هذا اللهوُ الهمجيُّ الأسوَد – عقل العويط

هذا اللهوُ الهمجيُّ الأسوَد – عقل العويط

ماذا بعد؟ لا جديد تحت شمس لبنان. إنّه اللهوُ الهمجيُّ الأسوَد، يُحتفَل به، عرضًا مستمرًّا، متواصلًا، متصاعدًا، متأجّجًا، إلى آخر رقصته الهستيريّة (الواعية!). وهي رقصةٌ جحيميّةٌ ماجنةٌ داعرةٌ وعاهرةٌ، تُرقَص بالتزامن والتكافل والتراضي والتساكت، وبتَغَاسُل الأيدي، على جثّة هذه الجمهوريّة المُنتقَم منها، المكروهة، والمحقود عليها، من جنوبها إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها، ومن بقاعها إلى قلبها، ومن جردها إلى بحرها، وبرضا الجميع، وتحت أنظارهم والأسماع: في عقر العاصمة الكبرى، حيث مقارّها الدستوريّة، رمز كرامتها الوطنيّة المسفوكة.
إنّه اللهو الهمجيّ الأسوَد.
اللاهون يلهون بحقارةٍ وبنجاسةٍ وببرودة أعصاب. هذا العرض لن يتوقّف عند حدّ. ستُكسَر الحدود، وستُمتَهن المعايير والطقوس والأعراف، من أجل تمكين اللاهين من مواصلة اللهو، حتّى تُستنزَف نقطةُ الكرامة الأخيرة، وصولًا إلى الموت جوعًا. وبلا ورقة تينٍ للكرامة.
ولن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
فلا تستبشروا خيرًا. ولا تَعِدوا أنفسكم بلجم الأسعار، ولا بوقف صعود الدولار، ولا بمدرسة، ولا بجامعة، ولا براتب، ولا بقسط، ولا بشغل، ولا بوظيفة، ولا بمياومة، ولا بدواء، ولا طبعًا بمازوتٍ وبنزين، ولا بالخبز.
خصوصًا الخبز.
علمًا – لمَن لا يعلم – أنّ بالخبز وحده يحيا الإنسان في هذا الزمان، ما دام أصحاب الكرامات يبحثون عن الرغيف في براميل الزبالة، وعن بقايا اللحم في المقابر، وما دامت الكرامات الوطنيّة ملقاةً جثثًا هامدةً تنهشها الديدان، وتفوح منها “عطور” النذالة والخيانة.
العرض إلى آخره. واللهو الهمجيّ الأسوَد إلى آخره.
لن يتنازل حاكمٌ طاغيةٌ عن كرسيّه. ولا رئيس حكومةٍ عن سراياه. ولا رئيس مجلسٍ عن عرشه الأبديّ. ولا وزيرٌ – ولا وزيرةٌ – سيتنازلان عن وزارةٍ بلا شرف. ولا نوّابٌ سيتنازلون عن نياباتٍ هي عظْمةٌ مجرودةٌ من لحم الدستور والكرامة.
ولا رئيس حزبٍ أو حركةٍ أو تيّارٍ أو ميليشيا أو سلاحٍ أو مذهبٍ أو طائفةٍ أو دينٍ، سيخرّ على ركبتيه طالبًا الاعتراف والمغفرة.
ولا قاضٍ سينتحر احتجاجًا.
لا أحد سينتحر.
لا أحد سينتحر إكرامًا للبنان، وللإنسان الجائع إلى خبزه وكرامته في لبنان.
إعلانات القتل القصديّ لا شبهة فيها. اللهو الهمجيّ الأسوَد إلى آخره. هذا العرض اللاهي، لن تكون ثمّة نهايةٌ لهذا العرض اللاهي. الراقصون يرقصون حول الجثّة. على الجثّة. رقصة الموت سفيهةٌ عاهرةٌ. والخيانة إلى آخرها.
هذا ليس لهوًا هازلًا. إنّه اللهوُ الجدّيّ. حيث الكلُّ جادّون، ولا أحد منهم يلهو هازلًا. لن يتوقّف هذا اللهوُ الجدّيُّ الهمجيُّ الأسوَد. لن يتوقّف الليلة، ولا في الغد. مَن لم يشارك في الرقص، حول الجثّة، على الخشبة، أو حضورًا، يمكنه أنْ ينضمّ إلى الحفلة.
اللهوُ الراقصُ هذا، جِدّيٌّ وهمجيٌّ وأسوَد. أمّا الخيانة – أنا لا أمزح – فمستمرّةٌ إلى آخرها.

مقالات ذات صله