رغم الهجوم على منشأة نطنز النووية فالحرب لا تبدو أولوية إيرانية- العميد أحمد عيسى

رغم الهجوم على منشأة نطنز النووية فالحرب لا تبدو أولوية إيرانية- العميد أحمد عيسى

بلغت الهجمات العسكرية والسيبرانية الإسرائيلية وفقاً لمصادر معلومات غربية، ضد أهداف إيرانية في قلب إيران ذروتها فجر الخميس الموافق 2/7/2020، باستهداف المنشأة النووية نطنز المتخصصة في تخصيب اليورانيوم وفقاً لمصادر معلومات إسرائيلية وغربية، والتي تبعد 250 كيلو متر جنوب العاصمة طهران.

وعلق محلل الشؤون الأمنية والعسكرية في صحيفة يديعوت أحرنوت في مقالة له نشرتها الصحيفة يوم الجمعة الموافق 3/7/2020، قائلاً “في حال وقوف إسرائيل خلف هذه العملية في نطنز، فإن الحديث يدور حول العملية الأهم ضد البرنامج النووي الإيراني منذ سنوات”، وأضاف بن يشاي إستناداً الى تقارير أجنبية، أن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ألحقتا اضراراً بمنشأة نطنز قبل 12 عاما عبر زرع فيروس الكتروني أطلق عليه اسم (ستكينت) في حواسيب المنشأة تسبب بتدمير قسم كبير من أجهزة الطرد المركزي، حيث نُفذ هذا الهجوم بالتعاون بين الوحدة (8200) في شعبة الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) ووكالة التجسس الإلكتروني الأمريكية.

وتجدر الإشارة هنا أن الهجوم على منشاة نطنز قد جاء ضمن سلسة هجمات على منشآت عسكرية وغير عسكرية داخل طهران وخارجها نُفذت قبل وبعد الهجوم على نطنز، إستهدف أولها مصنع خوجير لإنتاج الصواريخ وكان أخرها الهجوم الذي نفذ فجر اليوم الإثنين الموافق 7/7/ 2020 واستهدف مصنع جنوب العاصمة طهران راح ضحيته اثنين من عمال المصنع، وذلك وفقا لمصادر اعلامية إسرائيلية لم يتم تأكيدها من مصادر أخرى، الأمر الذي يشير إلى أن إسرائيل قد حصلت مؤخراُ على ضوء أخضر أمريكي بتوسيع دائرة هجماتها العسكرية ضد إيران لتشمل العمق الإيراني علاوة على الساحتين السورية والعراقية، وذلك تأسيساً على  تقدير إسرائيلي مفاده أن الضغط العالي الذي تمارسه أمريكا يحتاج إلى بعد عسكري، كما ينبؤ بمزيد من الهجمات على اهداف حيوية في العمق الإيراني في الأيام والأسابيع القادمة.

ويذكر في هذا الشأن أن المبعوث الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط الخاص بالملف الإيراني براين هوك قد صرح  في مقابلة حصرية له يوم الثلاثاء الموافق 30/6/2020، مع مراسل القناة 13 الإسرائيلية باراك رافيد أن “الإدارة الأمريكية الحالية ستلجأ للخيار العسكري إذا ما فشلت الخيارات الأخرى في إجبار إيران على وقف برنامجها النووي والصاروخي”.

وكان براين قد أدلى بهذه التصريحات أثناء تواجده في تل أبيب ضمن زيارة له تشمل كل من إسرائيل والسعودية والبحرين والإمارات لتنسيق مواقف هذه الدول حول الخطة (B) التي تعتزم واشنطن تنفيذها إذا ما فشلت الخطة (A) التي تهدف الى إستصدار قرار جديد من مجلس الأمن في أكتوبر القادم يجدد فيه مجلس الأمن حظر بيع الأسلحة لإيران، الأمر الذي ترفضه كل من روسيا والصين وتعارضه ألمانيا التي تترأس مجلس الأمن في الدورة الحالية، وكان من اللآفت مرافقة براين في زيارته لتل أبيب للسيد آفي بيركوفيتش مبعوث الرئيس ترامب الخاص بخطة صفقة القرن الذي حضر لإسرائيل للتفاوض مع كل من رئيس الوزراء نتنياهو، ورئيس الوزراء البديل جانتس بشأن خطة الضم وصفقة القرن، الأمر الذي يجعل من المشروع الإستنتاج أن الضوء الأخضر الأمريكي الذي يسمح لإسرائيل بالعمل في العمق الإيراني جاء مقابل موافقة نتنياهو على الطلب الأمريكي بتأجيل ضم أجزاء من الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية،

تستند هذه المقالة في إستنتاجها هذا إلى قاعدة أمنية إستراتيجية في إسرائيل مفادها أن تقليص الفجوة النوعية بين إسرائيل وأي من الدول المجاورة، لا سيما من قبل القوى الكبرى التقليدية في المنطقة مثل إيران وتركيا ومصر، يُقرأ أتوماتيكياً في إسرائيل كتهديد من الطراز الذي يمس ديمومة وجود الدولة، الأمر الذي يفرض عليها إفتعال كل ما يمكن لتعديل المناخ الجيواستراتيجي لجهة إستعادة احتكار الردع والحفاظ على ديمومة الوجود، كما تجد هذه المقالة دالتها في هذا الإستنتاج في تغريدة الجنرال الإسرائيلي المتقاعد عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الإستخبارات العسكرية (أمان)، والرئيس الحالي لمعهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي (INSS) حيث قال في تغريدته على حسابه الخاص في تويتر يوم الجمعة الموافق 3/7/2020، “على ضوء مصادر أجنبية، من الواضح أن رئيس الوزراء نتنياهو بدء يركز هذا الأسبوع على التهديد الإيراني وليس على موضوعة الضم”.

من جهتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ورغم الحصار المشدد المفروض عليها منذ عقود والذي وصل الى ذروته مع وصول الرئيس ترامب الى سدة الحكم العام 2016، قد قطعت شوطاً طويلاً ليس في تقليص الفجوة النوعية بينها وبين إسرائيل لا سيما في المجال العسكري والتكنولوجي والمعرفي والأخلاقي وحسب، بل في التفوق عليها في بعض الجوانب، الأمر الذي يتجلى من جهة في القمر الصناعي العسكري (أفق 16) الذي أطلقته إسرائيل مساء الأحد الموافق 5/7/2020، ليقابل القمر العسكري (نور1) الذي أطلقته إيران بنجاح مساء يوم الأربعاء الموافق 22/4/2020، ويظهر من جهة أخرى إستماتة إسرائيل لحرمان أو تجريد إيران من كل أو بعض أوراق الردع التي تملكها ضد إسرائيل، خاصة التنظيمات العسكرية المسلحة المحيطة بها من الشمال والجنوب كحزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

ومن جهة أخرى ترى هذه المقالة أن الكشف يوم أمس الموافق 6/7/2020، عن رسالة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران للسيد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس بمثابة رد أولي على هذه الهجمات، إذ يكشف مضمون هذه الرسالة عن تصميم الجمهورية على دعم الحق الفلسطيني في فلسطين مهما كان الثمن المستعدة إيران لبذله في هذا الشأن، الأمر الذي لا يخلُ من دلالة، لا سيما وأن إيران هي الدولة الوحيدة حول العالم التي تدعو علناً الى محو إسرائيل عن الوجود كدولة إستعمار واستكبار، كما ترى هذه المقالة ان اكتفاء إيران بالإعلان أنها تواصل التحقيق بما جرى ينطوي على اتجاهين في الرد، الأول: أنها لن تجر خلف التصعيد الإسرائيلي الأمريكي، وأنها تفضل الإنتظار الى ما بعد الإنتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم، والثاني: في إعلان نتيجة التحقيق، حيث أن توجيه اتهام مباشرلإسرائيل بالمسؤولية عن الهجمات يعني أن هناك رداً ايرانياً قادماً على إسرائيل يشبه الرد الإيراني على قاعدة عين الأسد الأمريكية الذي أعقب إستشهاد اللواء سليماني في أوائل العام الجاري.

وفي كل الحالات فالتصعيد الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران قد دخل مرحلة جديدة، إذ ستشهد الفترة المتبقية من العام الجاري مزيداً من الهجمات السيبرانية والهجمات المضادة بين إسرائيل وإيران، كما ستشهد عمليات عسكرية ضد غزة وربما حزب الله في لبنان، الأمر الذي يعني أن الحرب وإن لم تكن أولوية في المرحلة الحالية إلا أنها لا زالت خياراً متاحاً.

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

مقالات ذات صله