب أواخر شهر أكتوبر الماضي بقنبلة غاز في ذراعه.

 

وفي أواسط ديسمبر الماضي تعرّض حيدر للاختطاف على يد رجال ملثّمين يرتدون الزي العسكري من أمام منزله في حي شعبي بشرق بغداد حيث حضر للاطمئنان على زوجته الحامل ووالدته، وأُخذ في شاحنة صغيرة إلى منزل في مكان مجهول حيث جرى التحقيق معه تحت طائلة التعذيب الوحشي بهدف انتزاع معلومات منه عن الحركة الاحتجاجية وقادتها.

 

وتعلّق الغارديان على ردّة فعل الحكومة العراقية على اندلاع موجة الاحتجاجات بالقول إنّ استجابتها لحركة الاحتجاج كانت عنيفة ووحشية، مذكّرة بمقتل وجرح حوالي 26 ألف مدني واحتجاز حوالي 2800 شخص خلال أربعة أشهر من عمر الانتفاضة الشعبية.

 

وتؤكّد بالاستناد إلى شهادة مسؤول كبير في لجنة حقوق الإنسان العراقية أنّ اتّباع أساليب عنيفة بمواجهة موجة الاحتجاج كان خيارا حكوميا واضحا منذ اليوم الأول لاندلاعها.

 

وقال المسؤول ذاته إنّ العنف ضدّ المحتجّين جاء على موجات مختلفة حيث تمّ بادئ الأمر قتل العشرات منهم، ثم جاءت موجة اغتيال واختطاف الناشطين والصحافيين والأكاديميين وأي شخص يشتبه في دعمه ماديا أو معنويا لحركة الاحتجاج.

 

وأكّد أن عمليات الاختطاف ليست عشوائية بل يتم حسابها وتخطيطها وتنفيذها بدقّة لترويع المتظاهرين، موضّحا أنّه جرى التدرج في تنفيذها بحيث تمّ البدء بالناشطين البارزين، وخاصة أولئك الذين يظهرون في وسائل الإعلام، ثم جاء دور الأكاديميين والمثقفين، فالصحافيين وصولا إلى المسعفين والممرضين والأطباء.

 

ويروي المسعف حيدر تفاصيل مروعة ويصف مشاهد مقزّزة من عملية تعذيبه والتنكيل به وإهانته بنزع ثيابه وتعليقه لساعات طويلة وضربه على ذراعه المصابة حتى يفقد الوعي ووضعه في بركة من المياه المتسخة بالفضلات البشرية ووضع كتل إسمنتية على جسده.

 

ويقول إنّ خاطفيه هددوه بالاعتداء على أمّه وزوجته الحامل عندما رفض تحديد هوية أي شخص مشارك في الاحتجاجات، حيث كانوا يظنون أنّ للحراك الاحتجاجي قيادات ويريدون الوصول إليها.

 

انتهت مأساة حيدر بإطلاق سراحه في مكبّ مهجور للنفايات، وذلك بهدف واضح على ما يبدو وهو نقل ما تعرّض له لباقي المحتجين بهدف ترهيبهم.

 

ومع ذيوع أخبار قتل المحتجين واختطافهم والتنكيل بهم، لجأت حكومة عبدالمهدي لترويج رواية “الطرف الثالث” للتملّص من مسؤولية ما يحدث من جرائم.

 

لكنّ مسؤولا رفيعا في مديرية الحشد الشعبي فنّد هذه الرواية، مؤكّدا تشكيل غرفة عمليات لإدارة قمع المحتجين بقيادة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي وبمشاركة قادة الجيش والشرطة والحشد ومستشارين إيرانيين، و”جميعهم رأوا التظاهرات جزءا من مؤامرة خارجية، واتخذوا قرارا بقمعها بعنف”.

 

وأضاف المسؤول ذاته أنّ بعض فصائل الحشد قرّرت استهداف الناشطين الذين تتهمهم بالارتباط بالسفارات الأجنبية.

 

ويدعم ضابط مخابرات في وزارة الداخلية دحض رواية “الطرف الثالث” واتهام حكومة عبدالمهدي بالتورّط المباشر في قمع المحتجين، بالقول إنّ قوات الأمن توجد بالقرب من ساحات التظاهر في بغداد، وعناصرها يراقبون أي شخص يدخل ويخرج، وهناك شبكة من الكاميرات عالية الدقة تربط نواحي العاصمة، لذلك لا يمكن تصور أن الحكومة لا تستطيع تحديد هوية الأشخاص بدقّة.

 

كما يؤكّد اختراق إدارة المراقبة السرية بالوزارة لصفوف المحتجين وإقامتها خياما لعناصرها في ساحات التظاهر، موضّحا “نحن نستفيد من الشباب المحتجين وقلة خبرتهم، ونتحدث معهم ونحصل على أسمائهم ونتابعهم للوصول إلى قادتهم”.

 

وعن الهدف من ذلك العمل الاستخباراتي يقول “تريد الحكومة منا أن نرفع تقارير يومية بشأن من يمول الاحتجاجات، لكن لا يمكننا العثور على هؤلاء الممولين، لأن الجميع يرسلون الأموال؛ النساء المسنات وأصحاب المتاجر والطلاب”، ويضيف “الحكومة مهووسة بفكرة المؤامرة وبأن جميع المظاهرات تنظمها سفارات أجنبية”.

مقالات ذات صله