الحكومة العراقية عاجزة عن محاسبة المتهمين وغير قادرة على فرض وجودها

الحكومة العراقية عاجزة عن محاسبة المتهمين وغير قادرة على فرض وجودها

دراسة الهاشمي عن اختلال كبير في ميزان القوة داخل الحشد حولته الى هدف للمليشيات

كتب: محمد ناجي
كان الباحث العراقي البارز في الشأنين الأمني والسياسي، هشام الهاشمي، الذي اغتيل في بغداد يوم الاثنين 6 يوليو (تموز) الحالي، يعتقد أنه غير قابل للمساس، على الرغم من خطورة ما يدلي به من معلومات وآراء تخص جماعات إرهابية وميليشيات تابعة لإيران، عبر وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، لأنه ببساطة يقول الحقيقة التي يعرفها، بصرف النظر عن الجهات التي تنتفع منها أو تتضرر بسببها.

يعرف الهاشمي الكثير عن تنظيمي “القاعدة” و”داعش”، وذاع صيته بصفته خبيراً في سبر أغوار الجماعات المتشددة، ولعب دوراً بارزاً في التعبئة الإعلامية خلال حقبة الحرب على تنظيم داعش بين عامَي 2014 و2018.

منبه إلى المخاطر
عندما انجلى غبار الحرب، تحول الهاشمي إلى شرح تداعياتها وآثارها، لا سيما ما يتعلق بالسلاح البديل، الذي حل محل سلاح “داعش”.

أنجز الهاشمي دراسات وبحوثاً ومقالات وتقارير عدة عن الميليشيات التي ملأت فراغ الأرض في المناطق المحررة من “داعش”، وسلّط الضوء على الخطة التي كان واضحاً أن إيران تعمل على تنفيذها في المناطق السنية من العراق، من خلال نشر مجموعات قتالية موالية لها، تحت ذريعة “منع عودة الإرهاب”.

لكن الدراسة الأخطر التي أنجزها الهاشمي أخيراً، هي تلك التي تصنّف خطوط المجموعات المسلحة داخل كيان “الحشد الشعبي”، حيث قدم معلومات مفصلة عن عدد الفصائل التابعة لإيران داخل هذه المؤسسة العراقية الرسمية، وولاء المسؤولين التنفيذيين داخلها، في مقابل الفصائل الموالية للدولة.

الميزان المختل
وكشفت دراسة الهاشمي عن اختلال كبير في ميزان القوة داخل مؤسسة “الحشد الشعبي”، حيث ظهر أن قرابة 70 في المئة من الفصائل والقيادات، تأتمر بأوامر إيرانية، فيما يسيطر القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الحكومة) على الباقي، وهو في الحقيقة لا يشكل قوةً ضاربة.

ويعتقد مقربون من الهاشمي أن هذه الدراسة حوّلت المغدور إلى هدف للميليشيات الموالية لإيران، على الرغم من صلاته الوثيقة ببعض قياداتها.

وأبلغ باحثون على صلة بالهاشمي، بأن قادة في ميليشيات بارزة، مثل “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب سيد الشهداء”، هددوا الهاشمي صراحة بالقتل، في حال لم يكف عن عرض المعلومات المتعلقة بتركيبة “الحشد الشعبي” الحقيقية.

ووفقاً لمعلومات الهاشمي، التي كشفها لمقربيه، فإن نحو 80 ألف مقاتل في قوات “الحشد”، يتسلمون رواتب شهرية من الحكومة العراقية، لكنهم ينفذون أوامر “الحرس الثوري” الإيراني.

تحت وطأة التهديد
وبعد آخر تهديد تلقاه من قيادي كبير في حركة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، تعهد الهاشمي بالكف عن الكتابة في شؤون الميليشيات، والعودة إلى التركيز على تنظيم “داعش”.

لكن تطوراً أمنياً كبيراً أعاد الهاشمي إلى الحديث في وسائل الإعلام عن هذا الملف، وذلك بعدما قبض جهاز مكافحة الإرهاب على مقاتلين في ميليشيات “كتائب حزب الله”، بحوزتهم منصات لإطلاق الصواريخ، قالت أجهزة الأمن العراقية إنها موجهة لضرب أهداف حساسة.

سجّل الهاشمي بسبب هذه العملية حضوراً قياسياً في وسائل الإعلام، نظراً إلى اجتهاده الكبير في ربط المعلومات من مصادر مختلفة، وتعزيزها بخلفيات وإضاءات خاصة، مصدرها مفكرته المليئة بالتفاصيل.

كان واضحاً أن اجتهاد الهاشمي في إثراء المعلومات حول هذه الواقعة، يلقى استجابة شعبية كبيرة، إذ تبيّن مدى تلهف الجمهور إلى سماع أنباء انتصارات الدولة العراقية على الميليشيات.

ربما، بحسب مَن يعرفه، اعتقد الهاشمي أن سجلّه في التصدي لـ “داعش”، سيجبر الميليشيات على التغاضي عنه، حتى إذا مسّها بقوة، لكن نبأ اغتياله أثبت العكس.

الدولة عاجزة
حتى فجر الثلاثاء 7 يوليو (تموز) الحالي، كانت الميليشيات الموالية لإيران تحاول إلصاق تهمة قتل الهاشمي بـ “داعش”، حتى أنها فبركت منشورات على لسان وكالة “أعماق” المقربة من التنظيم الإرهابي، لكن الموجة الشعبية المضادة لهذه الحملة، أفرغتها من مضمونها.

ويرى مراقبون حالياً، أن جميع الأطراف التي تحقق بجريمة الاغتيال هذه، تعرف الفاعل ويمكنها إثبات التهمة، لكنها عاجزة على ما يبدو.

والسبب، أن الحكومة ليست قادرة على فرض وجودها، بدلالة أن معتقلي “الكتائب” المتهَمين بالتخطيط لقصف أهداف حساسة داخل بغداد، أُفرج عنهم بعد أيام، وخرجوا من سجنهم، ليجدوا صور رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مسجاة على الأرض، كي يدوسوها بأقدامهم، في الطريق إلى منازلهم.

ببساطة، يعتقد كثيرون في بغداد الآن، وبعضهم من ذوي الشأن في السياسة والإعلام، أن الكاظمي عاجز عن محاسبة قتلة الهاشمي. وربما، تحت ضغط الشارع، قد يحمّل مجموعةً مسلحة هامشية مسؤولية عملية الاغتيال، ويقدمها قرباناً وهمياً، لاستعادة ثقة الشارع، التي ترتجف منذ أيام.

مقالات ذات صله