البنوك الإسلامية مثلها مثل البنوك الأخرى

البنوك الإسلامية مثلها مثل البنوك الأخرى

البنوك الإسلامية عنوان براق لجذب الزبائن، من صغار الموظفين والتجار إلى أكبر المستثمرين، لكن على الأرض لا يكتشف الناس من “إسلامية” هذه البنوك سوى هذه الواجهة، وسط اتهامات لها بأنها تمارس الحيل لضبط فوائد أكبر من البنوك التقليدية وتحدد أرباحها ثم تغري الزبائن بقبولها موظفة حماس الناس للتدين. كما أن شبهات كثيرة تحيط بها بشأن دور بعضها في تبييض الأموال واستيعاب أموال جماعات متشددة وجمعيات خيرية يغرق بعضها في تمويل الإرهاب.

 

هاجم مستشارون من “علماء” و“فقهاء” يعملون لصالح بنك الزيتونة في تونس، والمصنف كبنك إسلامي، البنك واتهموه بأنه يسعى لاستصدار “فتوى تبيح زيادة الفائدة الناتجة عن تأخير سداد القروض بسبب جائحة كورونا”، وأنه يحاول “فرض زيادة على القروض تدخل ضمن باب الربا المحرم”.

 

في المقابل، نفى البنك في بيان مطول ما أسماه الحملة التي تستهدفه، نافيا أن تكون لمن هاجموه أي صفة في البنك، وأكد “تمسّكه بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها تحقيقا لأعلى درجات الالتزام الشرعي وأنه دأب منذ انطلاقه على تطوير الامتثال الشرعي تماشيا مع التطوّر الذي عرفته التشريعات ذات الصلة في تونس”.

 

هذا الخلاف أعاد إلى الواجهة الجدل بشأن “إسلامية” البنوك الإسلامية وحدود الاختلاف بينها وبين البنوك الأخرى، وبدأت أصابع الاتهام توجه إليها بأنها باتت أكثر جشعا من البنوك التي تصفها بالربوية، وأن عناوين مثل المرابحة صارت أقرب إلى التحايل على الزبائن وعلى الشريعة نفسها التي تضع ضوابطها لضمان العدل واقتسام الربح والخسارة بين البنك والحريف.

 

وتستفيد البنوك الإسلامية من عناوينها البراقة لإقناع أجيال جديدة من الناس باتت تنظر إلى كل ما هو ديني على أنه نابع من الله، رغم أن دارسين من داخل منظومة الاقتصاد الإسلامي يحذرون من أن هذه البنوك تقوم بعملية تحايل كبرى، وأنها تقوم بدور الوسيط وتأخذ عمولتها عليه تماما مثل البنك العادي، وأن شرط المساهمة في خلق الثروة وتنشيط الاقتصاد مجرد شعار تسويقي.

 

الفارق في العنوان البراق للبنوك الحلال، واللعب على عاطفة الناس الذين يميلون إلى اتباع أي حيل تقنعهم بأنهم على الطريق السوي

 

وتركز بعض البنوك، المصنفة إسلامية، في خطابها على الالتزام بأحكام “الشريعة” بغرض جذب المستثمرين الحريصين على تفادي الربا، لكن مع سلوك آليات عمل مغايرة لذلك، ما يجعل “الشريعة” مجرد واجهة.

 

وتوجه تهم للبنوك الإسلامية بأنها تفرض حجما للفوائد أكثر من تلك التي تقرها البنوك التقليدية، وأن ما يختلف هو اختلاف طريقة حساب تلك الفوائد، ففيما تمتلك البنوك التقليدية آلية واضحة لحساب الفوائد تقوم البنوك الإسلامية على المناورة بأن تضع سقفا للربح، ثم تمرره عبر آلية “المرابحة” التي تسمح بزيادة الربح دون وجود أي سقف.

 

ويقول خبراء في الاقتصاد الإسلامي إن نسبة الربح في المرابحة تتغير حسب مدة التسديد، إذ “كلما ارتفعت مدة التسديد ارتفعت نسبة الربح”، وهو ما يشبه آلية عمل البنوك التقليدية، وأن الفارق الوحيد في العنوان البراق للبنوك الحلال، واللعب على عاطفة الناس الذين يميلون إلى اتّباع أي نصائح أو أفكار أو حيل تقنعهم بأنهم على الطريق السوي دينيا.

 

ويقر الشيخ حامد بن عبدالله العلي بذلك واصفا عملية التحايل “الشرعي”، التي تتم على حساب الناس وأمنهم، بأن البنوك الإسلامية “لجأت إلى حيل توفر عليها الجهد، وتعجل الفائدة، مثل توسيع الأمر في نظام المرابحة، وقد وسعت بعض البنوك الإسلامية أرباحها من هذا المصدر، لأنها وجدته أسهل وأسرع في تحصيل الربح المضمون، ذلك أنها جعلت نظام البيع بالمرابحة، (ينتهي إلى) جعل البنك الإسلامي نفسه وسيطا بين البائع أو التاجر والزبون”.

 

ولا تستهدف هذه النوعية من البنوك الفئات الضعيفة أو محدودية الدخل في أنشطتها، وهي التي تحتاج إلى بنوك بأقل فوائد وإجراءات أقل تعقيدا لامتلاك منازل أو تطوير أنشطة تجارية، وعلى العكس، فقد باتت هذه البنوك تراهن على الفئات الثرية في محاول لجذب رؤوس أموال كبيرة ومراكمة الأرباح دون أن تحقق أي مقاصد من وراء “إسلاميتها”، وأنها لا تعدو أن تكون مؤسسة ربحية رأسمالية بلبوس إسلامي، ولا تختلف عن البنوك المنافسة سوى بالتسمية.

 

وأضاف العلي، وهو الخبير في المالية الإسلامية، أن البنك الإسلامي في هذه العملية “لم ينفع أحدا إلا نفسه، ولم يزد شيئا في السوق، ولم يقم بأي دور في الاقتصاد العام للمجتمع، وإنما حمّل الزبون دينا مع زيادة الفوائد، وهي نفس فكرة المرابي الذي يقول أنا لا أريد أن أعمل، إنما أجلس وأعطي نقودا، وآخذ نقودا زيادة ، فلا أدخل السوق ولا أوفر فرصا للعمل، وهو أسلوب سهل لكسب المال دون تعب”.

 

وتحيط هذه البنوك نفسها بهالة إعلامية عن “نجاحات” في أماكن كثيرة في العالم الإسلامي أو في الغرب، وأن البنك الإسلامي بات يحظى بالثقة قياسا بغيره، لكن متابعين لأداء هذه البنوك يقولون إن الأمر لا يعدو أن يكون بروباغندا، خاصة أن بعض تلك البنوك مرتبطة بجماعات سياسية

ومنظمات مثيرة للتساؤلات والشكوك، وأنه يتم التخطيط لاستقطاب أموال لزبائن عاديين بهدف التغطية والتمويه على الأموال الأصلية مجهولة المصدر.

 

وبات بعض هذا البنوك مثار رقابة وتوجس بسبب شبهات في وقوفها وراء تبييض الأموال التي تنقل عبر شبكات ملتوية لتمويل أنشطة غير قانونية وبعضها مرتبط بتمويل الإرهاب وبشكل عابر للدول، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما كشفت عنه تحقيقات سابقة وأدت إلى تجميد حسابات متهمين بدعم الإرهاب، أو من خلال تمويل فدى لفائدة جماعات متشددة.

 

كما تسمح الآليات الرقابية الملتبسة للبنوك الإسلامية بأن تتحول إلى ملاذ لأموال الجمعيات الخيرية وداعميها، والتي أصبحت الأداة الناعمة والأكثر تأثيرا في الاستقطاب لفائدة الجماعات الإسلامية المتشددة.

 

حيلة لاستقطاب أموال لزبائن عاديين بهدف التغطية والتمويه على الأموال الأصلية مجهولة المصدرحيلة لاستقطاب أموال لزبائن عاديين بهدف التغطية والتمويه على الأموال الأصلية مجهولة المصدر

 

ويعتقد متخصصون في ظواهر الإسلام السياسي أن أخطر مشاريع الجمعيات الخيرية تكمن في أنها تغري الشباب بتبني الأفكار المتطرفة والتخلي عن القيم المدنية السائدة، وأنها توظف المال الذي تحصل عليه بكل يسر، في عمليات التأثير على الشباب عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي التي تعتبر أكبر عناصر الجذب للتطرف والعنف عبر نشر أشرطة الفيديو الحماسية، ونقل الفتاوى، واختلاق قصص وحكايات للترغيب في الانتماء إليها.

 

وتستفيد البنوك الإسلامية من بروباغندا تلك الجماعات ولوبيات المال المرتبطة بها للتسويق لـ”نجاحاتها” في الغرب لكونها باتت منافسا قويا للبنوك الأخرى، التي صارت تتحمس لتوظيف “الأموال الإسلامية”، لكن خبراء في الميدان يقولون إن الأمر مرتبط بوفرة التمويلات لدى هذه البنوك، وليس إلى جاذبية الصفة الإسلامية لدى الزبائن. واعتبر سميح مسعود في دراسة بموقع “الحوار المتمدن” أن اهتمام البنوك التقليدية الغربية بإدخال الصيرفة الإسلامية ضمن أعمالها سببه “اهتمام هذه المصارف باستيعاب أموال جديدة تضاف إلى أصولها تجمعها من المسلمين الذين تزيد أعدادهم عاما بعد عام في الدول الغربية”.

 

كما أنها “تحقق بهذا أرباحا مجزية في ميزانياتها العمومية”، أي أن “الأمر لا يزيد عن كونه عملية تجارية بحتة لا علاقة لها بالعقائد وانتصار الاقتصاد الإسلامي على الربوي كما يحلو للبعض قوله”.

 

ولا شك أن البنوك الإسلامية قد استفادت من زئبقية الفتاوى التي يصدرها رجال الدين البارزون لفائدتها، والذين يحثون الناس على مساندة هذه البنوك والانخراط فيها بعقلية “الجهاد في سبيل الله” وكأن البنوك الأخرى كافرة ويجب إغلاقها أو مقاطعتها.

مختار الدبابي

 

كاتب وصحافي تونسي

مقالات ذات صله