تنمر وسرقات وعنصرية.. كورونا ينال من أخلاق البشر

تنمر وسرقات وعنصرية.. كورونا ينال من أخلاق البشر


تنمر وسرقات وعنصرية..

كورونا ينال من أخلاق البشر

كتبت: أمينة خيري
الرحم القادر على إنجاب العَالِم الفذّ المفيد للبشرية، المنقذ للمعذبين، المتعاطف مع المنكوبين، قادر أيضاً على إنجاب الأحمق المدمر للبشرية، المهلك للمعذبين، الساحق للمكنوبين.

والكوكب المتسع لموهوبين محظورين معزولين في بيوتهم يطلون من شُرفاتهم ليعزفوا الألحان، وينشدوا أغنيات البهجة للتخفيف من حدة الكرب والأزمة لدى الجيران من دون سابق معرفة، يتسع كذلك لموتورين مأفونين يبثون سموم الوصمة، وينشرون بذور العنصرية، ويكشفون عوراتهم الفكرية والأخلاقية في زمن الأزمة، زمن كورونا.

وإذا كان زمن كورونا كشف لسكّان الكوكب عن عودة مظاهر إنسانية ظنوا أنها تبوّأت المكانة الرابعة بعد الغول والعنقاء والخل الوفي، وفورة لتصرفات بشرية طمستها قسوة الحياة، فإنه كشف كذلك لهم جوانب هي أسوأ ما في الإنسانية، وأردأ ما في البشرية.

الفيروس الصيني
وكأنّ البشرية كانت تعاني شحاً في ذرائع الوصمة وبواعث التنمّر، إذ بفيروس كورونا ينعش الذرائع، ويغذي البواعث في أرجاء الكوكب. آسيويون يتعرضون للتنمر وعبارات الكراهية والازدراء في أميركا، عمالة وافدة تقع تحت طائلة الكراهية والاتهام بالتسبب في انتشار الفيروسات في دول خليجية، كينيون يتربصون بصينيين واصمين إياهم بـ”مغتصبي الوطاويط ناشري الفيروسات”. سائق أجرة مصري يطرد راكباً صينياً في وسط الطريق، وآخرون يصورون مأساة الرجل الباحث عمن يقله إلى وجهته، أطفال بريطانيون يصفون زملاء لهم من أصول آسيوية في المدرسة عبر منصة التعلم الإلكتروني بالفيروسات الصينية، الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصف كورونا بالفيروس الصيني مراراً وتكراراً، ممثلة كويتية تطالب بترحيل العمالة الوافدة، وعدم علاج المصابين منهم، عائلات أسترالية ترفض تلقي العلاج على أيدي أطباء وطبيبات أستراليين من أصول آسيوية، التشيك تحتفظ لنفسها بمحتويات طائرة تحمل معدات طبية مرسلة من الصين إلى إيطاليا، وبينما الفيروس يستمر في فتكه بالبشرية، يستمر جانب من البشرية كذلك في الفتك بالقواعد الإنسانية.

يرى البعضُ أنّ العصف بالقواعد الإنسانية في زمن كورونا لم يبدأ بالأفراد، بل بدأ بالكيانات الكبرى، بما فيها الدول وحكوماتها. رأى كثيرون في نهج حكومة بريطانيا تحت قيادة رئيس وزرائها بوريس جونسون مبدأ “مناعة القطيع” خرقاً لحق الملايين في الاختيار، بل وفي البقاء على قيد الحياة.

أخلاقية مناعة القطيع
بناء مناعة القطيع، التي تعني ترك الملايين تمارس حياتها بشكل طبيعي، وذلك حتى يصاب أكبر عدد ممكن بالفيروس، ومن ثمّ تبني أجهزتهم المناعية سُبل صد ومقاومة حال هاجمهم الفيروس مجدداً، معروف علمياً وطبياً.

لكن، هذا التكنيك الذي يبدو أنه ذهب أدراج رياح تعاظم الإصابات في بريطانيا، كان يعني كذلك تعريض الفئات الأضعف في المجتمع، سواء بحكم التقدم في العمر أو الإصابة بأمراض، لخطر الموت في حال انتقل إليها الفيروس.

كما يعني تعريض آخرين أصحاء لالتقاط العدوى، وربما الوفاة، نتيجة زيادة معدلات الإصابة، مقارنة باستراتيجيات أخرى كان يمكن اتباعها في سُبل التصدي للفيروس.

وحين خرج جونسون، قبل التقاطه العدوى بأيام، ليعلن لملايين البريطانيين أن “الكثير من العائلات، الكثير جداً من العائلات، سيفقد أحباءه قبل الموعد”، وبعد وقع الكلمات الرهيبة الأول من صدمة ورهبة وجزع، توقع خبراء أن يكون المقصود هو أن جونسون، واستشارييه الصحيين والطبيين، قرروا بحسابات “منطقية” أن يضحوا بنحو مليون شخص، من مجموع البريطانيين البالغ عددهم 66،5 مليون نسمة، على أن يصاب منهم نحو 47 مليون شخص، ويحتاج نحو ثمانية ملايين إلى اهتمام صحي بالغ، وتجرى التضحية بنصف مليون إلى مليون شخص من المرضى والمسنين والضعفاء حتى يعيش الآخرون.

إبادة جماعية
الآخرون المنتفضون ضد ما سمّوه بـ”عدم أخلاقية” هذا التوجّه المنتقي الأقوياء على حساب الضعفاء لمواجهة الفيروس دشنوا هاشتاغ على تويتر “إبادة جماعية من حزب المحافظين” (الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء).

#torygenocide الكلمتان هما عنوان أغنية لثنائي بريطاني غنائي اسمه “كيلدرين” كان يفترض أن يقدماها ضمن مهرجان “غلاستنبوري” الغنائي في عام 2019. تقول كلماتها: “اقتلهم جميعاً على إيقاع الطبول، اقتلوا حثالة المحافظين”.

وقتها، منعت إدارة المهرجان الأغنية، لأنها تخرق قواعد المهرجان التي ترفض التلويح أو التنويه إلى أي قيم للعنف أو الكراهية.

لكن، في زمن كورونا انقلبت الآية، وتحوّل “إبادة جماعية من قبل المحافظين” إلى تغريدة مناهضة منهج التضحية من الضعفاء لصالح بقاء الأقوياء.

بقاء الأقوياء على قيد الحياة
لكن، بقاء الأقوياء على قيد الحياة لم يكن يوماً ضماناً لبقاء الأخلاق قيد التطبيق. طبيب فرنسي اقترح قبل أيام في أثناء لقاء على قناة تلفزيونية فرنسية أن يُجرَّب لقاح “كوفيد 19” في طور البحث حالياً في أفريقيا.

ورغم أن الطبيب جان بول ميرا، وهو رئيس وحدة العناية المركزة في مستشفى كوشين في باريس، اعتذر في ما بعد، وذلك عقب هجمة شنعاء تعرَّض لها على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن ما فكّر فيه الطبيب، وما تحدّث عنه يعكس فكراً موجوداً وتوجهاً قائماً حتى لو لم يعبر عنه البعض تطبيقاً وقولاً.

القول إن العنصرية هي تلك الأفكار التي “كانت” سائدة قبل عشرات السنوات حول تفوق جنس بشري بعينه على بقية الأجناس قول خاطئ. فهي ما زالت حية ترزق، لكن من خلف الأفكار الموصدة والقيم المغلقة. وإذا كان الطبيب الفرنسي “الأبيض” فكّر في اختصاص الأفارقة “السود” بالخضوع لاختبارات وتجارب اللقاح، وذلك على اعتبار أنهم الجنس الأقل قدرة وذكاء والأكثر عدداً، ومن ثمّ يمكن التضحية بهم، فإن العنصرية “رايح جاي”، وليست اتجاهاً واحداً فقط.

عنصرية أفريقية
عددٌ من الفيديوهات يُجرى تداوله بين مواطني عددٍ من الدول الأفريقية يحتوي على نصائح موجهة من أميركيين سود يناشدون “أخوتهم” في أفريقيا الحذر البالغ، وحماية أنفسهم من فيروسات “الرجل الأبيض”، وهو ما يُتداول مصحوباً بتعليقات فيها نبرات التشفي بفعل سنوات شابتها اتهامات عنصرية بـ”أفرقة” إيبولا والإيدز وغيرهما.

الفيروس والعرق
ويبدو أن كورونا مستمرٌ في كشف النقاب عن أغوار وشوائب في النفس البشرية. فقد انتشرت أقاويل على مواقع التواصل الاجتماعي في عددٍ من الدول الغربية تشير إلى أن الأفارقة وذوي الأصول الأفريقية لا يصيبهم الفيروس، وأنّ جهازهم المناعي يقاوم مثل هذا النوع من الفيروسات.

مثل هذه النظريات لا يعكس سوى تجذير وتأصيل للمفاهيم العنصرية التي تروّج أو تؤمن بأن أجناساً بعينها تصيبها أمراض، وأخرى تحصّنها أجهزتها المناعية.

إدريس إلبا
الممثل البريطاني من أصول أفريقية إدريس إلبا، الذي ثبت إصابته بالفيروس في منتصف مارس (آذار) الماضي، وجَّه رسائل عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، مناشداً العالم التوقف عن نشر مقولات تروّج اختلاف عمل الأجهزة المناعية بناء على العرق.

قال: “أرجو من أهلي وناسي من السود أن يعوا أن التقاطكم الفيروس أمر وارد جداً شأنكم شأن الآخرين”، مشيراً إلى أن “نظريات المؤامرة” التي تشير إلى أن السود لا يلتقطون الفيروس هي “أقصر طريق لقتل المزيد منهم. وعلى السود أن يكونوا على يقظة في ذلك الأمر شأنهم شأن أي عرق آخر”.

اختلاف الأعراق والألوان والشعور الكامن لدى البعض بتفوقه على الآخرين بناء على انتمائه العرقي يخرج عن كمونه في زمن كورونا. روائح الشعبويات تطل هذه الأيام بعد خلع “برقع الحياء” وترشيد عناء الإصحاح السياسي أو Political correctness. جناحا الشعبوية واضحان وضوح الشمس في أرجاء عدة. فهناك ساسة يمينيون شعبويون يستمدون قواعدهم الانتخابية من أصوات أصحاب التوجهات الكارهة الأجانب والمهاجرين والمنتمين إلى أصول عرقية مختلفة عنهم والمتمنية طردهم أو على الأقل تقليص حضورهم وترشيح حقوقهم لصالح “السكان الأصليين”، وتوجد قواعد شعبية تستيقظ ميولها الشعبوية في ظل الأزمات الطاحنة والكوارث القاتمة التي تطرح مخاوف قلة الموارد وشح الإمكانات، ومن ثمّ الصراع من أجل البقاء. ويشهد العالم في ظل أزمة كورونا تعالياً لهذه الأصوات وتفشياً لتلك التوجهات.

شعبوية وقومية
التوجهات الشعبوية والقومية تعني مزيداً من الهيمنة والسيطرة من قِبل الأحزاب اليمينية في أوروبا. ويسهم الفيروس وصورته المرتبطة بالشرق الأقصى والقادمين من خارج الحدود الوطنية في إعطاء أرضية لدعوات فرض مزيد من القيود على الهجرة. ومن أوائل المنتهجين هذا الطرح زعيم حزب “الرابطة” الإيطالي اليميني المعارض ماتيو سالفيني، الذي ربط بين تفشي الفيروس وطالبي اللجوء القادمين من أفريقيا. وحث سالفيني على إغلاق الحدود “منعاً لمزيد من التفشي”.

“منعاً لمزيد من التفشي” جاءت ضمن مميزات استمرار بناء الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك، وهو الجدار الذي أثار كثيراً من الجدل والغضب منذ أصدر الرئيس ترمب توجيهات ببنائه على طول الحدود الفاصلة بين أميركا والمكسيك بطول 280 كيلومتراً للحد من الهجرة غير الشرعية.

وعلى الرغم من إشارة ترمب قبل أيام إلى حتمية استمرار عملية التشييد، رغم تعليمات مسافات التباعد الاجتماعي وتجنّب التجمعات وغيرها، وذلك لتحقيق مزيد من الاحتواء لخطر تفشي الفيروس، فإن الوضع على الأرض يشير إلى شعور عام بالراحة بين المكسيكيين للجدار الذي طالما اعتبروه مهدداً لهم ولحركة تنقلاتهم وعملهم، إذ ينظر إليه حالياً باعتباره حماية لهم من خطر الفيروس القادم إليهم من الولايات المتحدة الأميركية التي تعد حالياً بؤرة الوباء.

أعراق وفوقية
ويستمر الوباء وبؤره المتنقلة في الكشف عن التوجهات الشعبوية والقومية التي تدق على أوتار الأولوية لأبناء الوطن “الأصليين” في مواجهة غيرهم من غير الأصليين أو غيرهم من أبناء الأوطان الأخرى تشهد انتعاشاً ملحوظاً. صحيح أن روح التضامن والتكاتف والتكافل ما زالت سائدة، لكن نشاذ الفوقية العرقية أو الوطنية أو كلتيهما واضح.

فمن مطالبة الفنانة الكويتية حياة الفهد بعدم علاج الوافدين في مستشفيات الكويت بقولها: “إحنا ملينا خلاص، وما عندنا مستشفيات، وعلى شنو ديارهم ما تبيهم وإحنا نبتلش فيهم. إحنا وصلنا لمرحلة إننا ملينا خلاص، اطلعهم واقطهم برا والله، واقطهم بالبر”، إلى وصف الوباء من قبل الرئيس الأميركي ترمب بـ”الوباء الصيني”، ثم نعت الصينيين الوضع الراهن بـ”الوباء الأميركي”، إلى ميل البعض من المسلمين إلى اتهام “الكفار” بالتسبب في البلاء والدعاء لله ليرفع الوباء عنهم وحدهم ويحميهم من البلاء هم من دون غيرهم، إلى فرحة عامرة من قبل البعض من اليهود المتطرفين بعد إصابات متواترة بين مصلين احتشدوا للصلاة في مسجد في ماليزيا متحدين التعليمات الأممية بعدم التجمع والتجمهر، وفرحة عامرة مضادة لدى مسلمين جراء الإعلان عن ظهور العدوى في قرى إسرائيلية معروفة بتعدادها من اليهود الأرثوذكس الذين ينتهجون النهج نفسه حيث “العدوى لا تصيب مؤمناً متجمهراً من أجل الصلاة”، تتصاعد النعرات العرقية والشعبوية والقومية والدينية.

تحريم الموسيقى
دينياً، لكنه في حقيقة الأمر، ثقافياً واجتماعياً، تعلو نبرة “تحريم” و”تكريه” دعوات يطلقها البعض في أحياء المدن المصرية للسير على نهج البعض في إيطاليا وإسبانيا ممن يخرجون إلى الشرفات يعزفون ويغنون لرفع الروح المعنوية بين جيرانهم الملتزمين الحظر.

تقابل هذه الدعوات على صفحات تجمع سكان بعض الأحياء في مصر بكثير من الشد والجذب، حيث فريق يراها طريقة رائعة لرفع المعنويات، ويعتبرها الفريق المضاد تشبهاً بالكفار وممارسة لغناء وموسيقى محرمين في الشريعة الإسلامية!

قانون الإنتاج الدفاعي
شرائع الأرض في زمن كورونا تنضح بكثير. وقد قيل كثير عن احتفاظ التشيك لنفسها بمحتويات طائرة كانت محملة بأقنعة طبية كانت في طريقها من الصين إلى إيطاليا. التشيك بررت ذلك بأن “المصادرة كانت في إطار تتبع المهربين”.

قرصنة من نوع فريد قامت بها تركيا أيضاً، لكن هذه المرة استولت الدولة التركية على شحنة أجهزة طبية مصنعة من قبل شركة إسبانية بمواد صينية في تركيا، ورغم محاولات دبلوماسية واتصالات هاتفية بذلتها إسبانيا لاستعادة شحنتها الطبية في قمة أزمتها في مواجهة الفيروس، فإن تركيا رفعت شعار “أذن من طين والأخرى من عجين”.

مبدأ “ما يحتاجه بيتك يحرم على الجامع” ترفعه دول عدة في زمن “كورونا”. قبل أيام، قالت شركة “ثري إم” الأميركية المصنعة أقنعة التنفس إن الحكومة الأميركية طلبت منها التوقف عن تصدير الأقنعة إلى كندا ودول أميركا اللاتينية، وذلك تحت راية “قانون الإنتاج الدفاعي”.

وقد حذّرت الشركة من أن مثل هذا الطلب من شأنه أن يؤدي إلى عواقب إنسانية وخيمة، كما قد يشجّع دولاً أخرى على انتهاج الطريق نفسه. رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو وصف القرار بـ”الخطأ الكبير”.

وقبلها طلب الرئيس ترمب من شركة “جنرال موتورز” إنتاج مزيد من أجهزة التنفس، وانتقدها بشدة بعد ذلك في تغريدة قال فيها: “قالوا إنهم سيعطوننا 40 ألف جهاز تنفس نحتاج إليها بشدة وبسرعة، والآن يقولون إن العدد لن يزيد على ستة آلاف جهاز فقط مع نهاية أبريل (نيسان). هذا أمر فوضوي”.

يشار إلى أن “قانون الإنتاج الدفاعي” صدر في أميركا في عام 1950، ويهدف إلى إعطاء الحكومة دوراً أكبر من السيطرة لتوجيه الإنتاج الصناعي في أثناء الطوارئ.

وجه قبيح للإعلام
وفي أثناء الطوارئ، وعلى الرغم من كارثة تصاعد عدد الوفيات في دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية، يكشف جانبٌ من الإعلام الأميركي عن وجه قبيح، ألا وهو تنفس الصعداء، والتعبير عن الارتياح بعد تصاعد حالات الإصابة والوفيات في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك نكاية في الرئيس ترمب الذي هاجم مراسلين بسبب أسئلتهم.

أحد هؤلاء هو مراسل شبكة “إن بي سي نيوز” بيتر ألكساندر الذي سأل الرئيس عن رسائل الطمأنة التي يمكنه إرسالها إلى ملايين الأميركيين الذين ينتابهم الخوف من فيروس “كورونا” الآخذ في الانتشار في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأميركية، فما كان من ترامب إلا أن ردّ قائلاً: “أقول إنه مراسل سيئ، وإنك طرحت سؤالاً سيئاً”، متهماً إياه بالسعي وراء الإثارة.

وإذا كان زمن كورونا كشف عن سعي البعض وراء إثارة هنا، أو إحراز هدف في مرمى الرئاسة التي تناصب وسائل إعلام بعينها العداء بسبب توجهات وانتقادات، فإنه أيضاً كشف عن أرباح مسمومة يسعى البعض إلى تحقيقها بحق ومن دونه.

إعلانات نصب واحتيال
أغلب دول الكوكب تشهد هذه الآونة طوفاناً لإعلانات فيها قدر بالغ من الوهم والنصب والاحتيال، ناهيك بالافتئات وتراكم الثروات على حساب حاجات المذعورين. كم هائل من مساحيق التعقيم ومستحضرات التطهير وسلع التنظيف غير معروفة المصدر مطموسة المحتوى، مموهة الأثر.

ولأن المنتجات الأصلية أصبحت شحيحة أو نفدت من الأسواق أو سُحبت لإعادة طرحها بأسعار أعلى، فإن المذعورين مضطرون للمغامرة والشراء. مغامرات يخوضها آخرون عبر تصديق ما يطرحه نصابون ومحتالون من “علاجات” تساعد في علاج المصابين بالفيروس و”وقايات” تساعد في الوقاية منه، وجميعها لم يمر عبر قناة بحثية أو منصة رقابية أو حتى ورقة علمية واحدة.

ورقة لا أخلاقية أخرى يجرى تداولها تثير الاهتمام في زمن كورونا. لكنه اهتمام من النوع الحميد الذي يشغل فراغ المحظورين ويسلي أوقات المعزولين. النكايات السياسية والمناطحات الاقتصادية بين الكيانات الدولية الكبرى تبدو فاحشة في زمن كورونا.

أميركا تضرب اقتصاد الصين، والصين تتعافى فتبادر إلى ضرب الاقتصاد الأميركي، ثم يتفق كلاهما على محاربة الفيروس الشرير في مكالمة هاتفية بين الرئيسين، وهلم جرا.

الخصوصية والحقوق
وقد جرى العرف في الكوارث والأزمات أن تتقهقر أولويات احترام الخصوصية والتزام الحقوق تحت وطأة تبدل الأولويات.

في كوريا الجنوبية، وكما تشير جريدة “غارديان” البريطانية، استيقظ الناس على إجراءات “صحية” مشددة عبر رسائل إلكترونية تتيح تتبع تحركات أصحاب الحالات التي التقطت الفيروس. تصل الرسائل إلى ملايين الهواتف المحمولة “على سبيل التوعية”.

تقول الرسالة “إن فلاناً التقط العدوى. وإن أردت معرفة الأماكن التي تردد عليها قبل تشخيصه، دقّ على الوصلة التالية”. الوصلة التالية تشير إلى أن هذا الرجل كان مع سكرتيرته في ووهان الصينية. وتكتشف زوجته أنه لم يخبرها بذلك. سيدة وجدت زيارتها لجراح التجميل مشهرة أمام الجميع. شاب ثلاثيني وجد انتماءاته الجنسية التي كان يخفيها مشاعاً أمام الجميع، لأن جزءاً من تفاصيل تحركاته من المطار إلى محطة القطار كان مطموساً.

تطبيقات رقابة رقمية
وجه آخر من وجوه الخصوصية المغدورة في “زمن كورونا” يعبر عن نفسه عبر تطبيقات لجأت إليها الملايين لتعويض إغلاق المدارس أو عقد الاجتماعات الافتراضية، حيث تظهر معلومات كل الموجودين على الملأ ما يمثل هدية ثمينة لهواة اختراق الخصوصية والحصول على معلومات المستخدمين.

معلومات المستخدمين وخصوصياتهم تحوّلت إلى مادة للجدال حول أولويتها في زمن كورونا، وذلك بين فريق معتنقي الخصوصية، وآخر لا يؤمن بها، وثالث بين بين، حيث استعداد للتخلي عنها في سبيل تأمين الأفراد صحياً.

من روسيا حيث تطبيق الهاتف المحمول الذي يتيح مراقبة الأشخاص الذين جاءت اختبارات الفيروس إيجابية، إلى تايوان حيث مراقبة المعزولين عنكبوتياً، إلى إسرائيل التي صادقت على المراقبة الرقمية للمصابين، بات البعض ينظر إلى التضييق على الحريات واختراق الخصوصيات، باعتبارها منحة في زمن كورونا، وهي ما قد يقلب مفاهيم الأخلاقيات وقواعد السلوكيات في زمن ما بعد كورونا.

في زمن ما بعد كورونا، اكتشف متعافون من الفيروس اللعين أنهم باتوا موصومين. حكايات عدة يحكيها متعافون من جميع أنحاء العالم حول وصمة “كورونا” التي باتت ملتصقة بهم. يحكون عن نظرات التريب والتشكك من الجيران، رفض تبادل التحية ولو من على بعد أمتار، مطالبات بالرحيل عن العمارة أو الحي، بل وتمدد الوصمة لتنال من أهل المريض أو المتعافي وكأنهم أجرموا أو أخطؤوا، ووصول التنمر بمعايرة المريض أو المتعافي وذويه وكأنّ الفيروس ينال من أخلاقي والأعراض تعبث بالسلوك.

سلوك سكان الكوكب
سلوك سكان الكوكب في زمن كورونا يحتاج إلى تصحيح. الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تحدّث قبل أسابيع عن خطورة وصمة العار والتمييز ضد مرضى كورونا.

كتب في تغريدة: “في هذا الوقت من القلق الشديد، يجب تجنّب وصمة العار والتمييز، والوقوف معاً في تضامن وتعاطف”. مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت أشارت إلى أن الفيروس أثار موجة مقلقة من التحامل ضد الشعب الصيني وشعوب جنوب شرق آسيا.

وقالت إن تقارير عدة تشير إلى إساءات تنم عن كراهية الأجانب موجهة إلى أشخاص آسيويين في أوروبا وأماكن أخرى، وهو ما يستوجب جهداً مضاعفاً لمكافحة مثل هذا التمييز.

البعض يشكك في جدوى مثل هذه الجهود في مثل تلك الظروف، لا سيما أنه إذا كان رب البيت بحقوق الإنسان ضارباً، وبحقه في عدم التمييز بسبب فيروس لعين خارقاً، فشيمة البعض من أهل البيت التمييز ضده والتنمر به.

وعلى الرغم من كشف كورونا جوانب هي أسوأ ما في البشرية، يظل الفيروس قادراً في الوقت نفسه على كشف جوانب هي أحسن ما فيها. فالرحم واحد، لكن الطرح مختلف.

مقالات ذات صله