أمين الريحاني رائد فلسفة التنوير

أمين الريحاني رائد فلسفة التنوير

 

 

تصادف يومَ 13 سبتمبر/ أيلول ذكرى رحيل الأديب والمؤرخ والمفكر أمين الريحاني أحد أعمدة الأدب المهجري في القارتين الأمريكيتين أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

 

تأثر ببيئتين

ولد أمين فارس أنطون يوسف بن المطران باسيل البجاني، وهو اسمه الحقيقي، يوم 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 1876 في بلدة الفريكة بجبل لبنان، من أسرة مارونية، ولُقب بالريحاني لكثرة شجر الريحان المحيط بمنزله. في عام 1888 رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعمره لا يتجاوز 12 سنة. عاش في بيئتين مختلفتين، المشرق وأمريكا، وكان لذلك بالغ الأثر في تكوين شخصيته وإثراء معارفه وصقل رؤاه الأدبية والنقدية. ففي عام 1998، عاد إلى لبنان حيث اشتغل مدرّساً للإنكليزية في مدرسة أكليريكية. وقد كان للشرق أثر بارز في بلورة شخصيته. ففي الشرق تعلم اللغة العربية التي استفاد منها في الكتابة الصحفية في بداية المشوار حيث استخدم جريدة (الإصلاح) منبراً للهجوم على الدولة العثمانية التي كانت آنذاك تحتل بلاد الشام.

وفي عام 1902، رجع إلى نيويورك حيث استهل مشواره الأدبي بكتاب (نبذة عن الثورة الفرنسية) 1902. تلاه كتاب (المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية) 1903، ثم (المكاري والكاهن) 1904.

لم يكتب أمين الريحاني باللغة العربية فحسب، بل أيضا بلغة شكسبير التي كان يتقنها، على منوال ديوان (المر واللبان) عام 1905.

 

سخط رجال الدين

كان للبيئة الجديدة المتمثلة في أمريكا وقع أكبر في بلورة فكره وتوجهه. فالحياة في أمريكا فتحت عينيه على واقع جديد وحقائق مختلفة وغرست في نفسه أسمى معاني المحبة والإنسانية، فتجلى ذلك في كتاباته لا سيما كتاب “الريحانيات”، صفوة مؤلفاته، الذي حمل رؤاه الفلسفية، ومواقفه الإنسانية، ومبادئه الاجتماعية، وآراءه الإصلاحية، وكان له منصة لقصف التعصب والتمييز والطائفية الدينية التي كان يتخبط في أوحالها الشرق. يتجلى ذلك في فصل (مناهج الحياة) حيث يقول: “أليس في وسع المرء أن يعيش في هذا العالم دون أن تُطبع رُوحُه بطابع الملة وتُصبغ بصبغة الطائفة، ألا يقدر أن يكتسب ثقةَ إخوانه البشر دون أن يُعلن تَشَيُّعَهُ ويُفاخر بتعصبه ويكابر بغيرته الدينية مثلًا أو السياسية، ألا يقدر أن يحب فئة من الناس دون أن يبغض سواها…” وسرعان ما أثارت دعوته الإنسانية هذه غضب رجال الدين لا سيما اليسوعيين الذين نظروا إلى أفكاره على أنها انحراف عن الصراط المستقيم وزندقة وإلحاد. من هؤلاء الراهب اليسوعي الكلداني لويس شيخو اليسوعي (1859 – 1927) الذي انتقد الريحاني وجبران وفرح أنطون في مجلة “المشرق” في تموز/يوليو 1923 قائلا عنهم: “وقد تحامل هؤلاء الكتاب على الدين، وبلغوا في تحاملهم على الدين الكفر والزندقة، فهم في هذا الميدان أيضاً كخيل الرهان، يتسابقون فيه، فيرون في الدين وأهله مجموع الآثام، فينسبون إليه قبائحهم وفظائع قلوبهم” ويفجّر شيخو غضبه في أمين الريحاني نفسه حيث يقول: “الريحاني، ‘ذو الرائحة النتنة’، لا يتوقف في كل كتاباته عن نفث سمومه في الدين وممثليه”

 

ثورة على التعصب الديني

إذا تأملنا ما خلّفه لنا الريحاني أدركنا أن خصمه اللدود كان بالأحرى التعصب الديني. إذ نراه في أكثر من موضع يدعو المؤمنين في شتى الديانات إلى التواضع والتساهل والتعايش بعيدا عن دنس الطائفية: “ألا يقدر أن يكون شريف الروح نزيهها عفيف النفس أبيَّها دون أن يحفر على صفحات قلبه أو على جبينه بأحرف كبيرة: «أنا يهودي» أو «أنا مسلم» أو «أنا مسيحي»؟”

ونلمحه في أكثر من مقام يدعو المؤمن إلى المحبة والإحسان إلى الآخر حتى إن لم يكن مؤمنا مثله: “ألا يستطيع أن يرفأ ثوبه دون ن يمزق ثوب جاره، أليس في مُكْنَتِهِ أن يصلي دون أن يسب ويلعن ويتمنى لمن لا يصلي مثله الاصطلاء بنار الأبدية، هل تقوم محبة الله بغير محبة الإنسان، هل يستحق أن يكون في ظل الأبوة الإلهية مَنْ لا يساعد على تعزيز الإخاء البشري في الأرض؟…”

 

ديانات أحادية التفكير

الريحاني يستغرب ظاهرة “أحادية التفكير” في هذه الأديان المتصارعة من حوله، وتعصب المؤمن الذي لا يرى سبيلا غير سبيله للفوز بالثواب، فمن  يتبع غير دينه دينا لا يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين: “هذا يصيح قائلا: طريقي طريق الخلاص. وذاك يصرخ مناديا: إلي إلي إن طريقي سهلة رحبة. شُعب كثيرة وحراس وأدلاء كثيرون. كل يمجد طريقه ويسهلها في وجهنا.”

يذكّرني حديث الريحاني ب(ركن الخطباء) في حديقة (هايد بارك) بلندن حيث يجتمع خطباء، منهم دعاة من مختلف الديانات، يحاول كل منهم إقناع الجماهير بمعتقده. تساءلت يوما في سري وأنا أرى كل داعية يصيح بأنّ طريقه هي الطريق الوحيدة للخلاص: “ماذا لو نزل الآن كائن فضائي لا علم له بهذه المعتقدات، وسمع كل واحد يصرخ مرددا أن لا سبيل إلى عبادة الله والفوز برضاه غير سبيله، فكيف سيكون انطباعه وحكمه؟ وكيف سينظر إلى “بني آدم” المختلفين في عبادة الله، والمتقاتلين باسم الله وفي سبيله؟!

 

جل ما في الديانات خرافات

أمين الريحاني  يعبر عن حيرته من أمر هؤلاء المؤمنين الذين يراهم يتبعون معتقدات بشكل آلي دون سؤال: “وبينما هم في فوضى الكلام وأنا غائص في بحر مضطرب من الأحلام، وصل جمهور من المسافرين، فاتخذ كل منهم طريقا من الطرق العديدة دون سؤال أو تردد”. يُقبِلون على هذه المعتقدات، ويَقبلونها كما هي، ويؤمنون بكل ما تدعو إليه حتى إذا كان مخالفا للعقل والمنطق. أمين الريحاني يتمرد على هذا التقديس الأعمى: “أرى في كل التعاليم والعقائد شيئًا من الحقيقة وكثيرًا من الخرافات، لماذا نشتري إذًا دون انتقاء واختيار؟ أنقبل على أنفسنا أن يغشَّنا الجوهري بحليةٍ ذات طلاء وبهرج، أَمِنَ العدل أن نُتاجر ببرميل تُفاح، نصفه فاسد ونصفه صحيح، ونوهم الناس أن ما سوى التفاح من الثمار سامٌّ قَتَّال؟”

 

حق الإنسان في النقد الديني

الريحاني يعدّ من أتباع حركة التنوير التي انطلقت في أوربا قبل انتشارها في أمريكا الشمالية ودافعت عن العقل والمنهج العلمي والحرية والرقي والتسامح والإخاء، وشككت في الدين. تأثر الريحاني بهذه الفلسفة جلي في كتاباته بما في ذلك التشكيك في الدين: “أرى في كل التعاليم والعقائد شيئًا من الحقيقة وكثيرًا من الخرافات، لماذا نشتري إذًا دون انتقاء واختيار؟ أنقبل على أنفسنا أن يغشَّنا الجوهري بحليةٍ ذات طلاء وبهرج، أَمِنَ العدل أن نُتاجر ببرميل تُفاح، نصفه فاسد ونصفه صحيح، ونوهم الناس أن ما سوى التفاح من الثمار سامٌّ قَتَّال؟ أعطني ما هو صحيح من التفاح والإِجَّاص والدَّرَّاق والرمان وخَلِّ لك الفاسدَ منها، جئني بما هو صحيح من المبادئ فأقبله وأُحافظ عليه ولكن لا تعطني مذق لبن نصفه ماء وأنت تقول هذا من نهر الجنة التي تُدِرُّ لبنًا وعسلًا فاشربه ولا تشرب سواه، لا تسقني سائلًا مصبوغًا وتقل لي هو الخمر، لا تجئني بماء عكر وتقل لي هذا مقدس هذا من نهر الأردن فتبارك وبارك أهلك وأصحابك، وإياك أن تشرب من بئر زمزم أو من نهر القنج فتموت ملعونًا.”

 

التحرر من الأديان

يتأمل الريحاني هؤلاء البشر وهم يتبعون سبلا متنازعة، فيختار الانحراف عنهم ليسير في سبيله، سبيل الحرية والإنسانية والحياة، غير آبه بما كان يلقاه من تكفير وتهديد، إذ يقول: “مَن منهم أتبعُ وأيا منهم أرافق؟ كل منهم عرف طريقه فسار فيها، أما أنا فترددت وسألت وبحثت وقابلت؛ فوجدت أن طريق الحياة الأصلية واسعة منيرة رحبة جميلة وشُعَبها العديدة ضيقة وعرة مخوفة مظلمة. فحدت عنها كلها غير مكترث لتهديد الأدلاء ووعيد الحراس وتنديد المسافرين. وظللت سائرا في الطريق التي أوجدتني بها العناية الربانية منذ البدء، فلا يعترض أحد مسيري ولا أحتاج فيها إلى حارس يحرسني، أو قائد يقودني، أو دليل يدلني.”

هكذا أعلن أمين الريحاني رفضه الانصياع الأعمى لأي مذهب من المذاهب المتعددة المتناحرة المقيدة لعقل الإنسان وحريته: “أي أحسن؟ أن يبقي المرء عقله ونفسه مطلقي الحرية والإرادة أو يقيدهما بقيود الملل والشيع والطوائف، ويشوههما بصبغة التحزب الأعمى؟ أي أحسن؟ أن تبقي هذه النفس ذخيرة لك أو أن تخاطر بها على طريق من الطرق العديدة التي يجب أن تسير فيها صامتًا مطيعًا؟ العاقل لا يخاطر باستقلاله، الحر لا يتاجر بروحه، الحكيم لا يرهن عقله لشيعة ما ولا يتقيد بسلاسل التقليد.”

 

كن نفسك لا سواك

من هذا المنطلق، نرى أمين الريحاني يدعو البشر إلى عالم متحرر من الطائفية والخلفيات التي ما فتئت تفرّق البشر منذ فجر الإنسانية: “لا يا صديقي، ليست هذه النفس قطعةَ أرضٍ أو سلعةً لترهنها أو تَبِيعَها، ليس هذا العقل برميلًا من التفاح تتاجر به. سر في طريق الحياة الأصلية الرحبة، واترك – إن استطعت – الشُعب المتعددة لأدلائها. انزع عنك العلامات الصناعية، ارفع عن رأسك الإعلانات الطائفية، امح عن صفحات قلبك ما خَطَّهُ أجدادُك من كلام الغَيْرَة والتعصب، نظِّف — يا أخي — لوح النفس، نظفه جيدًا، وكن أنت الكاتب عليه لا سواك، انقش عليه هذه الكلمات الجميلة العذبة: الحرية، الحقيقة، المحبة، الاستقلال؛ كن إنسانًا صرفًا، كن للإنسانية على الإطلاق.”

 

رائد الإصلاح الاجتماعي

أمين الريحاني لم يكن شاعرا وروائيا ومترجما وإعلاميا وأحد عمالقة الفكر في عصره فحسب، بل أيضا طبيبا اجتماعيا أفنى عمره في معالجة أمراض الشرق وعقده المتجذرة في الخلفيات الهدامة والتقاليد العمياء والقومية البغيضة والمواقف المتصلبة والأفكار المتعصبة. واليوم، بعد مرور ثمانين سنة على رحيله، يبقى أحد أبرز رجال الإصلاح الاجتماعي في القرن العشرين، وأحد رواد التقارب والتواصل والتفاعل بين الثقافات والحضارات، تجسده كتاباته الداعية إلى التسامح والتعايش مع الآخر، وهو ما يلخصه شعاره الشهير الذي استهل به كتاب “الريحانيات” ورافقه في كتاباته، إلى آخر لحظة في حياته: «قلْ كلمتك وامشِ».

 

مولود بن زادي – بريطانيا

مقالات ذات صله