تشييع الجامعة العربية إلى مثواها الأخير – د. أحمد القديدي

تشييع الجامعة العربية إلى مثواها الأخير – د. أحمد القديدي

كان يوم حزن وبؤس وعزاء يوم 9 سبتمبر الجاري، حين تمخضت جامعة الدول العربية عن “بيان” لقيط في ظاهره المزيف يجمع كلمة العرب وفي باطنه الحقيقي يعلن شتاتهم، ويمزق تطلعاتهم، ويمجد أعداءهم،وفي النهاية يدشن عصر طردهم من التاريخ والإنجاز والتأثير!.
لم يستمع العرب لأصوات الحق والجرأة والسيادة والعزة؛ جاءتهم من دول لا تنافق ولا تفرط في حقوق شعب فلسطين بانخراط مسموم في صفقة العار ولا تخاف في الحق لومة لائم، وأولها صوت دولة قطر القوي الشفاف التي سبق أن دعت منذ 2014 في وثيقة رسمية صادرة عن الخارجية إلى إعادة النظر في ميثاق الجامعة وهيكلة مؤسساتها وصلاحيات أمينها العام وجنسيته التي تتبع دائماً دولة المقر، وقالت الخارجية القطرية أنذاك (ومع أولى محاولات المقاطعة من جيرانها وأشقائها دون سبب أو حجة): إن هذه الجامعة أصبحت إدارة ملحقة بوزارة الخارجية المصرية، قاطعة بذلك مع ميثاق تأسيسها على أيدي عبد الرحمن عزام باشا، وكان آخر من أراد الخروج بها قليلاً من بيت الطاعة المصري مع بدايات الثورة المصرية الربيعية 2011 هو أمينها العام المصري عمرو موسى، فنال جزاءه الأوفى بالطرد منها ومن الحياة السياسية المصرية على أيدي مبارك قبيل خلع مبارك!. كان سبب إقالته الحقيقي هو ما اتخذه هذا الرجل من مواقف معتدلة أتاحت الفرصة للرأي المخالف، وعدلت في توزيع التدخلات واحترمت من خالف مصر مبارك، وأدان تطبيع النظام العسكري المصري مع العدو الإسرائيلي دون مقابل!.
وللتذكير فإن تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، جاء قبل تأسيس منظمة الأمم المتحدة على أيدي ملوك العرب، الذين لم يترددوا في خوض حرب تحرير فلسطين عام 1948، ولكنهم رغم بطولات جيوش مصر والعراق والمملكة السعودية وسوريا والأردن، لم يستطيعوا الصمود أمام قرارات الغرب المنتصر في الحرب العالمية الثانية، حيث كان هاجس بريطانيا وفرنسا الأول ووراءهما الولايات المتحدة هو غرس كيان غير عربي وغير مسلم في الشرق الأوسط، فكانت إسرائيل وليدة قرار الأمم المتحدة (29 نوفمبر 1947)، وبدأت النكبة الفلسطينية بترحيل أربعة ملايين فلسطيني مسلم ومسيحي من أراضيهم، وإحلال أربعة ملايين يهودي جيء بهم بالبواخر من أوروبا وأمريكا والعراق واليمن والمغرب العربي للحلول محل أهل البلاد، واستمرت الجامعة منذ ذلك التاريخ، فتميزت بانعدام الفعل وتضخم القول حتى طبق عليها العرب المقهورون عبارة (الظاهرة الصوتية) وهو عنوان أحد مؤلفات المفكر النجدي عبد الله القصيمي!.
وأصبحت بيانات القمم واجتماعات وزراء الخارجية العرب يتنبأ بها ظرفاء الإعلاميين العرب قبل صدورها، فيحررونها قبل أن يتلوها بصوت جهوري أمينها العام منذ عبد الخالق حسونة إلى أحمد أبوالغيط مرورا بعصمت عبد المجيد، ثم تصدر بالحرف كما توقعها هؤلاء. عجز مقيم أدى بالظاهرة الصوتية إلى أن تتحول اليوم إلى بوق دعاية لبنيامين نتنياهو ومشروعه التوسعي العنصري المدان أممياً ضد إرادة فلسطين والعرب الشرفاء.
واقرأوا معي ما أصدره مجلس العروبة وهو مجمع مسؤولين عرب سابقين وأكاديميين عرب غاضبين من انحراف هذه الجامعة، حيث أعلن وفاة الجامعة قائلا: “على إثر إسقاط مشروع قرار فلسطيني لإدانة التطبيع الأخير يدعو المجلس الشعوب العربية إلى اعتبار الجامعة كيانا ميتا انتهى في العقول والقلوب ولا أمل يرجى من إصلاحه وإحيائه ما دام واقعاً تحت سلطة أنظمة استبدادية فاقدة لقرارها ومنفصلة عن قيم وطموحات شعوبها، وأكد البيان أن الجامعة أصبحت أداة لتمرير سياسات مفروضة من قوى الهيمنة الدولية بهدف تصفية القضية الفلسطينية، وتأبيد التبعية لأنظمة المنطقة ووأد أي نفس تحريري سيادي، ويدعو المجلس قوى الأمة العربية الحية للتأسيس التدريجي لاتحاد الشعوب العربية بديلاً عن جامعة الدول تحت سقف ثوابت مشتركة تتمثل في قيم المواطنة والسيادة والكرامة والتضامن العربي والتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني، ورفض التطبيع والتبعية..” هذا بإيجاز نبض القلوب وطموح الشعوب في لحظة الاختيار والعزة!.
وتحضرني درة من درر كتب التاريخ والتراث العربي قرأتها في الصبا ورسخت في الذاكرة، تقول: إن أعرابيا سأل الفاروق رضي الله عنه عمن إثمه صعب الغفران وزلته تمحو الإيمان، فقال ابن الخطاب “الذي يركع لغير الله”، فانظروا حولكم أصدقائي بين محترفي السياسة في جامعة الدول العربية ومن يحكمهم وأخبروني، هل وجدتم من تنطبق عليه الحكمة العمرية؟.
أقول في الأخير لقد عاش العرب وسادوا وفتحوا الأمصار وانتصروا على إمبراطوريات الفرس والروم، ونقلوا حضارة العلوم إلى الغرب عبر الأندلس ولم تكن لهم جامعة دول عربية، ولم تكن مصر سوى ممالك وريثة الفراعنة حتى جاءها المعز لدين الله الفاطمي فألغى اسم الفسطاط ليسمي مدينتها بالقاهرة المعزية!.
وسيعيش العرب بلا جامعة ساهمت في تشتيت كلمتهم، وتفريق أمتهم باسم شعارات واستعلاءات جوفاء،هزمت العرب في كل الحروب التي خاضوها بشعارات القومية الشعبوية!.

مقالات ذات صله