ما هو التفسير العلمي لخفض مسافة الأمان إلى متر واحد؟

ما هو التفسير العلمي لخفض مسافة الأمان إلى متر واحد؟

المراجعة الجديدة تفيد بإمكانية تقليص مساحة التباعد الاجتماعي السارية منذ مارس
كتبت: هيلين كوفي
أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أن مراجعة التباعد الاجتماعي أفضت إلى إمكانية تقليص مسافة الأمان بطول مترين والسارية منذ مارس (آذار) إلى متر واحد – الأمر الذي اعتبره قطاع الفنادق ضرورياً كي تتمكّن المرافق من الصمود مالياً.

وأكد رئيس الوزراء كذلك أن الحانات والمطاعم والفنادق تستطيع بدء إعادة فتح أبوابها في غضون 11 يوماً، اعتباراً من 4 يوليو (تموز). تأتي هذه الأنباء بعدما قال القيّمون على قطاع الفنادق إنّ تطبيق قاعدة مسافة الأمان بطول مترين ستجعل إعادة فتح جميع الأماكن صعبة.

وتوقّعت هيئة الضيافة في المملكة المتحدة أن المنشآت في السابق كانت ستحقّق 30 في المئة فقط من مردودها الاعتيادي مع تطبيق قاعدة المترين، لكن مع تقليص تلك المسافة الآن إلى متر واحد، فإنّ تحقيق ما بين 60 و 75 في المئة من الإيرادات سيكون ممكناً.

لكن هل من الآمن خفض مسافة التباعد الاجتماعي إلى هذا الحدّ؟ تلقي “اندبندنت” نظرة على الجانب العلمي للقرار.

هل تُطبَّق قاعدة مسافة الأمان بطول مترين في كل البلدان؟

لا. في حين أن كندا وإسبانيا والمملكة المتحدة قد فرضت في السابق أطول مسافة للتباعد الاجتماعي التي تبلغ مترين، فإنّ معظم البلدان الأخرى اعتمدت إما مسافة متر ونصف المتر – مثل أستراليا وبلجيكا وألمانيا واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال – أو اكتفت بمتر واحد كالصين والدنمارك وفرنسا وهونغ كونغ وليتوانيا وسنغافورة.

وفي حين قرّرت كل من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية اتّباع قواعد خاصة بهما عندما فرضتا إرشادات تنصّ على مسافة أمان بطول 1.8 و 1.4 متر على التوالي.

أما نصيحة منظمة الصحة العالمية، فتنصّ على الحفاظ على مسافة تبلغ متراً واحداً بين الناس.

هل كانت معدلات العدوى أقل في الدول التي تتّبع قاعدة المترين؟

لا يبدو أن الحال كذلك: فقد لعبت عوامل أخرى مثل فرض الإغلاق (الحجر) في وقت مبكر وبرامج التعقّب والتتبّع الشاملة دوراً أكبر بكثير في تحديد معدل الإصابات في الدول.

وعلى سبيل المثال، فإنّ معدل الوفاة في الدنمارك، التي تتّبع سياسة مسافة أمان بطول متر واحد، يزيد مجموعه حالياً على 600. وقالت الدنمارك التي دخلت حالة الحجر في وقت مبكر وكانت البلد الأوّل خارج آسيا الذي خفّف قيوده، إن العدوى لم ترتفع منذ خُفّضت الإجراءات.

في حين أن معدل الوفاة في المملكة المتحدة التي تطبّق قاعدة المترين، هو حالياً ثالث أعلى معدل على مستوى العالم، بعد الولايات المتحدة والبرازيل، إذ تتجاوز حالات الوفاة 40 ألفاً.

هل الحفاظ على مسافة مترين أكثر أماناً من متر واحد؟

ما زلنا نجهل الكثير عن فيروس كورونا وكيفية انتقاله وانتشاره.

الدكتورة جينا ماتشوكي، مؤلفة كتاب ”المناعة: علم الحفاظ على السلامة“ تقول: “سيكون من العظيم لو أننا امتلكنا بيانات دقيقة جداً يمكننا اتّباعها، لكنها غير متوفرة، بالتالي من الصعب قول ذلك. وفي بادئ الأمر، بُنيت قاعدة المترين على دراسات تعود إلى عقود مضت تبحث في العدوى الفيروسية وباتت الدعامة في منع انتقال الفيروس. ويساعد هذا في تقليل انتشار رذاذ اللعاب لأنه يحتمل تساقط القطرات التي تحتوي على الفيروس أرضاً ضمن مسافة تقلّ عن مترين. لكن علينا أن نتذكّر أن قاعدة المترين تُطبَّق على الفيروسات بشكل عام، وليس فيروس كورونا 2 المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة على وجه الخصوص. هذا الوباء قد تطوّر، وكذلك معرفتنا به وفهمنا له”. وتستشهد بدراسة نُشرت في مجلة “لانسيت” The Lancet الطبية وتشير إلى أن الحفاظ على مسافة متر واحد سيكون بالفعالية ذاتها.

وأضافت الدكتورة ماتشوكي: “لا يعني ذلك أن مسافة المتر الواحد سترفع مستوى الخطورة بشكل مفاجئ”.

على أية حال، تفيد الدراسة عينها بأنّ خطر اكتساب العدوى من شخص آخر يبلغ نحو 13 في المئة إن حافظتم على مسافة متر واحد، بينما ينخفض الرقم إلى 3 في المئة إن زادت المسافة على ذلك.

وقال الدكتور مايكل هيد، وهو باحث زميل في برنامج غلوبال هيلث في جامعة ساوثامبتون “في ما يتعلّق بالتباعد الاجتماعي، نحن نعلم أن الحفاظ على مسافة متر واحد مفيد، لكن مسافة المترين أفضل. في الواقع، كلّما ازدادت المسافة كان ذلك أفضل، لكن مسافة المترين تُعدُّ عملية في معظم الظروف ومعروف أنها ناجعة”.

ماذا عن الفرق بين الأماكن المغلقة والمفتوحة؟

تقول الدكتورة ماتشوكي: “يبدو أن العدوى تنتشر بسهولة في الأماكن المغلقة أكثر من المفتوحة… كما أن عوامل أخرى مثل نوعية الهواء والرطوبة والتكييف قد تلعب دوراً”.

وتوصّلت دراسة صادرة عن المعهد الوطني للأمراض المعدية في اليابان إلى أن فرص نقل الفيروس ازدادت 19 مرة في الأماكن المغلقة، مقارنةً بالتي في الهواء الطلق من خلال التحقّق في 110 إصابات بفيروس كورونا وتعقّب الأشخاص الذين كانوا على اتصال بالمصابين.

هل تلعب المدة التي أقضيها مع الآخرين دوراً؟

أحد أهم عوامل خطر العدوى التي غالباً ما يتم إغفالها هو الوقت الذي نقضيه مع أحدهم.

بحسب الدكتورة ماتشوكي، فإن العدوى الناجحة تتطلّب بصورة عامة: التعرّض للفيروس ووقتاً لذلك.

بشكل أساسي تعني هذه المعادلة – التي كان الدكتور إيرين بروميج، عالم المناعة المقارنة وأستاذ علم الأحياء في جامعة دارتماوث في ماساتشوسيتس أول من يصيغها – أن الأفراد يلتقطون العدوى عندما يتعرضون لعدد معين من الجزيئات الفيروسية.

إذا قام الشخص الآخر بالسعال أو العطاس، فيمكن الوصول إلى تلك العتبة الفيروسية بسرعة. وكلّما طالت المدة التي تقضيها مع شخص مصاب، بخاصة في مكان مغلق، تصبح أكثر عرضة للإصابة.

يقول بروميج: “كلّما أمضيت وقتاً أطول في تلك البيئة – سواء كان ذلك لدقائق أو ساعات – وكلّما زاد عدد الفيروسات التي تستنشقها، ازداد احتمال تراكمها ومن ثم بداية العدوى”.

يبدو أن الأفراد يخرقون للتو قاعدة المترين في المتاجر الاستهلاكية…

قد يدفعكم هذا إلى الاعتقاد أن مروركم بالقرب من الغرباء في متجر الحي يجعل الاقتراب من الأصدقاء والعائلة غير إشكالي.

على كلٍّ، فإنّ القاعدة التي تطالب المتسوقين بارتداء كمّامة تخفّف من الخطورة، وكذلك تقليل الوقت الذي تمضيه قرب الآخرين أثناء التسوّق (أعيدوا النظر في عامل الوقت).

ما هي المسافة التي يستطيع الفيروس قطعها؟

هذا أمر آخر يصعب تحديده.

يقول الدكتور روب وايت، المحاضر في علم الفيروسات بجامعة إمبريال كوليدج في لندن: “واضح أن الفيروس يمكن أن ينتشر عن طريق الرذاذ … يتم إفراز الرذاذ عند التحدث أو السعال وما شابه. لكن ليس من الواضح ما إذا كان الفيروس قادر على الانتشار عبر جزيئات الهواء – أي تلك الجزيئات السائلة الدقيقة الناتجة ببساطة من التنفس”.

وإذا كان الفيروس قادراً على الانتشار عن طريق جزيئات الهواء، فيُحتمل انتقاله لمسافات أطول بكثير.

ولكون الفيروس ينتقل عبر الرذاذ، فمن المرجح أن انتشاره يكون أكبر من خلال أفعال مثل الصراخ أو الغناء، كما يقول الدكتور وايت، الذي استشهد بحالات بارزة أُصيب فيها عدد من أعضاء جوقة غنائية بفيروس كورونا.

ومهما كانت المسافة التي يقطعها الرذاذ، فإنه سيتساقط في مرحلة ما. عندها نواجه مشكلة العدوى عن طريق الأسطح الملوثة، وهذا ما يجعل غسل الأيدي في منتهى الأهمية.

هل سيؤثر الخفض الجديد لمسافة الأمان إلى متر واحد في معدلات الإصابة؟

التنبؤ بذلك صعب، بحسب الدكتورة ماتشوكي التي تقول: “يعتمد ذلك على ما إذا التزم الأفراد القواعد وأخذوا في حسبانهم الوقت الذي يمضونه مع الآخرين واتّبعوا احتياطات مهمة أخرى مثل غسل الأيدي وارتداء الكمّامات والتخلّص من المناديل الورقية بطريقة مناسبة”.

أما الدكتور وايت، فيطالب الأشخاص الذين يقودون عملية الاستجابة للوباء بمزيد من الوضوح، قائلاً: “في رأيي، كان هذا النقاش برمّته والإرشادات المقدمة إلى الجمهور سيئة جداً لجهة مساعدة الناس في فهم الأنشطة ذات المخاطر المرتفعة والمنخفضة… من وجهة نظري، يعتمد كل ذلك أساساً على طبيعة النشاط. إذا افترضنا أن الانتشار يتم عن طريق الرذاذ فقط، فعندما لا نتحدث أو نتواجه في وقفتنا، فنحن على مقربة من انعدام خطر الانتشار، سواء كنّا في مكان مغلق أو في الهواء الطلق. لكن إذا تحدثنا بهدوء عند وقوفنا وجهاً لوجه، فإن الرذاذ يقطع مسافة أقصر. وإذا قمتَ بالصراخ أو الغناء، سينتقل لمسافة أبعد وربما سيُفرَز بكميات أكبر”.

ويقول إنه ينبغي إجراء المزيد من المناقشات العامة في الأنشطة التي يكون خطر انتشار العدوى فيها أكبر (كالتحدث بصوت عال في الحانات والهتاف خلال مباريات كرة القدم والغناء أثناء الحفلات الموسيقية)، والوضوح بشأن طرق تخفيف الخطر (الحدّ من الضوضاء في الحانات وعدم تشغيل الموسيقى أو وجود ضجيج في الخلفية لتجنّب الصراخ: عدم الترتيل أو الإنشاد في الكنائس واعتماد التصفيق بدل الصفير أو النداء بصوت عال أو الغناء في المسارح).

لكن الأمور غاية في الوضوح عند الدكتور هيد، الذي قال: “أي تعديل على السياسة يقترح تقليص المسافة إلى متر واحد، بخاصة ضمن الأجواء المغلقة، ينطوي على خطر زيادة انتقال فيروس كوفيد-19”.

مقالات ذات صله