غياب هامش الحرية يضع القنوات المصرية في مأزق

كتب: احمد جمال

أجبر الركود الذي تعاني منه وسائل الإعلام بعض مقدّمي البرامج في مصر إلى اللجوء للسخرية التي توقفت منذ عامين حينما تعرضت لهجمة شرسة شنّتها دوائر قريبة من الحكومة انتهت بتدخل البرلمان لوقف بث برنامج “بالعربي SNI”، وهو ما تكرر بعدها بأشهر قليلة مع برنامج “لايف من الدوبلكس” الذي قدمته الدمية “أبلة فاهيتا”.

 

وأثار برنامج “الكلام على إيه” الذي بدأت فضائية الحياة بثه قبل أيام جدلا على الساحة الإعلامية بمصر بعد أن استعان البرنامج بالصحافي جابر القرموطي، حيث بدا البرنامج كأنه محاولة لاصطناع السخرية بالعزف على وتر فايروس كورونا.

 

وخلق البرنامج حالة من النقاش حوله بعد أن أجرى مقدمه حوارا تخيليا مع فايروس كورونا، طغى عليه التهكم والسخرية، وبدا أن الجمهور فقد الثقة في تقديم محتوى يضاهي ما حققه برنامج “البرنامج” للإعلامي باسم يوسف قبل سنوات، عقب فشل غالبية البرامج التي ظهرت بعده وتبنّت النهج نفسه.

 

واعتمدت الخارطة البرامجية للعديد من الفضائيات المصرية على المحتويات الساخرة في محاولة لتكرار العوائد الإعلانية التي حققها برنامج باسم يوسف، لكن لم تستمر سوى لموسم واحد فقط، وكلّفت أصحاب القنوات خسائر فادحة، منها “أشرف يقدمه أيمن”، “بني آدم شو”، “وش السعد”، “ما يصحش كده”، “شكشك شو”، “الفرنجة”، “عرض كبير”، “آخر الليل”.

 

واعتمدت غالبية البرامج على الأداء التمثيلي للمذيعين من دون أن يكون هناك مضمون جيّد يجذب الجمهور، فيما حاول البعض الآخر استنساخ تجارب سابقة، وبدا أن هناك تركيزا أكبر على الإيحاءات الجنسية والألفاظ الخارجة.

 

وظهر ذلك واضحاَ في برنامج “عرض كبير” الذي قدمه الإعلامي أكرم الشرقاوي وقررت فضائية “سي.بي.سي” إذاعته ثم سرعان ما توقف نتيجة هجوم الجمهور عليه.

 

ويربط العديد من خبراء الإعلام بين فشل البرامج الساخرة وبين مساحة الحرية المتاحة لديها، لأن الدخول في موضوعات سياسية هو المغذي الرئيسي لمحتوى غالبية هذه البرامج، لكن لم يكن مسموحا به، والمناخ العام لم يكن يقبل السخرية من بعض المواقف والشخصيات، وهو أمر لم يتغيّر حتى الآن، ما يجعلها قريبة من برامج المنوعات ولا يمكن تصنيفها على أنها ساخرة.

 

وقالت سهير عثمان، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، إن البرامج الساخرة تستمد قوتها من مساحة الحرية في المجتمع، ومحاولة فرض السخرية في أجواء غير ملائمة يؤدي إلى خروج محتوى مشوّه، وقد يتجاوز المواثيق الإعلامية رغبة في تقديم مضمون غير تقليدي يستطيع من خلاله جذب الجمهور من دون أن يتخطى سقف الحرية المتاح.

 

وأضافت عثمان، أن برنامج القرموطي الجديد لجأ إلى تلك الحيلة للتعامل مع السقف المحدد له، وتعامل مع وباء فايروس كورونا بقدر من الاستخفاف في وقت توظف فيه الحكومة كل إمكانياتها الجادة للتحذير منه، وتحاول أن ترفع من وعي المواطنين لمواجهته.

 

وأشارت إلى أن مواصفات المذيع الساخر أن تكون لديه قدرات تمثيلية تستطيع أن تصل بالرسالة التي يسعى البرنامج إلى توصيلها بشكل سليم، بجانب تمتعه بكاريزما كوميدية لإضحاك الجمهور وتحقيق الهدف الرئيسي منه، وهو أمر يعاني منه “الكلام على إيه” لأن مذيعه يحاول الخروج عن الإطار المألوف بحبكة غير مقبولة جماهيريا.

 

ويرى بعض الخبراء أن القوانين التي فرضتها الحكومة طيلة السنوات الماضية هدفت إلى تصويب الممارسات الإعلامية، غير أنها انتهت إلى انكماش السقف المسموح به، وتجاوز هذا السقف ينبغي أن يكون في الوقت الحالي من خلال البرامج السياسية التي فقدت جمهورها، وليس الساخرة التي من المفترض أن تقدّم نقدا بنّاء للمشاكل والأزمات التي يعاني منها المجتمع، وليس فقط السخرية من الحلول المطروحة.

 

وذهب هؤلاء للتأكيد على أن فرض الأجندات السياسية على المحطات الفضائية لا يسمح بانتشار البرامج الساخرة من الأساس، والأمر يتخطى الحدود المصرية، لأن ذلك نتج عنه تحّول البرامج الساخرة من أداة ذكية لانتقاد الواقع إلى منافسة محمومة على تقديم ما يمكن تسميته بـ”التنمر الساخر” لاستهداف الأنظمة والحكومات، وأضحى الصراع على حجم المنافسة في التهكم، بغض النظر عن المحتوى.

 

وخلال فترة انتشار البرامج الساخرة في مصر بصورة كبيرة جرى الارتكان إلى السخرية من القضايا المجتمعية وليس السياسية، كما هو الحال بالنسبة إلى برنامج “البلاتوه”، الذي قدّمه الفنان أحمد أمين، واستطاع أن يقدّم أربعة مواسم متتابعة وحاز على العديد من الجوائز الإعلامية، لكنه لم يقدّم السخرية بمعناها التقليدي التي تؤدي إلى الإضحاك طيلة فترة البرنامج، وبالتالي كان موجّها لمخاطبة الأُسر وليس الجمهور بشكل عام.

 

في المقابل فإنّ غياب البرامج الساخرة عن القنوات الفضائية سمح بانتشار العشرات من البرامج عبر المنصّات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، واستطاعت أن تحقق قاعدة جماهيرية واسعة بفعل اعتمادها على السخرية من الحكومة وتصيّد أخطاء الإعلاميين المحسوبين عليها، وهو ما استغلّته القنوات التي تبثّ من تركيا، إذ عملت على التعاقد مع مقدميها، وبنت في كثير من الأحيان خطط انتقاد السلطة المصرية على تلك البرامج.

 

وجعل ذلك عودة البرامج الساخرة على الفضائيات المصرية أمرا ملحّا في الوقت الحالي، لاستغلال أخطاء قنوات الإخوان أيضا وتشكيل جبهة تجابه ما تبثه من محتويات سلبية.

 

وعملت قناة الجزيرة على جذب أحمد الغندور مقدّم حلقات “الدحيح” ليكون أحد أهم البرامج عبر منصتها الإلكترونية AJ+ “عربي”، بعد النجاح الكبير الذي حققه على قناته الخاصة على موقع يوتيوب، واستطاع على مدى تقديم أكثر من 160 حلقة قصيرة تحقيق مشاهدات بمجموع يزيد عن 250 مليونا.

 

وأكد محمد عبدالرحمن، الخبير الإعلامي، أن التحديات التي تواجه البرامج الساخرة في الوقت الحالي تختلف عمّا كان عليه الوضع منذ عامين، لأن الرهان في ذلك الحين كان على تقديم محتوى جاذب ويتناسب مع سقف الحرية المفروض، في محاولة للوصول إلى ما قدّمته برامج ساخرة ظهرت في وقت شهد فيه الإعلام حرية كبيرة.

 

وأوضح، أن التحديات ترتبط بمدى قدرة هذا النوع من البرامج على جذب المشاهدين من جديد، بعد أن ابتعدوا عن التلفزيون بشكل عام، وارتبطوا بحلقات قصيرة قد لا تتجاوز مدتها خمس دقائق على مواقع التواصل، بما جعل مشاهدة البرامج ذات الفقرات الطويلة بحاجة إلى محتوى حصري.

 

وأشار إلى أن تجربة الصحافي جابر القرموطي ستكون قيد التقييم حتى شهر رمضان، ومن ثمّ سيكون هناك قرار إما باستمرار البرامج وإما بإيقافه، والأمر متوقف على قدرته في تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة خلال الحلقات المقبلة.

 

 

مقالات ذات صله