التضامن بالإكراه.. كيف يتم فرض أجندة التعاطف بمنصات التواصل؟

التضامن بالإكراه.. كيف يتم فرض أجندة التعاطف بمنصات التواصل؟

قبل أيام تداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان مقطعاً مصوّراً لفتاة تمشي في أحد أزقة مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين، قبل أن تعاجلها رصاصة في رأسها أثناء اشتباك بين تجار المخدرات في المخيم لتسقط قتيلة على الأرض، لم يهتم أحد بالمرأة القتيلة ولا بهويتها ولا بمصير ابنها الذي رمته أرضاً، كل ما عرفناه أنها فلسطينية الجنسية. وربما كان ذلك سبباً لإهمال الحادثة. المقطع المصوّر استمر تداوله لساعات قليلة قبل أن يطويه النسيان، وتُطوى معه مأساة امرأة قتلت ظلماً. لم يطالب أحد بمعرفة القاتل، ولا الاقتصاص منه، ولم تنظم من أجلها تظاهرات غاضبة، ولولا المقطع المصوّر ربما لما أتى على ذكرها أحد.

 

 

 

قبل أيام أيضاً انشغل العالم العربي ومعه وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ونجوم وفنانين وإعلاميين وقادة رأي مؤثرين انشغلوا جميعاً بخبر انتحار فتاة مصرية تدعى سارة حجاري. وصلت سارة إلى كندا قبل عامين قادمة من مصر، وقد أمضت ثلاث سنوات في السجن بعدما رفعت علم “قوس قزح” الذي يرمز للشاذين جنسياً، ودفاعها الدائم عن حقوق الشاذين. رغم مرور أيام على انتحار سارة حجازي إلا أن قضيتها مازالت تشغل الكثيرين الذين لم يكتفوا بتعاطفهم مع قضيتها بل أرادوا فرض تعاطفهم على الآخرين، وباتت معركتهم هي مقارعة الذين لم يشعروا بالحزن والأسى والألم على انتحار سارة ولم يعبروا عن تعاطفهم لانتحارها.

 

 

 

ليست القضية متعلقة بالموقف من شذوذ سارة الجنسي ودعوتها وسعيها واجتهادها لإباحة الشذوذ في المجتمعات، ولا باعتناق سارة الفكر الشيوعي، ولا بقرارها إنهاء حياتها بيدها فلسارة ولنا جميعاً رب يحاسبنا. القضية تتعلق بالترهيب والضغط النفسي الذي يمارسه المتعاطفون مع انتحار سارة على الذين لم ولا يريدون التعاطف معها. فيتعرض كل من رفض التعاطف مع سارة لاتهامات بالتزمّت والتشدد وانعدام الإنسانية وانعدام الأخلاق، فقط لأنه لا يريد التعاطف مع فتاة كانت تدعو للشذوذ الجنسي وقررت الانتحار، وبات معيار إنسانية المرء مرتبط بمدى التعاطف مع سارة من عدمه.

 

القمع والاضطهاد لا تمارسه فقط الأنظمة الدكتاتورية بحق شعوبها. فقد منح البعض أنفسهم سلطة قمع آراء الآخرين وسلب إراداتهم، وفرض ما يجب أن يتعاطفوا معه وما يجب أن يهملوه

 

لا أحد يعرف لماذا قرر الإعلاميون ووسائل الإعلام وقادة الرأي والفنانون ونجوم المجتمع التعاطف مع انتحار سارة حجازي ولم يقرر التعاطف –مثلاً- مع المرأة التي قُتلت برصاصة في مخيم شاتيلا ولم تُعرف هويتها. لماذا يجب علينا جميعاً التضامن مع المعاناة والضغوط والتعذيب الذي تعرضت له سارة حين كانت في السجون المصرية، ويجب علينا إهمال آلاف المعتقلين في السجون المصرية نفسها الذين يتعرضون منذ سنوات وكل يوم لشتى صنوف التعذيب وانتهاك أبسط حقوقهم الإنسانية نساء ورجالاً؟!.

 

 

 

لماذا مفروض علينا جميعاً التضامن مع انتحار سارة حجازي وليس من حقنا التضامن مع آلاف النساء السوريات اللواتي تم تشريدهنّ في أصقاع الأرض، وتقبع المئات منهنّ في سجون النظام السوري يتعرضن للتعذيب والاغتصاب بصمت، دون من يرفع الصوت أقلّه للتعاطف معهنّ والتضامن مع مأساتهن. القضية ليست مرتبطة بسارة حجازي، لكنها مثال على التوجيه والترهيب والإرغام الذي يمارسه بعض من يعتبرون أنفسهم قادة للمجتمعات لفرض ما يريدون، والتضامن والتعاطف مع القضايا التي يرغبون، وتهميش وإهمال قضايا أخرى لايرغبون بالاهتمام بها وإبرازها، أو التطرق لها حتى ولو كانت المعاناة والظلم والقهر الذي يتعرض له أصحاب هذه القضايا يزيد بأضعاف الظلم الذي تعرضت له القضايا التي يهتمون بها.

 

 

 

القمع والاضطهاد لا تمارسه فقط الأنظمة الدكتاتورية بحق شعوبها. فقد منح البعض أنفسهم سلطة قمع آراء الآخرين وسلب إراداتهم، وفرض ما يجب أن يتعاطفوا معه وما يجب أن يهملوه. سلطة لا أحد يدرك من منحهم إياها، لكنها في جميع الأحوال لاتقل قمعاً عن تلك التي تمارسها الأنظمة الفاسدة الاستبدادية.

مقالات ذات صله