سيغتسل بكِ البحر وستختارين الثوبَ والخاتمَ لعريسكِ لبنان – عقل العويط

سيغتسل بكِ البحر وستختارين الثوبَ والخاتمَ لعريسكِ لبنان – عقل العويط

لن أشبّهكِ بشيء.
لن أشبّهكِ بأحد.
لا المدن تشبهكِ. ولا النساء.
فأنتِ لا تشبهين مدينةً مغتصَبةً، ولا امرأةً ثكلى فوق قبرٍ مفتوحٍ. وأنتِ، فوق القبر، لا تشبهين عشيقةً تبحث في ثنايا رحمها عن ماءٍ مشلّعٍ من ينبوع عشيقها المفقود. من الداخل، من الخارج، لا قبر يملك موهبة أنْ يتشبّه بقبركِ، مضرّجًا بذاته وأقداره، وصنوًا لِذاته ولأقداره فحسب.

لا أسماء لكِ بعد الآن. لا أهل. لا عائلة. ولا أقرباء. أسمّيكِ فقط مدينةً سابقةً ومفقودة. وأنفيكِ نفيًا قاطعًا، لأستدلّ عليكِ. بالنفي أعرّفُكِ، وبالنفي ستُعرَّفين، لأنّه برهانُكِ الذي بقي منكِ. أهلُكِ منفى. عائلتُكِ منفى. أقرباؤكِ منفى. أمّا وطنُكِ المستولى عليه، فمنفى المنفى.

لكنّكِ تعرفين، يا أنتِ التي لا أسماء لكِ، والتي لا مدن تشبهكِ، أو توازيكِ.

خَوَنَتُكِ، وقَتَلَتُكِ، تعرفينهم واحدًا واحدًا: بسكاكينهم، بكراسيهم، بفضّتهم، بأحذيتهم، بوجوههم، بأصواتهم، بملامس أيديهم، بسجلّات نفوسهم، بأماكن سكنهم، وبالأسماء.
هؤلاء، خَوَنَتُكِ، وقَتَلَتُكِ، سيهرعون إليكِ، ظنًّا أنّكِ لا تعرفين.

وهؤلاء سيتذكّرونكِ، وسيسمّونك بالإسم، وسيقولون: هذه هي، هذه هي. وسيعترفون بكِ، بعدما باعوكِ، واشتروكِ، وتاجروا بكِ، وعرضوكِ بأبخس الأثمان للقوّادين، وأنكروكِ، وغسلوا أيديهم منكِ.

وهؤلاء سيتفقّدونكِ، لا لإحصاء ما تناثر من لحم الفؤاد، ولا لاستجماع ما تأوّه من الأشجار والبيوت، ولا لتوثيق ما سُرِق من هواء العمر المنشود. هؤلاء سيتفقّدونكِ، ليسيّجوكِ بالأسلاكِ الشائكة، وليمنعوا الوصول إليكِ، لئلّا يمدّكِ عشيقٌ مجهولٌ بأوكسيجينٍ يحيي رئتيكِ المتلاشيتين، ولئلّا يضع شاعرٌ ساهرٌ يدَه على براهينكِ الصحيحة وسجلّاتهم الزائفة.

وهؤلاء – تعرفين وتعرفين – سيكتبون فيكَ قصائد الرثاء الممجوجة، وسيذرفون عليكِ دموعًا من مثل الدموع المخصّصة للرجال التماسيح. وسيعلنون أحوال الطوارئ. وسيكلّفون لجانًا للتحقيق. وستكونين مادّةً دسمةً للصحف والكتب والشاشات. وسيضعون ورودًا على قبركِ المفتوح. وسيتبارى الأنبياء الكَذَبة في توليف التعاويذ والتخرّصات حول موتكِ المدروس هذا، وعمّا جرى لكِ، وعمّا لم يجرِ، وعمّا يُدبَّر في الآتي من الأيّام لكِ.

وقد يتمكّنون الآن من أنْ يرتاحوا قليلًا، ويستعيدوا أنفاسهم، قبل أنْ يعاودوا الكرّة. وقد تأخذهم قيلولة الدم المتخثّر، مثلما قد تأخذهم شبهة دفن الرؤوس في الرمال، والهرب إلى حيث لا وراء لهم، ولا أمام.

وأنبّهكِ أنْ تتذكّري جيّدًا الفرق بين الظاهر والباطن. لن يتوقّف أحدٌ من هؤلاء عند الظاهر، فهو شائعٌ وبيِّنٌ ومعلوم. أمّا الباطن، فلن يسمحوا لهيئات الإغاثة، لفرق الإنقاذ، للمسعفين، لرجال الإطفاء، للجنود المجهولين، للصليب الأحمر، لحبر الكتّاب، ولمدبّجي المواثيق الحكيمة والمحمودة، بأنْ يُكشَف النقابُ عنه في عقلكِ، ولا في جسدكِ الباطن، ولا بأنْ يعثروا عليه، تحت الركام، فوق الركام، في الهواء المسموم، في الدم المراق، في اللبن المسكوب، في أنين الزبد، في الضوء المتهدّل المكسور، على صفحات الكتب، وشرفات النوافذ الممزّقة، ولا في قبركِ المفتوح.

وآنذاك، سيصرخون هاتفين بالخبر اليقين: قبرُها المفتوح مفتوحٌ، لكنّه شاغرٌ، ولا أحد فيه. خزائنُها خلوٌ من براهينها الصحيحة، وليس ثمّة ما يشغل البال ممّا قيل عن سجلّاتٍ زائفة.

واعلمي جيّدًا ما سيأتي: لن أسمّيكِ أرملةً. لن أسمّي بحرَكِ عشيقَ الأرملة القتيلة. لقد كنتِ، حقًّا، زورقَ البحر، عشيقتَه، ومنارتَه. والآن، أنتِ الزورق الذي كان، لكنّه سيكون. وأنتِ هاتيكَ المنارة، لكنّكِ المنارة التي ستظلّ الضوء للزورق والبحر ولبحر التائهين. وأنتِ العشيقة الأرملة التي ستكتشف أنّ عشيقها افتقدها وغطّاها وافتداها، لأنه بحرُها وجبلُها، ولأّنه ترابُها، وقادرٌ في الآن نفسه، وعلى التوالي، أنْ يكون قبرَها ومسيحَها، وموقظَها من موتها.

لن أسمّيكِ الضوءَ الذي تشظّى وتبعثر في الليل، والوهجَ المجمَّر الذي ذاب تحت أنين الذهب وتحت شمس النهار. لن أسمّيكِ مدينةً سابقةً مفقودة، ولا القبرَ المفتوح. سيحقّ لكِ، من الآن فصاعدًا، وبعد طول تجهيل، أنْ تستعيدي أسماءكِ غير المعروفة، وغير المتعارف عليها.

تهيّئِي جيّدًا لما ينتظركِ من أدوارٍ ومهامّ: ستدفنينهم واحدًا واحدًا، بالطريقة التي ترينها مناسِبة. لن أقول رميًا بالرصاص، ولا على أعواد المشانق، ولا فوق كراسي الكهرباء، ولا في الغياهب. سيُترَك الأمر كلُّه لكِ، لأنّه لكِ وحدكِ، يا سيّدةً حرّةً مستقلّة.

أمّا أنتَ، فلن تعطش أيّها البحر. ماؤكَ الغزيرُ السلسبيل، ينبع من اليمّ، وأكثرُهُ يصل إلى شفاهكَ من رحم البرّ. لسانُها الممدود، خشبةُ خلاصكَ من الهلاك. وبيوتُها الغرقى يقينُكَ بأنّكَ ستظلّ تغفو وتحلم وتستيقظ من غفلة النعاس والنوم.

فجرُكَ طيّبٌ سيكون غدًا، أيّها البحر. وأنتَ ستشرب القهوة مستأنسًا لا مستوحشَا. وستغتسل أنتَ بها، وستكون هي معكَ، بكامل أناقتها، وبيوتها، وهوائها، وثيابها، وأحلامها، وحبر كرامتها. وستختار، هي، الثوب والخاتم لعريسها. وهي لن تختار سوى الجبل والبحر. وستكون هي بيروت، عروسًا لعريسها لبنان.

* كتبتُ هذا النصّ، من وحي لوحة بيروت المرفقة، للرسّام الكبير حسن جوني، باعتبارها ولادةً جديدةً للمدينة السابقة المفقودة.

مقالات ذات صله