لن يبقى جرذٌ في وكره البيروتيّ بعد ليل الفحم والدخان – عقل العويط

لن يبقى جرذٌ في وكره البيروتيّ بعد ليل الفحم والدخان – عقل العويط

كانت ظهيرةُ 10 أيلول حالكةً مدلهمّةً، وكان ثمّة شيءٌ يشبه البكاءَ المتفحّم. كما لو أنّ العدم صار أمس هو رائحةَ اللون والصوت، وصار هو الرؤية. لم يعد صديقي كوبر يرى أمامه ولا وراءه. ولم أعد أنا أراني.
أكان ليلًا ما رأيناه في ظهيرة 10 أيلول، أم خللًا في نظام الكون اللبنانيّ، أم في ترتيب الوقت، أم هي تلك الشمس المريضة، وقد أعيتْها مشقّةُ السخام، فآثرتْ أنْ تنسحب، لئلّا يتفجّم قلبها، على غرار حياة بيروتنا المفجَّمة؟!
فحمةٌ هي الحياة. فحمةٌ هي المدينة. وفحمةٌ هي أوكار الجرذان، وأمجادُ الحكّام والطغاة.
في حالٍ كهذه، لا يعود من الجائز اللجوء إلى الرثاء. عندما يستحيل (في الزمن القصير الراهن) طردُ الجرذان والأصنام، عندما يرفض الهواءُ تبديدَ التلوّث في الهواء، عندما يتجمّد كلُّ شيءٍ في موضعه (إلى حين)، ويصير كالتماثيل، كتماثيل الشمع في متاحف الموت والشموع، آنذاك يشقّ على رجلٍ أنْ يبكي علنًا. كما يشقّ عليه أنْ يطأطئ. كمثلِ أنْ يرتاب المرءُ بحواسّه، ارتيابَ العقلِ بحنكة مداركه. بل كمثلِ أنْ يهبَّ قبرٌ مدينيٌّ جماعيٌّ ما، أمام واجهةٍ بحريّةٍ ثكلى، صارخًا: لم أعدْ قادرًا على التحمّل. لم أعدْ قادرًا على التحمّل!
جدارٌ تلو جدارٍ تلو جدار. كم يسهل تعداد اليائسين والموتى. كم يصعب تعداد الذين يطوون لحافَ يأسهم وموتهم، بلباقةٍ مرتجفة، كما تُطوى ثيابٌ في خزانةٍ موقّتة. فاسدٌ هو ملحُ الحكّام والطغاة. هواؤنا فاسدٌ. وفاسدةٌ هي القصورُ وسرّاقُها. مَن لم يمتْ بسرطان السلطة والعهد والحكم وأولياء السلاح والمال والفقهاء، يمتْ بسرطانٍ مماثلٍ، أو بآخرَ مستحدَث.
كنتُ على وشك أنْ أعلن اعتكافي وإحجامي عن ملاحقة الجرذان في أوكارها، وعن طرد الحشرات المضمّخة بليل الدخان والغبار، لكنّي لن أعتكف ولن أُحجم. يدايَ لا تنامان. وعينايَ أيضًا. خيالٌ أرعنُ جامحٌ جانحٌ، يهبّ عليَّ من النخاع الشوكيّ، من الأودية من الجبال، كمثلِ ما لا يستطيع موتٌ مستبدٌّ أنْ يُثنيه، أو يردّه على أعقابه.
سيقول لنا قائلٌ حصيفٌ متسائلًا: مَن يربّي للأهل المغدورين بأولادهم، عسلَ المرارات والخيبات!؟ مَن يفتح ستائر نوافذهم المفقودة! مَن يرشدهم إلى قبورهم الفاغرة!؟ مَن يعيد بيتَ لبنان وبيروته ليكون سقفًا مرمَّمًا للشعر والشعراء؟!
سيكون من المفجع حقًّا تَدارُكُ السؤال بجوابٍ فوريٍّ مفحمٍ. ذلك يشبه دعوةً إلى تسطيح الأرض، أو تحريضًا على نحر الذات بسكاكين الذات. لكنْ، ثمّة مَن يسند جدارًا مخلّعًا في حلكة هذا النهار. ثمّة من يرفع منارةً فوق جثث القتلى، لإرشاد السفن التائهة عن أرصفة الميناء.
وإذا كان ثمّة في المقابل مَن لا يزال يراهن على أنّ كراسي الأحقاد والأموال والصغائر ستلتهم كلَّ بياضٍ محتمل، فهذا الرهانُ كلّه لن يحرف يدًا عادلةً عن تنفيذ الأحكام. فعبثًا يهرب القَتَلةُ من مرايا كوابيسهم. عبثًا يهربون من مصائرهم المكتوبة والمرسومة على جدران الشوارع وفي هتافات الأحرار. وعبثًّا – أكرّر: عبثّا – ينكحون الصخر بحثًا عن طريقٍ للفرار.
في المساء، قد يختلط فحمُ النهار بفحم الليل. وعندما، في الهزيع الأخير، ستسكت الكواكب عن كلّ بصيص، قد لا يبقى في مقدور أيِّ بصاصٍ عبقريٍّ أنْ يعثر على دليلٍ واحدٍ من شأنه أنْ يجد خيطًا أبيضَ، أو يلقي القبض على مهندسي الركام والدخان.
لكنّ البحرّ هذا، سيعود في منتصف أيلول، وفي التشارين، إلى رشده، بعد أنْ ينظّف ماءه بمائه. وسيكون ملحُهُ جديرًا بتطييب جروح النوارس والزبد والموج، مثلما سيكون جديرًا بترشيد تربة الأرض الملعونة. هذا البحرُ المطعونةُ حرمتُهُ، لا بدّ أنْ يطالب بتمديد العطلة إلى أواخر فصل الخريف، من أجل إستكمال أعمال الترميم، قبل أنْ يهجم الشتاء ويضطرّ عمّال المرفأ إلى النوم في العراء. ولن يكون مستغربًا أنْ يختلط مزاجُ البحر بمزاج الثأر الأبيض الجميل. وآنذاك، سيقرع البابَ، بقوّة، مَن لا يُغلَق بابٌ في وجهه، ومَن لا يُرَدّ له صاعٌ، ومَن – خصوصًا – لا تُكسَر له شكيمةٌ، ولا ينحني له ثأر.
وإذا كنتُ لم أرَ في الظهيرةِ المهلكةِ، سماءً للمدينة، ولا أرضَها، ولا البيوتَ، ولا الهواء، ولا الأشجار، ولا الظلال، ولا الناس، ولا ما سيظلّ يتردّد من رغبات العيش والأمل، فلأنّ للرؤية النفّاذة أوانَها الجديرَ المستحَقّ. وهو أوانٌ لا بدّ أنْ يتزامن مع أجراس الثأر الأبيض الجميل. وآنذاك، لن يبقى جرذٌ في وكره، ولا فوق، وإنْ وراء قصور الموت وفحم الدخان والركام!

مقالات ذات صله