الإبط الأبيض- عبد الله بني عيسى

الإبط الأبيض- عبد الله بني عيسى

قد يظن البعض أن الانشغال بفيديو “الإبط الأبيض” ما غيره، أمر ينم عن تفاهة وسطحية من ينشغل به.

لكني شخصيا أعتقد أن الفيديو ذاته، والانشغال به، أمران مهمان جدا. ويتعين قراءتهما من منظور فلسفي ربما، أو سوسيولوجي جديد، لنفهمهما في سياقهما المنطقي. فالأمران ليسا بعيدين عن التحول الكبير الذي يشهده مجتمعنا منذ 12 عاما، وتحديداً منذ أن بدأت وسائل التواصل الاجتماعي تأخذ مكانها أفقيا وعموديا في مجتمعاتنا.

من وجهة نظري المتواضعة، فإن الشخصية العربية (في المتوسط الحسابي للشخصية العربية)، التي تولد وسط مجموعة من السُلطات، بينها: سُلطة الأسرة، القبيلة، الحي، الدين، التقاليد… الخ. هذه الشخصية، تتعرض إلى مداهمة فكرية ومعرفية غير مسبوقة في التاريخ، يجعلها أمام هذا الكم الكبير من الارتباك.

ما يمكن تسميته بالتفاهات التي تملأ السوشيال ميديا ليس إلا مقدمات لما سنشهده لاحقا، من انفتاح غير مسبوق في التعبير عن الذات التي قمعت طويلا وكثيرا.

الشخصية العربية وجدت متنفسها في السوشيال ميديا للخروج من قمقمها. لذلك فإن التعبير عن الميول والأهواء والرغبات، حتى لوكان بهذه السطحية، ليس إلا مرحلة، أو مساراً إجبارياً في سياق النمو الطبيعي الحضاري للشخصية الإنسانية للعربي والعربية، لكننا تأخرنا كثيرا في بلوغه قياسا ببقية المجتمعات… ومن هنا أراه إيجابيا ولا يستفزني، لأنها البداية ..

لندع الجميع يعبر عن ذاته المعنوية والجسدية بطريقته. ولا يجب أن يخيفنا ذلك، تحت عناوين الحرص على الهوية والتقاليد والدين، لأن أية هوية لا يمكن أن تُخلق أو تترسخ في ظل القمع، بل هي نتاج تراكمات حضارية توافقية نضجت بهدوء وشرطها الرئيس هو الحرية. وأي قيمة أو هوية أو تقليد ما لا يمكن أن يترسخ ما لم يتعرض لمخاض إنساني حقيقي وواسع. وقد رأينا كيف انهارت مجتمعاتنا أخلاقيا وإنسانيا وحضاريا في الساعات الأولى مع غياب السلطة القمعية فيها.

كاتب أردني

مقالات ذات صله