وصول “كورونا” إلى سجون لبنان ينذر بـ”إعدام جماعي”

وصول “كورونا” إلى سجون لبنان ينذر بـ”إعدام جماعي”

كتب: طوني بولس

على وقع تفشي فيروس “كورونا” في لبنان الذي أصبح الشغل الشاغل للسجناء المكتظين والمكدّسين في مساحاتٍ مظلمة ضيقة، شهدت الأيام الماضية حالة من الانفجار والمواجهة بين السجناء والقوى الأمنية، إذ يقول أحد السجناء (رفض الكشف عن اسمه) إن معلومات وردتهم عن وجود أربعة مصابين بالفيروس في أحد السجون، مضيفاً “نتخوف من انشار الوباء في ظل الظروف غير الإنسانية التي نعيشها”. ويشرح السجين أنه “موقوف في زنزانة بطول ستة أمتار وعرض أحد عشر متراً مع 54 سجيناً يرتادون مرحاضاً يتيماً، ونحن ننظفه ونشتري أدوات التنظيف من جيوبنا”.

 

ويسخر السجين من مساعي القيّمين للحد من انتشار “كورونا” داخل السجن، قائلاً “اقتصرت الإجراءات على توزيع أوراق تدعونا إلى غسل أيدينا وأرجلنا”. ويضيف “هناك 50 سجيناً بيننا على الأقل يعانون من حرارة وسعال وتعب وضيق تنفس ونحن خائفون من أن يكونوا قد أُصيبوا بالكورونا”، مشيراً إلى أنّه تم نقل “ثلاثة سجناء يعانون من عوارض إنفلونزا ولم نعرف عنهم شيئاً حتى الساعة، مطالباً بضرورة معرفة وضعهم.

 

إعدام جماعي؟

ينتقد المحامي محمد صبلوح مقرّر لجنة السجون في نقابة المحامين في طرابلس، الرعاية الصحية في السجن المركزي في رومية ويصفها بـ”المعدومة” أساساً قبل تفشي فيروس “كورونا”، ويقول “السجن في الحالات الطبيعية لا تتوافر فيه الرعاية لمواكبة الحالات الطارئة”، مضيفاً “لقد طالبنا أكثر من مرة بأن تتولّى وزارة الصحة مباشرة مسؤولية الرعاية الصحية في السجون التي تخلو من تجهيزات العناية الصحية اللازمة، والغريب أنّ بعض الضباط هم من يقومون بفحص المساجين، وحتى لا يوجد ميزان حرارة في مقابل وجود جهاز واحد لقياس الضغط”.

 

ويؤكد أنه في حال وصول وباء “كورونا” إلى سجون لبنان، فهذا يعني “إعداماً جماعياً”، وهذا الخوف دفع عدداً كبيراً من السجناء، إلى افتعال أعمال شغب داخل سجن رومية، إذ حاولوا تكسير أبواب الزنازين وخلعها وإضرام النار في الغرف، في حين يواصل القسم الأكبر منهم إضراباً عن الطعام، ويطالبون بإقرار العفو العام الذي يشمل أيضاً الموقوفين الإسلاميين.

 

ويعتبر أنّ الوضع مأساوي في سجن رومية، مشيراً إلى “اللامبالاة الحكومية”، خصوصاً أنه شهد سابقاً على حالات وفاة في السجن ناجمة عن سوء الرعاية الطبية وغياب إسعاف الحالات الطارئة. واللافت بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان هو “أن مباني السجن تشهد شحّاً في الأطعمة والأدوية الضرورية للسجناء”. ويقول إنّ “وزارة الداخلية جراء تواصله معها تنفي هذا الواقع، وتؤكد اتخاذها الإجراءات المطلوبة لحماية السجناء”.

 

تمييز بين السجناء

ووفق الناشط الإعلامي في لجنة أهالي الموقوفين في السجون أحمد ستيتيه، “ليس الوضع المستجد المتعلق بفيروس كورونا وخوف السجناء على حياتهم من تفشي الوباء داخل السجون التي تفتقر إلى أدنى معايير الصحة، هو وحده السبب في رد فعل السجناء، إنّما إطلاق سراح العميل عامر الفاخوري، والتمييز الحاصل بين السجناء، على قاعدة ناس بسمنة ناس بزيت، وذلك بعد سنوات طويلة على مطالبة السجناء إقرار قانون العفو العام الذي ورد في البيان الوزاري لحكومات عدّة من دون أي خطوة في هذا الاتجاه حتى الآن”.

 

ويطالب ستيتيه باسم لجنة أهالي الموقوفين أن يتعهّد المسؤولون بالإسراع في إنجاز ملف العفو والتوقف عن تعطيل دور الوزراء المعنيين من وزير العدل إلى وزير الداخلية والصحة، مؤكداً أن الوضع داخل السجون بات خطيراً ولا يحتمل التسويف.

 

إطلاق محكومين

من جهتها، ترى المحامية ديالا شحادة وهي من المتابعين لشؤون السجون، أنه يتوجب على الدولة اللبنانية في ضوء حالة الطوارئ الفعلية الحالية، وتحديداً مجلس القضاء الأعلى ورئيس الجمهورية ووزارة العدل والحكومة مجتمعة “أو مجلس الدفاع الأعلى”، اتخاذ قرار عاجل لإخلاء سبيل جميع الموقوفين في سجون لبنان بجرائم من نوع الجنح أو جنايات قضى أصحابها في السجن سنة سجنية، ولا تتعلّق بالقتل والمخدرات والعمالة والجرائم الأمنية المرتكبة ضمن أو ضد لبنان، على أن يكون إخلاء السبيل بسند إقامة وليس بكفالة مالية ومعجّل من دون إجراءات روتينية تقليدية”.

 

وتقول لـ “اندبندنت عربية”، إنّ “العالم يمر بمرحلة استثنائية في تاريخه الحديث ومن حق السجين، قبل تفشّي المرض داخل السجن، أن يكون مع أسرته في هذه المرحلة، وهذا أمر مهم لتخفيف اكتظاظ السجون. ومن حق كل قاضي ومحامي وموظف وسجان أن يكونوا مع أسرهم محتمين من انتشار الوباء. أما في حال تفشّيه داخل السجون، فستجد السلطات نفسها مضطرة لإطلاق سراح جميع الموقوفين”.

 

إجراءات احترازية

في المقابل، يوضح رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي العقيد جوزيف مسلم أنّ “حرص المديرية العامة للقوى الأمن الداخلي على السجناء وسلامتهم الصحية، يوازي حرصها على العناصر الأمنية المولجة تأمين حمايتهم”، مؤكداً اتخاذ الإجراءات الصحية الاحترازية المناسبة كافة بما في ذلك التعقيم والتنسيق مع الصليب الأحمر ووزارة الصحة وزيادة عدد الأطباء وحصر الزيارات من خارج السجن. ويقول “كإجراء احترازي إضافي، تم الإبقاء على الموقوفين الجدد بالنظارات في المناطق ولم يُنقلوا إلى السجون”.

 

ويؤكد أن لا إصابات في صفوف السجناء، في حين سُجّلت إصابة  لأحد عناصر قوى الأمن الداخلي بفيروس “كورونا”، وقد نُقل إلى الحجر الصحي في مستشفى بيروت الحكومي، مضيفاً “لقد جرى الاشتباه بخمسة سجناء وثلاثة عناصر من القوى الأمنية، وقد أُجريت الفحوصات الطبية التي أظهرت نتائج سلبية”، ومشدّداً على أن وعي السجناء ومعرفتهم بطرق الوقاية من الفيروس أمر مطمئن.

 

سجون حديثة ومطابقة للمعايير الدولية

ويكشف مسلم عن أنه جرى تجهيز طابق في المأوى الاحترازي في سجن رومية لاستخدامه كمركز للحجر إذا استدعت الحاجة، مؤكداً أن “التنسيق مستمر مع وزارة الصحة لتخصيص جناح من مستشفى ضهر الباشق”. وقال إنّ وزير الداخلية محمد فهمي ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، وضعا على رأس أولوية عملهم قضية تنظيم السجون وتطويرها بما يتناسب مع المعايير الدولية وقوانين حقوق الإنسان”.

 

كما أعلن الشروع ببناء ثلاثة سجون حديثة، موزّعة بين الجنوب والبقاع والشمال، وفق المعايير الحديثة لحقوق الإنسان وحق المساجين بحياة وكرامة إنسانية، مقراً بالاكتظاظ الكبير الذي يواجه السجناء حالياً. وكشف في هذا الشأن عن أنّ عدد السجناء فاق الـ 9500 سجين ضمن 26 سجناً فقط على كامل الأراضي اللبنانية، وأن حوالى 3800 منهم لم تصدر الأحكام بحقهم بعد.

 

غرفة عمليات خاصة

من جانب آخر، أكّدت وزيرة العدل ماري كلود نجم، أنها تتابع موضوع السجناء في هذا الظرف الدقيق مع المعنيين بهدف الإسراع في إطلاق سراح المحكومين الذين أمضوا مدّة عقوبتهم وإعفائهم من دفع الغرامات، مشيرةّ إلى أنّ الاكتظاظ الهائل الذي تشهده السجون هو مصدر قلق الأهالي على أبنائهم في ظل أزمة فيروس “كورونا” المتفشي.

 

ولفتت إلى أنها تتابع قانون العفو العام العالق منذ سنوات، إضافةً إلى مشروع القانون المعجل لإعفاء 108 سجناء أنهوا محكوميتهم ولم يُفرج عنهم بسبب عدم تمكّنهم من تسديد الغرامات البالغة قيمتها 650 مليون ليرة لبنانية.

 

وتطرقت نجم إلى التعاون مع نقابة المحامين عبر غرفة عمليات خاصة أُنشئت في نقابة محامي بيروت، ووضعت آليات فعالة في إطار التعاون بين وزارة العدل والنقابة.

 

*******

هيستيريا شعبية وطوارئ حكومية مع توسع دائرة المصابين بـ”كورونا” في الجزائر

 

كتب: علي ياحي

أحدث ارتفاع الإصابات بفيروس “كورونا” في الجزائر، إضافةً إلى عدد الوفيات، فوضى وهيستيريا شعبية مقابل حالة طوارئ حكومية، ما استدعى خروج الرئيس عبد المجيد تبون بخطابات طمأنة، وعقده اجتماعات أمنية لاتخاذ إجراءات عاجلة، بلغت حد تعليق الصلوات في المساجد وإعلان أكبر حجر صحي في تاريخ البلاد، بإجلاء أكثر من 1800 مسافر من فرنسا.

 

ارتفاع جنوني في الأسعار

وشهدت أسعار مختلف المواد الغذائية الاستهلاكية والخضار ارتفاعاً جنونياً تجاوز الـ 100 في المئة، بعد تزايد الطلب عليها من قبل المواطنين الذين أوجدوا جواً من الفوضى، جراء إعلان وزارة الصحة بشكل دوري عن توسع دائرة المصابين بالفيروس وارتفاع عدد الوفيات، الأمر الذي أحدث حالة هيستيريا ترجمتها الطوابير أمام المصارف ومختلف نقاط سحب الأموال، وازداد المشهد سوءاً مع تسجيل نقص في السلع الضرورية.

 

وحمّلت منظمة المستهلكين المواطنين مسؤولية الفوضى وارتفاع الأسعار بعدما اكتسحوا المساحات التجارية والأسواق من دون أسباب تستدعي ذلك، مؤكدةً أن هذه التصرفات أسهمت في عودة المضاربين والسماسرة والمحتكرين إلى ممارساتهم السابقة، وقالت إنّ “من يظن أن العصابة قد رحلت، فهو واهم”، محذّرةً من سيناريو أسوأ إذا استمر جشع المواطنين ولهفتهم على التسوق، أي حينها سترتفع الأسعار إلى أضعاف مضاعفة، وداعيةً السلطات الوصية إلى تطبيق قانون تجريم المضاربة في الأسعار.

 

كما عبّر رئيس جمعية التجار والحرفيين الطاهر بولنوار، عن استهجانه لسلوك بعض التجار الذين استغلوا “قلق وتخوف” المواطنين من “كورونا” لرفع الأسعار، داعياً المواطنين إلى تجنب مثل هذه السلوكيات التي تؤثر في الأسعار وفي مستوى التموين بالسلع.

 

التجارة تضرب بيد من حديد

وسارعت وزارة التجارة إلى احتواء الأزمة بتوجيه تعليمات للجان المراقبة للخروج إلى الأسواق والمساحات التجارية والضرب بيد من حديد، واتّخاذ إجراءات ردعية ضد التجار المضاربين، وطمأنت إلى أنه سيتم التحكم في الوضع وتسوية الأمور وإعادتها إلى مجراها الطبيعي، مؤكدةً أنّ وزير التجارة كمال رزيق منح المصانع تراخيص لبيع السلع في نقاط محددة وعبر شاحنات متنقلة مباشرة للزبون، لمواجهة ندرة السلع وكسر المضاربة في الأسعار.

 

وقال رزيق إن الأسواق فيها ما يكفي من السلع حتى الثلاثي الأول من السنة المقبلة، موضحاً أن “حرب الإشاعة بثت الهلع والخوف في أوساط المواطنين وغيّرت سلوكياتهم، الأمر الذي أنعش المضاربة من قبل أشباه التجار ومصاصي دماء المواطنين الذين استثمروا في هذا الوضع وتلاعبوا بالأسعار”. وتابع أن “ممارسات بعض أشباه التجار لا تعني البتة خروجهم عن سيطرة قوانين الجمهورية ولا ضعفاً من السلطات، بل نحن نريد أن تكون علاقة وزارة التجارة بالتجار علاقة الأخ بأخيه وتكامل وليست تضاداً”.

 

قطع شعرة معاوية

وأوضح رزيق أن وزارة التجارة تسعى إلى “أخلقة العمل التجاري”، ولا تريد فتح باب الصراعات مع هؤلاء التجار، “بقدر ما نريد تنظيم حال هؤلاء شيئاً فشيئاً، لكن “تم قطع شعرة معاوية من طرفهم”، مضيفاً أنه “في الوقت الذي يُفترض أن نكون صفاً واحداً في هذه المحنة التي أصابت الجزائر والعالم، نجد الانتهازيين من التجار يسعون إلى الثراء على عاتق المواطن البسيط، وهؤلاء لن نرحمهم، سواء كانوا تجار جملة أو تجزئة، ومصالح وزارة التجارة بالتنسيق مع كل القطاعات ومصالح الأمن، تعمل في هذا الصدد”.

 

أكبر حجر صحي في تاريخ البلاد

من جهة أخرى، تشهد البلاد أكبر حجر صحي في تاريخها، بعد وصول باخرتين إلى الجزائر العاصمة ومدينة وهران، آتيتين من مارسيليا الفرنسية وعلى متنهما حوالى 1800 مسافر. وأكد وزير الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات عبد الرحمن بن بوزيد، أنه سيتم تطبيق الحجر الصحي مباشرة على الوافدين الذين تكفّلت الدولة بإجلائهم من فرنسا حيث ينتشر الفيروس بشكل مقلق.

 

وخصصت السلطات فنادق عدّة ومنتجعات سياحية فخمة للحجر الصحي لمدة 14 يوماً على المسافرين الآتين من فرنسا على متن الباخرتين، بينما تقرّر الإبقاء على السيارات داخل الباخرة تحسباً لعملية التعقيم، كما تم الاحتفاظ بالطاقمين البحريين في الحجر على مستوى الباخرتين.

 

أكثر من 1800 يرفضون الحجر الصحي

كاد الوضع أن يخرج عن السيطرة بعد رفض المسافرين وضعهم في الحجر الصحي، وقد احتجوا من على متن الباخرتين بمجرد رؤيتهم الحافلات وعناصر الأمن، لولا التعامل اللّين من جانب السلطات وتفهم المسافرين، ليتم نقل الجميع إلى الوجهات المخصصة.

 

وكان الرئيس تبون قد أمر بالتكفل بإعادة المسافرين الجزائريين العالقين في المطارات الأجنبية، إثر قرار غلق المطارات والموانئ الجزائرية كإجراء احترازي، للوقاية من انتشار وباء “كورونا” المستجد. وأوضح بيان لرئاسة الجمهورية أن خلية تضم الدوائر الوزارية المعنية تعكف تحت إشراف الوزير الأول، على دراسة الطريقة الأسرع والأنجع لنقل هؤلاء العائدين المدعوين إلى الصبر والهدوء وتفهم الظروف التي فرضها انتشار الوباء، وسيجري توجيههم مباشرة إلى أماكن مخصصة للحجر الصحي، حفاظاً على سلامتهم وسلامة المواطنين.

 

كما ترأس تبون اليوم الخميس 19 مارس (آذار)، اجتماعاً تكميلياً للاجتماع الذي عُقد في 17 مارس، لمناقشة موضوع تفشي وباء “كورونا”. وأشار بيان الرئاسة إلى أن الاجتماع حضره الوزير الأول وعدد من الوزراء ومسؤولون في المصالح الأمنية.

 

مقالات ذات صله