مفاوضات الدوحة تتوج أعواماً من النجاح للدبلوماسية القطرية

مفاوضات الدوحة تتوج أعواماً من النجاح للدبلوماسية القطرية

فرصة تاريخية تهديها قطر للشعب الأفغاني لوضع حد لأربعة عقود من الصراع

يتوج انطلاق مفاوضات السلام المباشرة بين الفصائل والحكومة الأفغانية في الدوحة أمس سنوات من الخطوات والجهود المتواصلة والشاقة لدولة قطر، التي توجت بهذا النجاح الذي حققته الدبلوماسية القطرية عبر مسار سلام أفغانستان والجولات السابقة التي أفضت إلى اتفاق الدوحة ٢٩ فبراير الماضي بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية والحاضرة في انطلاق جولات الحوار الأفغاني – الأفغاني. فضلا عما تشكله من مرحلة مهمة ودقيقة للشعب الأفغاني الذي لم يعرف الاستقرار منذ سبعينيات القرن الماضي وعانى من صراعات داخلية استمرت ما يقرب من 40 عاماً، ما يجعل المفاوضات المباشرة بين مختلف أطياف الشعب الأفغاني خطوة جادة ومهمة نحو إحلال السلام المستدام في أفغانستان.

مؤشرات عديدة تؤكد فرص النجاح لهذه المفاوضات، في مقدمتها تحمس الحكومة الأفغانية وحركة طالبان للجلوس على طاولة الحوار، حيث رحبت بها الرئاسة الأفغانية وأبدت حركة طالبان استعدادها للمحادثات مع الحكومة الأفغانية بعدما أرجئت لنحو ٦ أشهر، حيث توفر الدوحة للأفغان هذه الفرصة التاريخية لوضع حد للنزاع الذي دام أكثر من 4 عقود.

2010 بناء الثقة
جلوس حركة طالبان والحكومة الأفغانية وجها لوجه ليس بالأمر السهل بالنظر إلى الصراع التاريخي المحتدم بين الحركة والحكومة. ومن هنا وعلى مدار سنوات طويلة، حاولت الحكومة الأفغانية ومساندوها في الغرب التواصل مع حركة طالبان، ولكنهم لم يجدوا لديهم أي عناوين أو طرق اتصال محددة لقادة طالبان.

ويؤكد تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية أنه في إطار خطوات بناء الثقة، كان من بين أهم أولويات المجلس الأعلى للسلام في أفغانستان توفير الحماية لقياديي حركة طالبان المشاركين في محادثات السلام وكذلك توفير عناوين إقامة دائمة لهم ومن ثم بدأت الاتصالات مع قادة الحركة منذ 2010 وإقناعهم بالمشاركة في عملية السلام. وكان المكان المفضل بالنسبة إلى طالبان قطر، حيث اعتبرتها الحركة موقعا محايدا، وتنظر طالبان إلى قطر باعتبارها ذات علاقات متوازنة مع كافة الأطراف وتحتفظ بمكانة مرموقة في العالم الإسلامي ووافقت الولايات المتحدة من جانبها أيضا على هذا الخيار، حيث رغبت واشنطن في إطلاق سراح الرقيب بيرغدال الأسير في إطار نوع من الاتفاق مع طالبان. أما طالبان فرغبت في إطلاق سراح أعضائها المحتجزين في معسكر الاعتقال الذي تديره الولايات المتحدة في خليج غوانتانامو، وقام الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي بزيارة الدوحة في أبريل 2013 لبحث فتح مكتب تمثيل لحركة طالبان في قطر في إطار مفاوضات السلام بين الحكومة الأفغانية والحركة.

ومنذ بدء الوساطة القطرية رسميا والتي تؤرخ بافتتاح مكتب حركة طالبان الأفغانية في الدوحة منتصف يونيو 2013 وبطلب من الولايات المتحدة الأمريكية سعت جهات لتخريب وعرقلة جهود الوساطة والمفاوضات بافتعال أزمات وتفجيرات كان هدفها إفشال المساعي القطرية التي تواصلت بهدوء حتى اليوم، كما سعت الإمارات علنا إلى نقل مكتب طالبان من الدوحة وهو ما أكدته صحيفة نيويورك تايمز التي كشفت أن المسؤولين الإماراتيين كانوا يريدون أن تفتح طالبان مكتبها في بلادهم بدلا من قطر.

وذكرت الصحيفة أن ثلاثة مسؤولين أمريكيين سابقين أكدوا أن الإمارات أرادت سفارة طالبان على أرضها، منوهة برسالة إلكترونية مسربة من البريد الإلكتروني للسفير الإماراتي لدى واشنطن يوسف العتيبة، حيث كتب العتيبة لمسؤول أمريكي بأنه تلقى مكالمة هاتفية غاضبة من عبدالله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي يتساءل فيها كيف لم يتم إخبارهم بقرار فتح مكتب طالبان في الدوحة؟.

ومع اندلاع الأزمة الخليجية بحصار قطر أعدت الإمارات خطة تهدف إلى إنهاء وجود ممثلين عن حركة طالبان في الدوحة. ووفق مصادر صحيفة “The Wall Street Journal” فإن إدارة ترامب وضعت أمامها خطة الهدف منها إغلاق المكتب السياسي لحركة “طالبان” في قطر، إلا أن هذه المبادرة أدت إلى “اعتراض مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية اعتبروا أن هذا الأمر يمكن أن يضر بالمصالح الأمريكية في أفغانستان.

وذكرت الصحيفة أن عددا من مسؤولي الخارجية الأمريكية المختصين بشؤون جنوب آسيا، أرسلوا في 29 سبتمبر 2017 خطابا إلى ممثلي الإدارة الأمريكية دعوا فيه إلى الامتناع عن إغلاق مكتب طالبان في الدوحة، كما حثوا على تنشيط المفاوضات مع حركة طالبان فيما يتعلق بوقف الحرب في أفغانستان.

وساطة بلا أجندات
منذ انطلاق الوساطة ارتضت الأطراف الأفغانية الجهود القطرية، حيث اعتبرتها الحكومة والحركة وساطة نزيهة بلا أجندات، واكد ذلك سفير أفغانستان لدى الدوحة سعادة السيد عبدالحكيم دليلي، قائلا إن الوساطة القطرية بلا أجندات ولم تسع قطر إلا إلى تأليف قلوب الأفغان وأن وجود مكتب لطالبان في الدوحة فتح الطريق أمام المفاوضات المباشرة والتسوية السياسية مع قيادات الحركة.

اختراق حقيقي
نجحت جهود الوساطة القطرية في تحقيق اختراق حقيقي، بإطلاق سراح السرجنت الأمريكي بو بيرغدال وكانت طالبان اعتقلته في 30 يونيو 2009 إثر اختفائه من قاعدته العسكرية في ولاية باكتيا في جنوب شرق أفغانستان، مقابل إفراج واشنطن عن خمسة أفغان من كبار قيادات الحركة كانوا معتقلين في غوانتانامو ونقلوا إلى الدوحة، ما أكسب هذه الوساطة ثقة سمحت بإطلاق مفاوضات مباشرة بين الحركة وواشنطن منذ 2018.

هدنة ناجحة
رغم استمرار جهود الحوار إلا أن وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في منتصف يونيو 2018، بين الحكومة الأفغانية وطالبان، بمناسبة عيد الفطر، واستمرّ 3 أيام، شكّل أول هدنة ناجحة في تاريخ الحرب في أفغانستان. واقتنعت الأطراف بعدم جدوى الحرب في تحقيق مكاسب لأي طرف، ونجحت عدة لقاءات مباشرة كان منها لقاء في الدوحة جمع ممثلين عن طالبان في يونيو 2018، مع أليس ويلز نائبة وزير الخارجية الأمريكي، خصص لبحث الشأن الأفغاني واعتبرته واشنطن إيجابيا للغاية. وعقد اجتماع آخر في الدوحة أيضا في أكتوبر 2018، بين الحركة ووفد أمريكي برئاسة المبعوث الأمريكي للسلام في أفغانستان، زلماي خليل زاد حيث اتفق الطرفان على إطلاق محادثات سلام بينهما تستضيفها الدوحة.

وشكّل الإفراج عن الملا عبد الغني برادر، في أكتوبر 2018، قبل تعيينه مطلع عام 2019 رئيساً جديداً لمكتب طالبان السياسي في الدوحة، اختراقاً آخر مهما على طريق السلام لتنطلق جولات من الحوار بين طالبان وواشنطن في قطر.

* النجاح الذي حققته قطر بمشاركة ألمانيا، في شهر يوليو 2019، شكل اختراقا جديدا في مسيرة المفاوضات بين طالبان والأطراف الأفغانية، حيث نتج عن الاجتماع ورقة تفاهمات، هيأت الأرضية لمفاوضات السلام في أفغانستان، وأعلنت دولة قطر في 9 يوليو 2019، نجاح المؤتمر الأفغاني للسلام، الذي استضافته الدوحة برعاية قطرية ألمانية مشتركة، مؤكدة التوصل إلى بيان ختامي مشترك كخطوة أولى نحو السلام.

وتعهَّدت حوالي سبعين شخصية أفغانية تمثل كلاً من حركة طالبان والحكومة والمعارضة والمجتمع المدني في بيان صدر في ختام المحادثات بإعداد “خارطة طريق للسلام”.

ومن بين هذه الخطوات التأكيد على حماية كرامة الشعب الأفغاني، والإفراج غير المشروط عن السجناء، وضمان أمن المنشآت العامة، واحترام حقوق النساء.

كما اتَّفق المشاركون على ضرورة ألا تشهد أفغانستان حرباً أخرى، ودعوا إلى تغليب لغة الحوار وتجنُّب الانتقام والتهديدات.

جولات للحوار
* تزامن المؤتمر الأفغاني مع جولات المباحثات بين الولايات المتحدة وطالبان، التي تستضيفها الدوحة منذ 29 يونيو 2018 وعقدت عدة جولات للحوار بين طالبان وواشنطن برئاسة الملا برادر من الحركة وزلماي زاد، وبحضور قيادات من الحركة وأعلن الطرفان عن تقدم ملموس ووضع الجانب الأمريكي ما أسماه خارطة طريق المفاوضات، تتضمن 4 قضايا، هي تقديم ضمانات لمكافحة الإرهاب، وانسحاب القوات الأمريكية، وبدء الحوار المباشر بين الحكومة الأفغانية وطالبان، ووقف شامل لإطلاق النار، وبالفعل تم التوصل إلى مسودة اتفاق بين طالبان وواشنطن بشأن انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان.

* بعد مفاوضات ماراثونية طويلة استمرت سنوات وتعثرت أكثر من مرة، وقعت الولايات المتحدة وحركة طالبان اتفاقا تاريخيا ينظم انسحابا تدريجيا للقوات الأمريكية من أفغانستان ويمهد لمفاوضات مباشرة بين حكومة كابول وطالبان. جرى توقيع الاتفاق، بتاريخ 29 فبراير 2020، وبموجبه، تعهدت واشنطن بأنها ستسحب جنودها تدريجيا من أفغانستان، مقابل ضمانات أمنية من طالبان وآليات تنفيذ تمنع استخدام الأراضي الأفغانية من قبل أي جماعة أو فرد ضد أمن الولايات المتحدة وحلفائها وضمانات وآليات تنفيذ وإعلان جدول زمني لانسحاب جميع القوات الأجنبية من أفغانستان.

وتعهّد الطرفان بعقد محادثات سلام مع حكومة كابول انطلقت أمس في الدوحة والتبي تعتبر استكمالاً للاتفاق التاريخي بين طالبان والولايات المتحدة.

مقالات ذات صله