تعرية الأمم المتحدة- د.أسامة نورالدين

تعرية الأمم المتحدة- د.أسامة نورالدين

مؤشرات الإصابة بفيروس (كوفيد 19) والمعروف باسم كورونا تخطت حاجز المليون منذ أيام في كل دول العالم، وقطعت شوطا كبيرا في المليون الثاني، بينما يقترب عدد الوفيات من 100 ألف، وتتابع شعوب الكرة الأرضية كل ما هو جديد بخصوص الفيروس أو إصاباته أو وفياته أو جهود الوصول إلى علاج مؤكد أو ابتكار لقاح، فيما يعتكف العلماء في مختبراتهم، وتسلط وكالات الأنباء ووسائل الإعلام أضواءها صوب منظمة الصحة العالمية بصفتها السلطة التوجيهية والتنسيقية ضمن منظومة الأمم المتحدة المختصة بالمجال الصحي.

أزمة كورونا كشفت أن منظمة الصحة العالمية بعيدة تماما عن مجابهة الوباء، أو جهود احتوائه، أو مراقبة إجراءات واحترازات الدول لمنع تفشيه، أو تجارب الأدوية والعقاقير التي تعالجه، أو إنتاج لقاح للوقاية منه، وانحسر دورها في عملية رصد الأعداد التي تستقبلها مكاتبها الإقليمية من الحكومات، ومن ثم تصدير الأرقام في بيانات إعلامية، لتحبط عامة البشر في جهودها لانقشاع الفيروس، ولا يخفى عن القاصي والداني أن جهود المنظمة قبل الوباء ارتكزت على إقامة المؤتمرات واللقاءات في البلدان المختلفة مع دعم بعض الحملات الترويجية للأمراض، أما بعد الوباء فتحولت إلى مكاتب سكرتارية فقط.

تراجع دور منظمة الصحة العالمية يفتح لنا ملف تواري أدوار الأمم المتحدة في ضبط أداء السلم والأمن الدوليين، فلم تعد لها أي سلطة أو قوة سوى على الدول الضعيفة، بينما دعمت استفحال القوى العظمى، وساهمت في اهتراء كل جهود السلام، وتفتت آمال الشعوب في العيش بأمان.

منظومة الأمم المتحدة التي تتكون من 6 أجهزة رئيسية (كل واحدة لديها هدف وبرنامج محدد)، إضافة إلى أكثر من 75 جهازا آخر يعمل تحت غطائها، ومجلس الأمن هو أقوى أجهزتها على الإطلاق بفضل القوة الممنوحة لأعضائه دائمي العضوية (5 دول) والمسماة “حق الفيتو”، وهذه القوى تمنع تمرير أي قرار يضر بمصالحها ومصالح حلفائها، وتجهض أي مشروع يعارض سياساتها، بل والأدهى أنه حتى في حال تمرير القرارات لا يتم العمل بها، فكم من دول أنهكت العالم بسياساتها الاستعمارية والاقتصادية، وكم من شعوب أريقت دماؤها، ولاجئين شردوا من أوطانهم ولم تسعفهم المنظمات العالمية.

هناك قرارات لا تعدو كونها مجرد بيانات للتداول الإعلامي ولا ترتقي للحد الأدنى من التنفيذ والتفعيل مثل القرار رقم 242 القاضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة والعودة إلى حدود ما قبل 1967، والقرار 452 لعام 1979 بعدم قانونية المستوطنات اليهودية وعدم تغيير الوضع القانوي للقدس، وهو نفس المعنى للقرار 476 عام 1980، وكذلك القرار 2334 عام 2016 والمتعلق بنفس السياق.

هيئات ومنظمات الأمم المتحدة ولجانها الرئيسية والإقليمية وبرامجها وصناديقها فشلت في حماية السلام العالمي، وباتت تخوض مع الخائضين، فتحولت أراضي النزاعات والصراعات إلى قطعة من سقر، توحش فيها المجرمون المغتصبون، وقُتِّل أصحاب الأوطان الأصليون، وأما ما يتعلق بالأمن الدولي فحدِّث ولا حرج، فلا جهود نزع أسلحة الدمار الشامل كافية، ولا قرارات محاربة سباق التسلح شافية، وحتى على المستوى الحقوقي والإنساني والصحي انبطحت المنظومة الدولية أمام هيمنة القوى العظمى برأسمالها وقدراتها العسكرية ونفوذها على الدول الضعيفة.

إن ما مر به العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، أثبتت فيه الأمم المتحدة أنها غير قادرة على مواجهة الحكومات، أو درء الاعتداءات على الشعوب، وظللت قراراتها اغتصاب الحقوق وقهر الشعوب، بل تعرت تماما من صلاحياتها ومبادئ الحياد التي كانت تسترها، وجُل ما في استطاعتها أن تصدر بيانا إعلاميا لا يسمن ولا يغني من جوع، حتى في الأزمات الوبائية عجزت عن إيجاد برامج توعية وحماية لسكان الأرض، أو بلورة الجهود الفردية للدول في إنتاج علاج أو لقاح لفيروس كورونا المستجد، ما نستلهم منه أن صلاحيات أكبر وأهم منظمة دولية في العالم (الأمم المتحدة) سقطت بالتقادم، وأن إصلاحها وتطويرها وتقوية نفوذها من أولويات المراحل المقبلة لضمان التعايش السلمي بين الشعوب وتنظيم العلاقات بين الدول ومراقبة أداء الحكومات مع شعوبها.

مقالات ذات صله