هؤلاء المنتحرون اللبنانيّون الذين يعيشون فينا – عقل العويط

هؤلاء المنتحرون اللبنانيّون الذين يعيشون فينا – عقل العويط

هؤلاء الذين ينتحرون كلّ يومٍ، لكنّهم يواصلون عيشهم بتقشّف البطولة، مَن يعرف ويعترف بوجودهم؟ هؤلاء الذين يرفضون الانتحار المفروض عليهم كلّ يومٍ، مَن يُحصي أعدادهم الغفيرة المتزايدة؟ هؤلاء الذين يولدون كلّ يومٍ في مقابر الانتحار الجماعيّة اللبنانيّة، لكنّهم يتحدّون العيش في المقابر، بكِبَرٍ وعنادٍ وشجاعةٍ وصلابة، مَن يعرف كيف يستيقظون عُراةً من كلّ أملٍ وضوء؟ مَن يعرف كيف يمضون نهاراتهم الثقيلة؟ وكيف يؤوبون إلى أسرّتهم؟ وكيف يُجبَرون في صباح اليوم التالي، على عيش هذا الانتحار، كما لو أنّه هو الحياة اللبنانيّة الموعودة؟

هؤلاء الذين ينتحرون فينا وبيننا، ويتنفّسون هواءنا المريض، ويتحمّلون وحوش نظامنا السياسيّ، ولا أحد يعرف ويعترف بهم، ولا هم يتركون ورقةً تشهد على انتحارهم، هل مَن ينظر في عيونهم المبحلقة في الجريمة السياسيّة؟ هل مَن يسقي نباتات أرواحهم المتشقّقة من فرط العطش إلى الابتسام الهنيّ؟ هل مَن يشفي قلوبهم المطعونة؟ هل مَن يأخذهم إلى أسرّتهم المحلومة في الهزيع الأخير من الليل، لكي لا تستلقي أرواحهم المعذّبة على أسرّة الوجود اللبنانيّ اللئيم؟

هؤلاء الذين ينتحرون حياتهم، في لبنان، على أيدي طغاتهم، وقادتهم، وحكّامهم، ورؤسائهم، وسارقيهم، وقَتَلَتهم، هل يعرف ويعترف بهم هؤلاء القادةُ والحكّام والرؤساء والسارقون والقَتَلَة؟

هؤلاء المنتحرون فينا، هل يعرف ويعترف بهم رئيس الجمهوريّة المقيم سعيدًا في القصر الجمهوريّ في بعبدا، الذي سُمِّي – بلسان ساكنه – ذات يوم، “قصرَ الشعب”؟

هؤلاء المنتحرون فينا، هل يعرف ويعترف بهم السيّد حسن نصرالله، الأمين العام لـ”حزب الله” الذي يريد – يا ليت – أنْ يمحو إسرائيل من الوجود؟ هل يعرف ويعترف بهم الأستاذ نبيه برّي، رئيس مجلس النوّاب ورئيس حركة “أمل” الخضراء؟ هل يعرف ويعترف بهم رئيس الحكومة البروفسور حسّان دياب، الذي لا بدّ من أنْ يكون قد تمكّن بنجاحٍ باهرٍ، في الأسبوعين الأخيرين من حكمه الميمون، من إنجاز الثلاثة في المئة المتبقيّة من عهود بيانه الوزاريّ العقيم؟

هؤلاء المنتحرون فينا، هل يعرف ويعترف بهم سعد الحريري وسمير جعجع ووليد جنبلاط وجبران باسيل، وسائر الملتحقين – ولا استثناء – بقافلة الزعامات السياسيّة والطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة؟

يمكننا – من أجل هؤلاء المسؤولين – أنْ نحصي أعداد المنتحرين فينا، وهم على قيد هذه الحياة اللبنانيّة البائسة. إنّهم على وجه التقريب، أكثر من نصف تعداد “الشعب اللبنانيّ العظيم”، وهم يكادون يتوزّعون بالتساوي وبالتكافل وبالتراضي على كلّ المناطق اللبنانيّة، ولدى كلّ الطوائف والمذاهب، وعند الذين لا مذاهب وطوائف ومناطق ينتمون إليها، إلّا المواطنة، ولبنان.

إنّهم يقيمون عند الحدود مع فلسطين، في الجنوب، في النبطيّة، في صور، في شبعا، في الخيام، في مرجعيون، في حرمون، في صنّين، في المكمل، في وادي قنّوبين، في قاديشا، في البقاع، في زحلة، في بعلبكّ، في الهرمل، في بريتال، في عرسال، في جبل لبنان – كلّ نواحي جبل لبنان -، في الضاحية الجنوبيّة، في الضاحية الشماليّة، في الضاحية الشرقيّة، في العاصمة، على جسر فؤاد شهاب المهجوس بالبيروتَين، عند مصبّات النهر الكبير الجنوبيّ، في طرابلس، في عكّار، في المنية، في جزّين، في الشوف، في عاليه، في المتنين، في كسروان، في بلاد جبيل، في بلاد البترون، في زغرتا الزاوية، في بشرّي وجبّتها، وفي الكورة التي كانت خضراء.
عندما أصدرت زميلتنا الشاعرة جمانة حدّاد، “سيجيء الموت وستكون له عيناك”، وهو موسوعة الشاعرات والشعراء المئة والخمسين المنتحرات والمنتحرين في القرن العشرين (دار النهار، الدار العربيّة للعلوم – ناشرون)، استولى علينا الذهول الأصمّ: هل يُعقَل أنْ ينتحر الشعراء، وهم أساتذة الأمل فينا؟

الآن، في حضرة التشلّق المتواصل لصخور الانتحار في لبنان، أرى إلى شبهائنا ونظرائنا ومرايانا المنتحرين الجدد – وهم شعراء الحياة اللبنانيّة بامتياز – فأسأل هذا السؤال المدوّي ليسمعه طغاتُنا، وليقضّ مضاجعهم، وليزلزل كراسي استبدادهم، وليلعن حياتهم: هل يُعقل أنْ ينتحر كلّ هؤلاء اللبنانيّين المنتحرين قسرًا فينا، وهم على قيد الحياة اللبنانيّة البائسة، ويظلّ هؤلاء الحكّام الطغاة حكّامًا متحكّمين في حياتنا اللبنانية المنحورة؟

مقالات ذات صله