الصحافة الدولية تتنبأ بعهد سعودي جديد.. وثورة شعبية مقبلة

الصحافة الدولية تتنبأ بعهد سعودي جديد.. وثورة شعبية مقبلة


الصحافة الدولية تتنبأ بعهد سعودي جديد.. وثورة شعبية مقبلة

لندن – ضد الارهاب
وسط انهيار اسعار بيع النفط، وتدني الطلب عليه، وهي السلعة القائم عليها الاقتصاد السعودي بالكامل، ومتطلبات صد جائحة كورونا، باتت اغلب الصحف الدولية، تتوقع ان تشهد السعودية عهد جديد، يطالب فيه المواطنون بحقوقهم اكثر من السابق.

الصحفية لويز كالاغان، مراسلة شؤون الشرق الاوسط في صحيفة (صانداي تايمز) قالت في مقال نشرته تحت عنوان “الفترة الذهبية السعودية تتلاشى وسط انهيار أسعار النفط ووباء كورونا”: “بدت وكأنها شيء خارج من قصص الخيال العلمي، مدينة في الصحراء لا تحتاج إلى شوارع لأن السيارات ستنقل الموظفين جوا إلى العمل”.

وأطلق عليها “المعجّل للتقدم الإنساني” وتغطي مساحة تعادل مساحة بلجيكا، وستحصل على نورها في الليل من قمر صناعي عملاق، وسيعيش فيها مليون شخص يعملون في “مراكز إبداع” تقيمها شركات سيليكون فالي العملاقة.

وكانت هذه رؤية السعودية للمستقبل والمشروع الرئيسي لولي العهد محمد بن سلمان. إلا أن هبوط أسعار النفط وفيروس كورونا الذي انتشر حول العالم، وضعا السعودية أمام أزمة اقتصادية دفعتها للإعلان الأسبوع الماضي عن سلسلة من إجراءات التقشف، وهي إجراءات جديدة في أرض الأمراء أصحاب المليارات.

وتقول كالاغان إن العمل على مشروع مدينة نيوم شهد تباطؤا، وبات مستقبلها غير واضح. ونقلت تقارير عن متعهد يعمل في نيوم، قوله إنه خفّض ساعات العمل لفريقه بمعدل النصف، فيما كشفت صور فضائية عن مجموعة قليلة من القصور ومهابط الطائرات. ونقلت الصحيفة عن علي الشهابي المقيم في واشنطن: “كل هذه المشاريع سيتم تأخيرها، ولم تتوقف ولكنها ستستمر بوتيرة بطيئة”.

وتعلق كالاغان أن مصير نيوم هو مثال عن التغيرات التي تكتسح السعودية. ففي الأسبوع الماضي زادت الحكومة من ضريبة القيمة المضافة التي أعلنت عنها عام 2018، وهذه المرة وصلت الزيادة إلى ثلاثة أضعاف، من 5% إلى 15%، كما خفّضت 220 جنيه استرليني من رواتب موظفي الدولة.

وقال علي الأحمد، الصحافي السعودي الذي كشف أولا عن الإجراءات الجديدة: “سيعاني الأشخاص أصحاب العائلات لأنهم سيشعرون بألم الإجراءات في كل مرة يشترون فيها كيس أرز”، وقال: “ربما كان هذا أعظم تحدٍ اقتصادي يواجه السعودية منذ إنشائها”.

وتشير الصحيفة إلى أن المشاكل تتزايد منذ وقت طويل، ذلك أن السعودية كانت واعية ولوقت طويل من محدودية الاقتصاد القائم على النفط، ولهذا حاولت أكثر من الآخرين القيام بجهود لتنويع الإقتصاد. وعمل الملك عبد الله الذي توفي عام 2015 على الحد من إفراط الأمراء البالغ عددهم 15 ألفاً، واستدعى أمراء حجزوا طابقا كاملا في فنادق أوروبية، وركّز الثروة في أيدي النخبة الحاكمة.

وكان واضحا للناس العاديين والأمراء على حد سواء، أن أيام الثروة التي لا حدود لها لن تستمر إلى الأبد. وقالت إن عاملا في تصميم المجوهرات لقيته عام 2018 أخبرها: “نعرف أن الأمور ستكون مختلفة بالنسبة لنا” و”ليست لدينا توقعات آبائنا ونعرف أن علينا العمل بجد”.

اليوم يعمل السعوديون في ستاربكس وفي مراكز التسوق ويسوقون أوبر، لكن الغالبية منهم يعملون في القطاع العام وبوظائف حكومية. وتصل نسبتهم 58% أكبر من القطاع الخاص، وخمس النساء لا عمل لهن، وتصل النسبة بين الإناث المتخرجات من الجامعة إلى 33%.

ولا يعمل السعوديون في الوظائف المتدنية التي يعمل فيها عادة العمال الوافدون. ولا يزال الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على النفط، فيما يقول محللون إن هناك تخفيضات بالنفقات قادمة.

ويقول روبرت موغيلنكي من معهد دول الخليج العربية بواشنطن: “أعتقد أننا توقعنا عددا من الإجراءات ولم يكن هناك مجال للتحايل على سياسة قاسية في ضوء الهزات الخطيرة وغير المسبوقة”.

ويقول إن المسؤولين السعوديين يحاولون تجنب الإجراءات غير الشعبية مثل تخفيض رواتب القطاع العام. ولا يزال للسعوديين شبكات أمان لتخفيف حدة إجراءات التقشف، كما لا يزال التعليم والصحة العامة مجانيان. كما أن اعتمادهم على الوظيفة الحكومة يمثل شبكة أمان أخرى.

من جهتها، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا لمراسلتها فيفيان لي، قالت فيه إن أحلام السعودية الكبرى ارتطمت بجدار. مشيرة إلى أن وباء فيروس كورونا وهبوط أسعار النفط، سحبا البساط من تحت خطط التطوير التي اقترحها الأمير محمد بن سلمان.

وقالت إن السعودية عرفت التغير الذي أصاب دواراً في الرؤوس من مصارعات ومغني راب وقيادة المرأة للسيارة ودور سينما، أو كما وصفت الطالبة نورة خالد (23 عاما) من الرياض في كانون الأول/ ديسمبر: “مرة لم يكن هناك أي شيء واليوم كل شيء موجود”، و”لا توقف، ويحدث كل شيء سريعا” أما اليوم فتقول لي إن هناك ضربات وكدمات.

ففيروس كورونا لم يحرم السعوديين من الحياة الطبيعية، بل وحرم النفط الذي انخفضت أسعاره البلادَ من الثروة التي تعتمد عليها السعودية الجديدة.

وتشير إلى خطط ولي العهد محمد بن سلمان لتنويع الاقتصاد تحت فرضية أن السعودية لا يمكنها الاعتماد على النفط وللأبد. بالإضافة إلى تطوير السياحة والترفيه إصلاحات اجتماعية تحت ما صارت تعرف برؤية 2030. والآن أصبحت السياحة والترفيه خارج المعادلة، إلا أن انهيار أسعار النفط، جعل المملكة التي كانت قبل عدة أشهر تعيش حالة من النشوة المترقبة، تعيش مستقبلا مختلفا عن ذلك الذي وعد به محمد بن سلمان.

ونقلت الصحيفة عن مايكل ستفينز، المحلل في المعهد الملكي للدراسات المتحدة في لندن قوله: “أعتقد أن رؤية 2030 قد انتهت بدرجة أكثر أو أقل”، مضيفا: “أعتقد أنها انتهت”، وقال إن السعودية تواجه أياما صعبة وهي “من أصعب الفترات التي واجهتها وبالتأكيد الأصعب منذ صعود محمد بن سلمان”.

ولم يعط ولي العهد أية فكرة عن وقف أي من الخطط، وفي تصريحات لبلومبيرغ، قال وزير ماليته محمد الجدعان إن مشاريع مثل مدينة المستقبل “نيوم” سيتم تأجيلها. ولكن السعوديين الذين تعودوا على دعم الحكومة السخي للوقود والكهرباء والوظائف الحكومية المريحة والتعليم والعلاج الصحي المجاني، قد يواجهون مستقبلا أصعب من الذي عاشته الأجيال السابقة، بطريقة ستعيد إعادة كتابة العلاقة بينهم وبين حكامهم.

وأعلنت الحكومة بداية الأسبوع الماضي عن مضاعفة ضريبة القيمة المضافة على البضائع والخدمات من 5% إلى 15% وقطع 266 دولارا من العلاوات الشهرية المخصصة لموظفي الدولة، ومراجعة بقية المنافع المقدمة للموظفين والمتعهدين.

وقال الجدعان في بيان: “نواجه أزمة لم ير مثلها العالم في تاريخه الحديث”. وأضاف أن التغيير في الضريبة والمنافع “هي صعبة كما تبدو ولكنها ضرورية ومفيدة للحفاظ على استقرار مالي واقتصادي شامل”. وفي الوقت الذي قد لا تؤثر إجراءات التقشف على الأثرياء إلا أنه ستكون مؤلمة للفقراء.

وقال عبد الرحمن، تاجر قطع السيارات ومواد البناء في الرياض: “نشعر بالقلق الحقيقي”، مشيرا إلى أن الطبقة المتوسطة ستعاني أكثر من هذه السياسات.

وتعلق لي أن التغيرات الإجتماعية مثل توسيع حرية المرأة ستبقى. وبرزت التحولات واضحة، إلا أن التحول سيأخذ عقودا حتى في أحسن السيناريوهات كما يقول المحللون. وكانت المملكة تعول على النفط لدعم عملية التحول، وتمويل المباريات الرياضية والحفلات الموسيقية للمغنين الأجانب وتعليم السعوديين في الخارج ودعم صناع الأفلام وتطوير الأماكن السياحية في الصحراء. إلا أن أسعار النفط انخفضت بسبب تجمد الطلب العالمي عقب انتشار وباء فيروس كورونا، وكذا نتيجة حرب الأسعار التي شنها ولي العهد مع روسيا، مما أدى لانخفاض أسعار النفط إلى أقل ما تحتاجه السعودية لمنع العجز في الميزانية.

وأعلنت شركة أرامكو يوم الثلاثاء الماضي عن انخفاض أرباحها في الربع الأول من هذا العام بنسبة 25% مقارنة مع الفترة نفسها العام الماضي.

وتقول كريستين سميث ديوان، المحللة في معهد دول الخليج العربية بواشنطن: “الكثير من الأمور التي كانت مجانية لم تعد مجانية” و”هذا فحص للوطنية الجديدة، وهناك المزيد: أنت جزء من هذه الأمة ويجب أن تساهم”.

وقالت لي إن السعودية اهتمت بأبنائها وعرضت نقلهم بالجو من أي مكان يقيمون فيه وحجرتهم في الفنادق وعلى حساب الدولة، ودفعت 60% من رواتب الموظفين، ولا يواجه أي منهم خطر خسارة وظيفته.

وعرضت السعودية قروضا بدون فائدة وتخفيضات على الكهرباء وحوافز أخرى. ولكن انخفاض أسعار النفط ومستويات الإنفاق الحكومي، هناك مخاطر من نفاد المال في ثلاثة أو خمسة أعوام، مما سيجبر الحكومة على طلب قروض إضافية كما تقول كارين يانغ، الزميلة في معهد دول الخليج العربية بواشنطن.

وقال بعض المحللين إن المملكة جاهزة لاستئناف إنتاج النفط سريعا حالة عاد الطلب عليه، لكن لا أحد يتوقع ارتفاعا للأسعار كما حصل في الفترة ما بين 2004- 2013.

ويعيش السعوديون اليوم مستويات حياة أقل مما فعلوا في الماضي. فبعد انهيار أسعار النفط عام 2014 قطعت الحكومة الدعم عن مواد أساسية، وفي عام 2018 فرضت ضريبة القيمة المضافة التي رأى فيها عدد من المحللين أنها غير محفزة للسوق، فبدلا من مساعدة التجار والمستهلكين تحفيز الاقتصاد، ستؤدي هذه القرارات لتخفيض الاستهلاك. وأشار ستيفنز إلى أن الحكومة تضع عبء التقشف على شعب ليس مهيأ لمواجهتها.

ورد السعوديون على القرارات من خلال منصات التواصل الإجتماعي بالإستسلام أو إظهار حس الوطنية، فيما تساءل آخرون عما تقوم به هيئة الاستثمار العامة من تمويل عملية استحواذ على نادي نيوكاسل يونايتد البريطاني بقيمة 370 مليون دولار.

ولو استمرت الحكومة بالإنفاق على المشاريع البراقة والحفلات الموسيقية، فسيكون هناك تذمر شعبي، ولكن ليس أكثر، فالحكومة لم تتردد في الإنفاق أثناء الأزمات العامة في البلاد أو مواجهة من ينتقدها وقمعه.

مقالات ذات صله