أيها الكتّاب والشعراء ابتعدوا عن الشهرة

حميد سعيد

ما أكتبه في هذه المقالة، هو جملة ملاحظات كنت قد كتبتها على هامش مقالة يتحدث فيها كاتبها عن “عقلانية الحداثة” تناول فيها مما تناول، جوانب مما يمكن وصفه بالسيرة الشعرية، من مجمل مكونات تجربتي الشعرية، ولم يقترب من جوهر الجوانب الجمالية في هذه التجربة، ولست بصدد قراءة هذه المقالة، قراءة نقدية، لأنني أدرك أنها تحية كريمة منه.

 

لقد وردت في المقالة المذكورة آنفا، أكثر من إشارة تتعلق بسيرتي الشعرية، تمثل وجهة نظر الكاتب، ومهما كانت وجهة نظري في هذه الإشارات، فمن عادتي وهذا ما يعرفه عني كثيرون من أصدقائي وزملائي، أن أحترم وجهة نظر القائل بها، فهي بالتالي وجهة نظر وللقائل بها لا بد أن تكون له مسوغاته.

 

وما سأتوقف عنده هنا، ما ذكره الأستاذ الكاتب بشأن الشهرة، فهو يقول “شعر حميد سعيد أكبر من شهرته” ويقول أيضا في ما يتعلق بالشهرة “لو اعتكف كالجواهري على كتابة الشعر، لتجاوزه… شعرا وشهرة” وهنا أود أن أتوقف عند قضية الكاتب والشهرة، وكيف نظرت إليها، وما أكتبه هنا ليس ردا، بل هو إيضاح وجهة نظري بشأنها، وقد قلت بهذا منذ وقت غير قصير، فلست ممن يعتقدون بأهمية الشهرة، وحين تكون الشهرة أثقل من الكتابة الإبداعية، تتحول إلى عبء على الكاتب، وحين تكون موازية لها، تكون حضورا إبداعيا، حيث تبدو الشهرة إزاءه حالة غير مؤثرة.

 

إن الذين انساقوا مع الرغبة في الشهرة، وفقدوا الحساسية الإبداعية وارتضوا ما يمكن أن نطلق عليه، الوجاهة الاجتماعية أو الظاهرة الاجتماعية، فقدوا حضورهم في عمق الدائرة الثقافية، وأقصد بالدائرة الثقافية، معناها الهندسي، حيث اختراق محيطها إبداعيا، والشهرة وحدها غير قادرة على فتح ثغرة فيه، وكقارئ أتوجس دائما من الأسماء ومن الأعمال التي تسبقها الشهرة، بينما أشعر بشخصية القارئ الإيجابية، حين أقرأ كتابا أو كاتبا لم يحاطا ببهرج الشهرة وأشعر بلذة الحديث عنهما، والتنبيه إلى اكتشافاتي التي لم تتأثر بمؤثرات آتية من خارج النص الذي أقرأ.

 

لا شك أن نمطا من القراء، بل هو نمط سائد، يؤثر عامل الشهرة في اختيار ما يقرأ، سواء شهرة الكاتب أم شهرة الكتاب وبعض هؤلاء يتواصل مع ما يقرأ بوعي مستعار وناقص، وفي كثير من الأحيان يكون حكمه مسبقا على ما يقرأ.

 

وهنا سأبدي ملاحظتين، الأولى، وأظنها معروفة من قبل بعض قرائي، وهي أنني لا أتحدث عن الشهرة بإحساس سلبي، والثانية، ليس مطلق الشهرة، يعني ضد الإبداع، لأن شاعرا مثل السياب جرت محاولات كثيرة من قبل مؤسسات وتنظيمات لوضعه ووضع إنجازه الشعري في الظل، ولكن إنجازه الشعري وليس سواه دفع به إلى موقع الشاعر الأكثر حضورا، وإن شاعرا مثل غارثيا لوركا، كان لمقتله المأساوي أكبر أثر في شهرته، ولكن الشهرة اقترنت بموهبة فذة وإنجاز شعري متميز، والفرق كبير بين شهرة تأتي من الإبداع وأخرى تأتي من عوامل لا علاقة لها بالإبداع، مثل التصرفات الشاذة والكذب والادعاء والنشاط الإعلاني، لأن الشهرة في الحالة الأولى تستمر وتتحول إلى حضور تاريخي، أما في الحالة الثانية فلطالما انتهت إلى الضمور والتلاشي والنسيان.

 

إن البحث عن الشهرة عند بعض الكتاب، وبخاصة عند بعض الشعراء، من دون بذل جهد جاد لإغناء الكتابة، مصدره ثقافة سطحية وساذجة، روَّجت صورة للشاعر في تصرفاته وفي حياته الاجتماعية، وجردته من أي التزام أخلاقي أو عملي.

 

وقد سبق لي أن تناولت جوانب مما وصفته بالثقافة السطحية، في ما كتبته عن هذه الظاهرة، في الفصل الرابع من كتابي “عن الشعر” حيث صار التركيز على ما هو سلوكي، لدى بودلير ورامبو وفيرلينو آرتو، وأهمل أو ضعف التركيز على ما هو إبداعي لديهم، واستمر مثل هذا التركيز مع هنري ميلر، وبخاصة إبان إقامته في فرنسا، قبل الحرب الكونية الثانية، وكان هذا أيضا مع جان جينيه وشارل بوكوفسكي، وصرنا نرى في أوساطنا الأدبية أشخاصا يستهلكهم الإدمان والسهر والبطالة والوسخ والتسكع، تقليدا لصورة الشاعر المتسكع. ولأنها صورة مجتزأة من سياقها الموضوعي، للتغطية على العجز، فإن مقلديها اكتفوا من التقليد بما هو سلوكي، حتى وإن كانت الصورة المقلدة متوهمة أو مبالغا فيها، ولم يدخلوا حيث جوهر الإبداع، بينما معظم الذين ذكرنا كانوا في الذروة من الإبداع.

 

ولطالما تساءلت، وأنا أشاهد أشخاصا موهوبين، وهم يستهلكون أوقاتهم وأرواحهم ومواهبهم في الحانات وتجمعات الثرثرة، قائلا: متى يقرأون؟ ومتى يتأملون وينفعلون؟ ومتى يكتبون؟ وكيف؟ لذلك سرعان ما تنطفئ مواهبهم وتتراجع قدراتهم وتغيب في زحمة الوهم والفوضى.

 

لا أدري لماذا التركيز على اكتئاب بودلير وجنون آرتو وفلتان رامبو وعصاب فيرلين وسفالة ميلر وصعلكة جان جينيه وتشرد بوكوفسكي؟ ولم التركيز على ظواهرهم؟ حيث يحاول بعض الشعراء والكتاب والفنانين تقليدها من دون بذل أي جهد لتمثل تجاربهم الإبداعية المتميزة وقد شكلت منارات في معمار الثقافة الإنسانية.

 

أعرف أن بعض من ارتضوا الصورة التي حاولت وصفها، أرادوا من هذا الرضا، أن ينالوا الشهرة من دون نضج أو جهد أو تميز إبداعي، وربما تحققت لهم الشهرة التي أرادوا، لكن وكما قلت من قبل، تنتهي مواهبهم إلى التراجع والاندثار.

 

مقالات ذات صله