الخرطوم.. انتقادات الدولي بشأن الصحافة – ياسر محجوب الحسين

الخرطوم.. انتقادات الدولي بشأن الصحافة – ياسر محجوب الحسين

 

غالبا ما تكون أوضاع الصحافة في دولة من الدولة تيرمومترا يقيس مدى صحة مزاعم توفر أجواء الحرية والديمقراطية وسيادة حكم القانون، فليست نصوص الدستور والقوانين وحدها كافية للحكم على احترام الحكومات للحريات وحقوق الإنسان.
اليوم في ظل الحكومة الانتقالية في السودان يبدو المشهد الصحفي بئيسا وكئيبا وحاله يغني عن سؤاله، فغدت المؤسسات الصحفية والإعلامية مثل غرائب الإبل التي ينالها الضرب والتنكيل غِلا وكرها، ويبدو أن ما بين الحكومة والصحافة كالذي كان بين الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي ورعيته من أهل الكوفة، حين ألقى عليهم خطبته الشهيرة أول ولايته عليهم قائلا: “أما والله لألحونَّكم لحو العود، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل”.
كل ذلك استدعى الاتحاد الدولي للصحفيين أن يوجه انتقادات عنيفة لحكومة الخرطوم ليس مرة واحدة، بل عدة مرات خلال فترة قصيرة، حتى قبل أن تكمل حكومة الثورة، كما يحلو للمتفائلين تسميتها، عامها الأول، والاتحاد هيئة عالمية تمثل أكثر من 600 ألف صحفي.
فقد انتقد الاتحاد الدولي توقف 21 صحيفة سودانية عن العمل، فتشرد مئات الصحفيين وأصبحوا بدون دخل، وحرم ذلك السودان من الصحف وتنوعها في عهد يوصف بعهد الحرية، ولعله منذ أن صدرت أول صحيفة سودانية في عام 1919م، لم تشهد الصحافة السودانية مثل هذه المأساة، فضلا عن إغلاق قناتين تلفزيونيتين بالقوة الجبرية، فيما باتت عدة وسائل إعلام سودانية تحت سيطرة مشرفين عينتهم الحكومة، وقد اعتبر الاتحاد الدولي للصحفيين أن إغلاق هذه المؤسسات وأمر منسوبيها بالمغادرة واحتلال مكاتبها من قبل قوات الأمن خطوة في سياق كبت حرية الصحافة.
وفي ذات الوقت تعتزم ما يعرف بلجنة إزالة التمكين فصل ما يزيد عن 500 من الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام العمومية، ولأجل عيون هذه اللجنة المسيسة أجرت السلطات تعديلات على قانون اللجنة تنص على حبس كل من ينتقد أداء اللجنة لمدة تصل 10 سنوات، وكان من أوائل ضحايا هذه التعديلات عضو باتحاد الصحفيين السودانيين كان قد انتقد عمل لجنة إزالة التمكين.
وما أثار حفيظة الاتحاد الدولي للصحفيين بشدة حل الحكومة السودانية للاتحاد العام للصحفيين السودانيين أحد أعضاء الاتحاد الدولي، واحتلال قوات الأمن لمقره الرئيسي في الخرطوم، ومصادرة جميع أصوله وتجميد حساباته المصرفية، وقد أكد الاتحاد الدولي أن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين هو الممثل الشرعي للصحفيين في السودان، وأن الاجتماع الأخير لجمعيته العمومية الذي عقد في عام 2014 تم فيه انتخاب قادته وفقا لقواعد ولوائح العمل النقابي وبحضور مراقبين إقليميين ودوليين.
ومما لا شك فيه أن القناعة أضحت متجذرة بأن الهجمة الشرسة على الصحافة السودانية وملاحقة الصحفيين تأتيان في إطار سياسة حكومية، ترمي إلى تكميم الأفواه وكسر شوكة الصحفيين، وإجبارهم على تبني سياسة الحكومة وتجنب توجيه الانتقاد لها.
ولعل الدهشة تكاد تعقد الألسن من موقف وزير الإعلام في حكومة عبد الله حمدوك وهو في الأصل صحفي سوداني، صحيح أنه كان ناقدا بشدة للنظام السابق، لكنه ظل ينشر نقده من خلال الصحف والقنوات الفضائية المحسوبة على النظام، وقد انتقد خطاب من الاتحاد الدولي للصحفيين موجه للوزير ومذيل بتوقيع الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين أنطونيو بلنقر إنكار وزير الإعلام لشرعية الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، مذكرا إياه بأنه كان حتى وقت قريب مشاركا في العديد من الأنشطة التي كان ينظمها الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، مثل ورش العمل والندوات والدورات التدريبية والاجتماعات، وكان أيضا يشارك في إعدادات امتحان السجل الصحفي للصحفيين الجدد التي ينظمها سنويا اتحاد الصحفيين السودانيين الذي يؤيد اليوم حله وتطويق مقره بالقوة العسكرية.
كما رد الاتحاد الدولي على مزاعم الوزير بأن اتحاد الصحفيين السودانيين لم يكن يدافع عن حقوق الصحفيين، ويسكت على الانتهاكات التي كانت تتعرض لها حرية الصحافة والصحفيين، مذكرا إياه أيضا بمساعي رئيس الاتحاد المحلول، والتي كللت بإطلاق سراح الوزير بصفته كاتبا صحفيا في ذلك الوقت من معتقلات جهاز الأمن والمخابرات خلال فترة الحكومة السابقة.
وبلغ الاستياء والغضب من وزير الإعلام السوداني المتواطئ والمؤيد لكل الإجراءات التعسفية ضد الصحافة والصحفيين في السودان، أن أعلن الأمين العام للفيدرالية الأفريقية للصحفيين وقيادات الاتحادات القُطرية الأعضاء في الفيدرالية الأفريقية للصحفيين اعتزامهم مخاطبة مؤسسة غلوبال ميديا فورام لسحب جائزة الشجاعة الصحفية التي نالها وزير الإعلام فيصل محمد صالح في عام 2013 بسبب معارضته لنظام الرئيس السابق عمر البشير، لكنه الآن أصبح سيفا مسلطا على رقاب زملائه الصحفيين.
وغير الاستهداف والتعسف الحكومي ضد الصحافة في السودان تكابد المؤسسات الصحفية وضعا اقتصاديا ضاغطا، فهي أضعف الحلقات في عملية صناعة الصحافة، فإن ماطل المعلن ولم يدفع ما عليه من التزامات للصحف، فإن الصحف ستنشر له رغم ذلك، لأن تكلفة الإنتاج مستمرة سواء نشرت له أو لم تنشر، فتكاليف الصدور اليومي مستمرة ما دامت الصحيفة تصدر، وليس من المنطق الامتناع عن نشر أي إعلان، فالمعلن والشركات واحدة من الحلقات القوية في صناعة الصحافة، يسدد متى شاء وكيفما شاء، وتستطيع المطابع كذلك أن تمنع طباعة أي صحيفة إن تأخرت في دفع ما عليها من التزامات تجاهها، وهي غير معنية بعدم سداد المعلن لالتزاماته تجاه الصحيفة، فما لم تمت من الصحف السودانية بالإجراءات الحكومية ماتت بالاختناق الاقتصادي.
الصحفيون في السودان وحول العالم هم أشبه بمغامرين لا يجرؤون، ولم يجرؤ أسلافهم، على تقدير نهايات مشوارهم المهني، خصوصاً أن اللا استقرار يسمُ حياة كل منهم منذ لحظة نشر مقالته الأولى، أو حمله بطاقة صحفية من مؤسسته.

مقالات ذات صله