صديقي ناصيف حتّي أخطأ عندما صار وزيرًا – عقل العويط

صديقي ناصيف حتّي أخطأ عندما صار وزيرًا – عقل العويط

كنتُ أتمنّى لكَ أنْ لا تكون وزيرًا في حكومةٍ كهذه الحكومة المشؤومة. مساركَ، رفيقًا على مقعد الدراسة في الفرير طرابلس، ثمّ وظائفكَ السابقة المعروفة، أستاذًا وديبلوماسيًّا، مجلّيًا في الإثنتين، لم تترك على صورتكَ أيَّ مسحة غبار. يمكنني أنْ أسترسل في إيراد الأمثلة التي تدلّ على نجاحكَ، لكنّكَ لا تحتاج إلى أمثلة.
أمّا وقد استقلتَ، فكم كنتُ أتمنّى لكَ لو أنّكَ “فَعَلْتَها” قبل الآن. شخصٌ عارفٌ مثلكَ، ما كان يحتاج إلى خوض تجربةٍ، لم تكن تملك فيها – لا أنتَ ولا مَن يشبهكَ في الحكومة (أو تشبهكَ!) ما يلزم من توازن القوى، لكي تؤمّن استقلاليّتكَ في التصوّر والأداء على السواء.
كانت هذه الحكومة طعنةً في قلب ثورة 17 تشرين. لكنّكَ كنتَ تريد أنْ تخدم بلادكَ. كثيراتٌ وكثرٌ من الخبيرات والخبراء في الشأن العامّ، ومن أهل الاستقلال والكرامة والعقل والتمكّن السياسيّ والإداريّ، كانوا ولا يزالون يريدون أيضًا أنْ يخدموا بلادهم، لكنّهم لم يقبلوا وقوع هذه الوقعة، ولا المخاطرة بأنفسهم من أجل مقعدٍ وزاريّ مطلقًا، فكيف بمقعدٍ وزاريّ في ظلّ معطياتٍ موضوعيّةٍ كالتي كانت ماثلةً أمامكَ!
لقد استفحل الليل الوطنيّ، حيث كنتَ وزيرًا للخارجيّة، استفحالًا قد لا يعثر له المؤرّخون والموثّقون على مثيلٍ ظلاميٍّ، منذ الاستقلال إلى اليوم.
أحقًّا، كنتَ ترى، أنّ حكومةً كهذه الحكومة، تحت الأيدي المتحكّمة، وفي ظلّ التوازنات التي أتت بها، لن تكون خطوةً متهوّرةً ورعناء نحو الهاوية؟!
تتذكّر مقالي في “النهار” (5 كانون الثاني 2020)، “لا أتمنّى لأيّ “آدميّ” أن يكون في الحكومة”، وكنتُ كتبتُه خصّيصًا لأجلكَ ولأجل صديقةٍ صارت وزيرة (شو بعدها عم تعمل بالوزارة؟!)، من دون أنْ أذكركما بالإسم”: “لا أتمنّى لأحد أصدقائي ومعارفي، أو لأحد الذين يتمتّعون بحدٍّ أدنى (وأعلى) من الاختصاص والاستقلاليّة والآدميّة والنزاهة والشفافيّة والصدقيّة والخبرة الإداريّة، أنْ يكون عضوًا في أيّ حكومةٍ تأتي بها قوى السلطة. ولا، خصوصًا، أنْ يكون عضوًا في هذه الحكومة. هذه الحكومة الموعودة، ستكون نسخةً مقنّعةً عن الحكومات الموبوءة السابقة التي تُعجَن وتُخبَز في أفران الطبقة السياسيّة الفاسدة التي قتلت لبنان واللبنانيّين. لا أتمنّى مثل هذا المصير لأيِّ سيّدةٍ وسيّدٍ من “الأوادم”، ومن أساتذة الجامعات الرصينة، ومن أهل الرأي والقلم والفكر والثقافة والعلم والأدب، ومن حماة القانون وحرّاس العدل، ومن القضاة والمحامين والأطباء والمهندسين والمخترعين، الذين ترسّختْ لهم مكاناتٌ مرموقةٌ في ميادينهم، أو ذاعت لهم شهراتٌ نظيفةٌ في معارف اختصاصاتهم وإداراتهم. لماذا؟ لأنّهم سيكونون فرائس مشتهاةً وسهلةً بين أنياب المفترسين، وسيكونون في أيدي الفاسدين وأصحاب الأمر والنهي محض دمًى مثيرة للشفقة، بل أيضًا محض دمًى مثيرةٍ للسخريّة والازدراء…”.
استقالتُكَ المدوّية تعزّيني وتشرّفكَ. صداقتي لكَ دائمة.

مقالات ذات صله