البيت الشيعي السياسي.. وباء أخطر من (كورونا)!- هارون محمد

منذ تولي القيادات الشيعية، الحزبية والسياسية، مقاليد السلطة والحكم، عقب الاحتلال 2003، والعراق ينتقل من أزمة إلى أخرى، ومن مأزق إلى آخر، من دون أن تلوح في الأفق، مؤشرات حل، ولو في حدّه الأدنى، وهذا يعود، أساساً، إلى أن إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبدالمهدي، الذين تعاقبوا على رئاسة الحكومات المتلاحقة، منذ خمسة عشر عاماً، هم نتاج أحزاب منغلقة سياسياً، وطائفية مذهبياً، وتفتقر إلى الرصانة في علاقاتها مع غيرها، ولا وجود للانفتاح في أجندتها، والمفارقة أن ثلاثة منهم، الجعفري والعبادي وعبدالمهدي، عاشوا سنوات طويلة في أوربا، لندن وباريس، من دون أن يتعلموا شيئاً، من مفردات الحياة الغربية، في إيجابياتها السياسية، في الأقل، على صعد: قضايا الحريات، والديمقراطية، وحقوق الانسان، والتداول السلمي للسلطة.

ولعل أبرز سمات الثلاثة ورابعهم المالكي، أنهم، وهم في قمة الحكم، وأصحاب قرار، ظلوا يشغلون مواقعهم، ويمارسون مهماتهم، وينفذون سياساتهم، وكأنهم ما زالوا في المعارضة، وهو ما أضفى عليهم، طابع اللؤم في سلوكهم، واختلال التوازن في تصرفاتهم، وكانت النتيجة، أنهم أخفقوا في التحول إلى رجال دولة، وظل الماضي القريب والبعيد، يتلبسهم ويحكم خطواتهم، ويشكل عنواناً عريضاً، لمسارهم ومسيرتهم، وخصوصاً وأنهم استمروا على اعتقادهم، بأنهم نخب، وأعلى الناس مقاماً، وأكثرهم ذكاءً، ومما صعّد من نرجسيتهم، ورفع مستوى تخبطهم، وجود جوقة من المداحين حولهم، بصفة مستشارين ومسؤولين وأصدقاء شخصيين، مهمتهم التصفيق والرياء، والنفاق والافتراء.

إن وجود ما يسمى بـ(البيت الشيعي)، مع ما يحمله من استقواء طائفي، وموقف استعلائي، شكل وما زال خطراً، على حاضر العراق ومستقبله، لآنه يقوم أساساً، على أكذوبة، تمثيله للمكون الاجتماعي الأكبر في البلاد، ولا يعترف بأن أغلب شرائح هذا المكون وفئاته، هم من الشيعة العرب، ممن يعارضون أحزابه ومليشياته، ويناهضون مرجعيته الأعلى، المتمثلة بإيران، وولي الفقيه فيها، وهذا ما ثبت عبر قرابة ستة شهور من التظاهرات والاحتجاجات ، التي شهدتها بغداد، ومحافظات الفرات والجنوب، وكانت واضحة في شعاراتها ومطاليبها، بضرورة الإصلاح، وإزاحة الطبقة الفاسدة الحاكمة، وإزالة آثارها.

ولعل من أبرز المفارقات الغرائبية في هذا البيت المشوه والمشبوه، أنه ينتج مشكلات ومتاعب للعراق، عند توحده، ويسفر عن أزمات ومآزق عند تفرقه، وهذه قضية غير مسبوقة في العمل السياسي، فهو في الحالة الاولى، يقدم نماذج بائسة لتتولى رئاسة الحكومة، كما حصل في تجارب: الجعفري والمالكي والعبادي وعبدالمهدي، في حين تؤدي الحالة الثانية، إلى عراك سياسي، وتدافع مصلحي، كما هو الوضع، في الوقت الراهن، عندما اختلفوا على تكليف عدنان الزرفي، برئاسة حكومة، تخلف حكومة عبدالمهدي المستقيلة، وهذا يعني أن البيت الشيعي، مجرد كيان هلامي، تحكمه الفوضوية والمنافسات الشخصية والحزبية، ولا علاقة له من قريب او بعيد، بمصالح الشيعة، الذين يزعم أنه ممثلهم، ولا  بالعراقيين، وهو عدو لهم، ويتفنن في اضطهادهم.

ولأن مقتدى الصدر ونوري المالكي وعادل عبدالمهدي وحيدر العبادي وعمار الحكيم وهادي العامري وقيس الخزعلي ومحمد اليعقوبي وهمام حمودي وباقر صولاغي وفالح الفياض، وأنفار على شاكلتهم، ممن أتاحت لهم ظروف الاحتلال، تصدر المشهد السياسي، دعاة دويلات، وبناة اقطاعيات، وطلاب زعامات، فقد غاب مفهوم الدولة، عن أذهانهم، وانتهكوا القانون في مسارهم، وتحولوا إلى اختلاق مشاحنات، وافتعال خلافات، في ما بينهم، بحثاً عن مزيد من النفوذ، وزيادة في الامتيازات، من دون الالتفات إلى ما يقاسيه الشعب، من ضيق ومعاناة، في حياته اليومية، كما نلاحظ ذلك، في هذا الوقت بالذات، حيث يجتاح وباء (كورونا) العراق، ويحصد أرواح أبنائه، في ظل انهيار النظام الصحي، وتردي الخدمات، بينما أقطاب البيت الشيعي، سادرون في غيهم، منغمسون في معاركهم، على رئاسة الحكومة، ويخوضون حرباً قذرة، يتخللها تسقيط بعضهم بعضاً، واتهامات متبادلة، من دون شعور، بعذابات العراقيين المريرة، ولا احساس بهمومهم الكثيرة.

وقد بات واضحاً، بلا لبس، أو غموض، ان استمرار البيت الشيعي، في مشروعه الطائفي والتخريبي، وهو يتحدى إرادة العراقيين، وخصوصاً الشيعة العرب، ويستخف بخياراتهم الوطنية، في البناء والنهوض وتعزيز الاخوة العراقية، سيؤدي عاجلاً، وليس آجلاً، إلى ثورة مقهورين، يمثلون أكثرية الشعب، تكتسح الـ(صبّات) أمام قصور قياداته، وتدق على أبوابهم، وتُطشّر حراساتهم، وتكنس حماياتهم، وعندها لا وقت للندم، وقد صارت سلطتهم عدم، لا يستطيعون الاختباء، حتى في الحفر والردم.

مقالات ذات صله