الصحة النفسية للمصاب في خطر.. كورونا ليست جريمة

الصحة النفسية للمصاب في خطر.. كورونا ليست جريمة

كتب: ليلى جرجس

أن تسمع بالفيروس شيء، وأن تعيش معه شيء آخر. فجأة تحوّل فيروس #كورونا في نظر البعض إلى وصمة عار وإدانة جماعية. هذا الفيروس المنتشر في كل أنحاء العالم اتخذ في لبنان منحى آخر اجتماعياً، وبعد أن كان الإعلان عن الإصابة بالفيروس مصدر شفافية يُطالب به الجميع، أصبح اليوم مصدر قلق وخوف وذنب نتيجة المضايقات التي تعرض لها البعض، فقط لأنهم مصابون بالكورونا. الأمس واليوم وغداً نقول أن #كورونا_مش_جريمة

 

لا يهمنا من المسؤول في إثارة هذا الهلع الجماعي، من ناحية أكدت التجارب اللبنانية عدم مسؤولية واستهتار البعض في التعاطي بجدية مع #الحجر_الصحي المنزلي وعدم الخروج من المنزل، ولكنها من ناحية أخرى كشفت الوجه اللاإنساني في التعاطي مع الحالات المثبتة بالكورونا أو المشتبه فيها. من “هيداك المرض” لـ”حامل هيدا الفيروس” وصمة العار نفسها، نحملها رغماً عنا ونعرف جيداً في صميم قناعاتنا أنها غير عادلة ومجحفة بحق الأشخاص، إلا أننا نتداول بها أو نكررها بطريقة أو بأخرى غير آبهين بما نلحقه من أذية ووجع للمريض الذي يخوض معارك كثيرة لمواجهة مرضه الغامض.

 

المرض ليس جريمة وليس عيباً حتى نخجل الإفصاحَ عنه، العيب أن نكون جزءاً فاعلاً ومشاركاً في تحويل الكورونا إلى وصمة عار أو ذنب. بالأمس حاول أحد المرضى في مستشفى الحريري الهروب نتيجة الضغط النفسي الذي يتعرّض له، ومنذ أيام توّجه طوني عيسى عبر جريدة “النهار” برسالة مؤثّرة يكشف فيها حجم الألم النفسي الذي اختبره “ما تعرّضنا له مؤلم”، ويطلب فيها أن “نرحم المصاب”. نحن على دراية ومعرفة كاملة أن هذا الفيروس جديد وغامض يُثير ذعرنا جميعاً دولاً وأفراداً، لكن طريقة التعاطي مع الحالات المصابة لا تمتّ بإنسانيتنا وأخلاقنا بصلة، لسنا في موقع الإدانة، جميعنا معرضون للإصابة به شأننا شأن أي شخص في العالم، دورنا اليوم رفعُ الوعي والتكاتف لمواجهة هذا الفيروس الذي يتهدد البشرية وليس فقط لبنان.

 

دعونا نجتمع لمرة واحدة تحت راية الإنسانية بعيداً من الصراع السياسي والطائفي، المرض لا يعرف ديناً ولا لوناً، فارحموا المصابين وواجهوا هذا الفيروس بالوحدة والمحبة والأمل. كيف ذلك؟

 

يلعب الشق النفسي دوراً مهماً في مرحلة العلاج. حقيقةٌ لا بدّ من التوقف عندها واستثمارها في معركتنا ضد كورونا. وفي هذا الصدد، تشرح المعالجة النفسية وعضو مؤسس في جمعية Embrace ميا عطوي لـصحيفة “النهار” أن “الدراسات العلمية التي ارتكزت على الأمراض المعدية الأخرى كالسارس والإيبولا وغيرها، أثبتت أن الحجر الصحي من شأنه أن يُسبّب أعراضاً نفسية سلبية على الأشخاص الذين يختبرون هذه التجربة، ومن بين هذه الأعراض ما يتشابه مع أعراض اضطراب الكرب ما بعد الصدمة أو ما يُعرف بالـpost-traumatic stress disorder.

 

أهم أعراض اضطراب الكرب ما بعد الصدمة أو الـPTSD:

 

* تجنب أي شيء له علاقة بالحادث

*إعادة لصور ذهنية و/أو تفاصيل متعلقة بالحادث في ذاكرة الشخص

* الشعور بالتيقظ والانتباه المفرط للأمور

*الشعور بالتخدير الجسدي أو العاطفي

 

وقد يسبّب الحجر الصحي عوارض نفسية أخرى من عوارض الاكتئاب كالمزاج السيّئ، الشعور بالحزن واليأس، الشعور بالذنب والانعزال الاجتماعي وحتى فقدان الأمل. بالإضافة إلى عوارض أخرى مثل الغضب والحيرة والقلق حول مخاطر نقل العدوى إلى شخص عزيز عليه. ويجب التنويع أيضاً بأن هكذا حالات قد تؤدي أو تزيد من حدة الأفكار الوسواسية والأفعال القهرية (التي تتضمّن إعادة سلوكيات معينة بشكل متكرر وفائض ما يشكّل تعباً نفسياً للشخص).

 

إذاً، قد ينتج عن الحجر الصحي الاكتئاب وزيادة في حدة القلق وعوارض اضطراب الكرب ما بعد الصدمة، وتختلف حدّة هذه الأعراض بين شخص وآخر حسب المدة الزمنية التي قضاها في الحجر، ولكن الأشخاص الذين يعانون من عوارض نفسية شديدة قد يحتاجون إلى فترة تراوح بين 4 و6 أشهر حتى نلاحظ أن هذه الأعراض بدأت تزول لديهم. ومن المهم الإشارة إلى أن هناك الكثير من الأشخاص الذين سيعانون من عوارض سلوكية مثل غسل اليدين المتكرر وتجنب الحشود والاكتظاظ حتى بعد زوال خطر انتشار المرض، ويعود ذلك إلى الصدمة الناتجة عن الحجر الصحي.

 

وتشدد عطوي على أنه “من المهم أن نعرف أن هذه العوارض النفسية تختلف حدتها وشدتها حسب العوامل النفسية واستعداد الشخص حتى قبل الإصابة بالفيروس، ويواجه الأشخاص الذين يعانون من اضطراب الوسواس القهري واضطرابات القلق، مخاوف أكبر حول خطر الإصابة بفيروس الكورونا. وفي حال أُصيبوا به فإن ذلك يُعزز لديهم الخوف الذي كانوا يعيشون فيه طوال الفترة السابقة وبالتالي يُبررون خوفهم وقلقهم بعد الإصابة بالمرض. وبما أن الفيروس جديد، يجد الأشخاص الذين يعانون من اضطراب القلق ويُصابون بالفيروس، أو يُصاب أحد أفراد عائلتهم أو أصدقائهم به، بمثابة تعزيز للقلق الذين كانوا يشعرون به في حياتهم. لذلك تكمن أهمية متابعة هؤلاء الأشخاص لعلاجهم النفسي (بالعلاج الكلامي أو بالأدوية) حتى لا يبقى الشخص يعاني من هذا الاضطراب برغم شفائه من الفيروس”.

 

كذلك، من المهم تسليط الضوء حسب عطوي على “كيفية التعاطي مع المريض المصاب، واعتباره بطريقة أو بأخرى كأنه يُشكّل خطراً وتهديداً على المحيطين به. هذا التعامل من شأنه أن يُعرّض المريض لوصمة عار، ومن المهم عدم ذكر اسم المريض وهويته لأننا بذلك نكون قد تعدّينا على خصوصيته أولاً، بالإضافة إلى زيادة الضغوط النفسية عليه. ليس سهلاً على المريض أن يعيش هذه التجربة الطبية خصوصاً عندما يرى العاملين والأطباء يرتدون هذه البذلة الوقائية التي قد توحي للمريض بأنه يعيش تجربة من وحي فيلم سينمائي، وقد يشعر في بعض الأحيان أنه لا يتم التعامل معه بشكل إنساني أو أنه جزء من حقل تجارب. لذلك من المهم أن يتفاعل الكادر الطبي مع المريض ويخفف من هواجسه وقلقه، فهذه التجربة تعتبر جديدة وغريبة ومقلقة للمريض”.

 

وتشير عطوي إلى أن “الخطر الأكبر الذي نشهده اليوم سواء عند المصاب الموجود في الحجر الصحي أو العاملين في القطاع الصحي، أن القلق ينتقل من خلال عدوى اجتماعية (social contagion)، لا سيّما عند المصاب، إذ قد يعاني من قلق زائد ناتج عن قلق محيطه. لذلك على الأشخاص المحيطين بالمريض أن يتعاطوا معه على أساس أنه يعاني من مرض بسيط كالرشح، وتفادي إثارة الهلع أمامه، لأن القلق والخوف من شأنهما أن يفاقما حالته النفسية ويزيدان في إفراز هرمونات الإجهاد التي من شأنها إضعاف جهاز المناعة عند الشخص.

 

كذلك، أشارت الدراسات إلى أن إصابة الكادر الطبي بالفيروس يجعله عرضة أكثر للعوارض النفسية، فهو يشعر بالغضب والذنب وبمسؤولية أكبر. وهنا يلعب الإعلام دوراً مهماً في هذا الموضوع، ونتمنى عليه عدم نقل حالة الخوف والهلع بشكل مكثف، والتركيز على التوعية والإجراءات الوقائية لحماية أنفسنا والمحيطين بنا، حتى نتفادى نقل العدوى الإجتماعية”.

 

وتوضح عطوي أن “البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف، يعمل على إنشاء خطة طوارئ للتعامل مع الصحة النفسية نتيجة الإصابة بالفيروس، ويمكن للمرضى الذين هم في المستشفى وللكادر الطبي في حال كانوا يعانون من عوارض الإجهاد أو صعوبات نفسية الإتصال بطبيب نفسي، دون أن ننسى الخط الوطني الساخن 1564 للدعم النفسي والوقاية من الانتحار في لبنان”.

 

وعن الإرشادات للتخفيف من القلق والتوتر عند المرضى المتواجدين في الحجر ؟ تعدد عطوي أبرز النقاط التي تساعد على تخطي هذه المرحلة بأقل ضرر نفسي ممكن وأهمها:

 

* محاولة تقصير فترة الحجر الصحي قدر الإمكان حسب الإرشادات الطبية طبعاً

* تزويد المريض بالمعلومات الطبية الكافية ومن مصادر موثوقة.

* تزويد المريض بحاجياته ولوازمه

* إبقاء التواصل مفتوح دائماً مع الأصدقاء والعائلة. وهنا أشار د. فراس أبيض عبر تغريدة على تويتر على أنه يتم الالتزام بهذه الإجراءات في مستشفى رفيق الحريري حيث يتم توفير الإنترنت السريع لتسهيل التواصل للمرضى في الحجر الصحي، ويتم زيارتهم مرتين في اليوم.

* خلق النشاطات لتجنب الملل

 

بالنسبة للعاملين بالقطاع الطبي في حال الإصابة:

 

* الإحاطة المعنوية والنفسية من قبل الزملاء بالعمل حتى لا يشعروا بالانعزال

 

وفي النهاية، تشدّد عطوي أنه بالرغم من التداعيات النفسية العديدة للحجر، فهو آلية ضرورية للحد من انتشار الفيروس، لكن تكمن شدة التداعيات بكيفية تطبيق الحجر الصحي، فبحال طبق بشكل لا يراعي التدابير الانسانية والأخلاقية وكانت تجاربه سلبية فهذا لن يؤثر فقط على المريض بل سيشكل أيضاً تهديداً للنظام الصحي الذي نفّذ الحجر وللسياسيين والمسؤولين الصحيين الذين وضعوه قيد التنفيذ.

 

مقالات ذات صله