في أفواه الخنازير – عقل العويط

في أفواه الخنازير – عقل العويط

“أريد أنْ أُشتري ربطة خبز”. ظننتُ الرجل الستّينيّ يوجّه كلامه إليَّ، وهو ينظر في اتّجاهي، بثباتٍ وقوّة. لم يكن ملحاحًا في جملته هذه، ولا مستعطفًا، ولا حتّى مستدرًّا شفقةً من أيِّ نوع. قال ذلك، كأنّ القول خرج منه بلا انتباه، أو كمَن كان يفكّر في ركامات أرضه الخراب، محدّثًا نفسه، لا كمَن يخاطبني، أو كمَن يوجّه كلامه إلى أيّ كائنٍ آخر. وقف لحظةً، ملء هزيمته الوجوديّة، ثمّ تابع سيره بثقة، وبلامبالاة. كأنّه لا فكّر في عقله، ولا نطق بكلمة، ولا عبّر عن حال.

شُبِّه لي أنّي أنا كنتُ ذلك الرجل. لقد شُبِّه لي ذلك فحسب. فالحقّ يُقال، لم أكنْ آنذاك في حاجةٍ إلى ربطة خبز، ولا إلى أيِّ غرضٍ من هذا القبيل. محض شبهةٍ ليس إلّا، على رغم أنّي، على العموم، إناء هذه الفجيعة اللبنانيّة – الكونيّة الراهنة، التي ترجّ تَوازُنَ الكائن رجًّا يزلزل النخاع الشوكيّ. أراني أتكلّم أحيانًا، بصوتٍ مسموعٍ، متحدّثًا إلى لا أحد، ولا حتّى إلى ذاتي، على طريقة الماثلين في مرايا عقولهم، أشقّاء أهل الجنوح والحلم الشعريّ، الأشدّ نفاذًا وإيلامًا.

على كلّ حال، لم يكن ثمّة شخصٌ في الشارع لأخاطبه، في ذلك الوقت من الليل، بُعَيد منتصفه تقريبًا، حيث كنتُ أجول في براري العقل الباطن، وأنا في كينونةٍ يُرثى لها من الشعور بالهزيمة الإنسانيّة.

لقد سمّيتُها الهزيمة الإنسانيّة. وهي هزيمةٌ مطلقةٌ حقًّا! أثمّة شيءٌ، يا ترى، يُعتَدّ به، هنا، والآن، خصوصًا، سوى الهشاشة الإنسانيّة، مدعوسةً دعسًا، وممعوسةً معسًا، ومهروسةً هرسًا، تحت عجلات التوحّش الذي لا سابق له؟!

هل قلتُ: التوحّش؟! نعم، يا سيّدي. إنّه التوحّش “الرسميّ”، “القانونيّ”، “الدستوري”، “الشرعيّ”، في ممارسة القتل الدؤوب، يتولّاه أهل الطغيان والحكم والسلطة والدعارة والمال والسلاح والاستغلال والنهب والفساد، وهم يمعنون إمعانًا أبوكاليبتيًّا في ذبح الكائن العاري من كلّ حمايةٍ أو حصانة.

فإذا كان ثمّة مدبِّرٌ لهذا الكون، فلن تُتاح له ربّما لحظةٌ مؤاتيةٌ كهذه اللحظة، وقد لا يُعطى ذريعةً أكثر تماسكًا وموضوعيّةً وإقناعًا من هذا الذريعة المأسويّة الراهنة، ليُعيد النظر في تدابير آلهة الأرض، ولا سيّما منها ما بات يُعرَف بوصمة العار التي يتولّون تعميمها، باعتبارها الإنجاز الأعلى للوحش البشريّ.

فيا لَفداحة العيش، هنا، والآن، تحت سماء لبنان، مرفوعًا كعهرٍ مدوٍّ، كبزنسٍ حقيرٍ، وكأضحيةٍ رخيصةٍ، بخسةٍ، بلا معنى، وبلا جدوى أيضًا، أمام عرش هذا التوحّش!

لقد شُبِّه لي أنّي أنا هو الرجل الستّيني الذي كان “يقاتل” الليل الحزيرانيّ البهيم هذا، وهو يتكلّم بصوتٍ مسموعٍ قائلًا: أريد ربطة خبز.

لكنّي أنا هو حقًّا ذلك الرجل الستّيني. أريد فقط أنْ أعلّم ابني. وأنْ أنام. فلا تدبير من مدبِّرٍ للكون أريد. بل من المدعوسين والممعوسين والمهروسين تحت عجلات التوحّش: فليُخبَز الخبز كلّه معجونًا بـ”سمّ” الجياع والكرامات، وليُدحَش دحشًا في أفواه الخنازير. الخنازير البشريّة حصرًا!

مقالات ذات صله