الامتناع والإمكان في عملية التوحيد – عبدالاله بلقزيز

الامتناع والإمكان في عملية التوحيد – عبدالاله بلقزيز

ربّما كان من باب التّيْئيس والتّشاؤم – ولكن، أيضاً، من باب مجافاة الإمكان التّاريخي – القولُ إنّ فرصة التّوحيد القوميّ ضاعت على العرب، وباتت من مستحيلات السّياسة عندهم. ويستطيع مَن يذهب هذا المذهب في الاعتقاد والقول أن يجد لنفسِه ما لا حصْر له من الأدلّة الفائضة على «ثبوت» فرضيّته هذه و«صحّتها».

ولقد يمكن، في المعرض هذا، أن يتحجّج القائل بالاستحالة بحجج ثلاث، قد تبدو له دامغة لإعدام إمكان التّوحيد العربيّ في المستقبل: أوّلُ الأدلّة مناصبةُ الغرب – والولايات المتّحدة الأميركيّة على وجه الخصوص – العداءَ لحقّ العرب كأمّة في الوحدة. ويمكن التّنفيل والإفاضة، هنا، في البيان بالعودة إلى التّاريخ الحديث، والتّدليل من سوابقه على ذلك العداء؛ منذ تحالف بريطانيا وفرنسا مع غريمهما (السلطنة العثمانيّة) لضرب محاولة توحيد مصر وسوريا، ووقف زحف جيش إبراهيم باشا – ابن محمّد علي باشا – الذي قادها، وصولاً إلى تآمر دول الغرب لإجهاض تجربة الوحدة المصريّة – السّورية الحديثة. أمّا داعي العَداء الغربيّ فخوف القوى الغربيّة من أن ترتدّ الوحدةُ العربيّة على مصالحها الإستراتيجيّة في المنطقة بعظيم الأضرار.

وثانيها وجود دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وفي قلب الوطن العربيّ، كعازلٍ جغرافيّ وبشريّ وكيانيّ بين مغربه الأفريقيّ وشرقه الآسيويّ؛ ناهيك عن تعارُض التّوحيد العربيّ مع مصلحتها في البقاء دولةً قويّةً في المنطقة، بل حتّى في البقاء كدولة، إضافة إلى أنّ رُعاتها من القوى الغربيّة لن يسمحوا بوحدةٍ تعرِّض وجودها لخطر الزّوال، أو حتّى لخطر التّضرُّر منها.

وثالثها رسوخُ الدّولة الوطنيّة القائمة في كلّ بلدٍ عربيّ، وتمسُّكها بسيادتها، واستتباب الشّعور الوطنيّ لدى مواطنيها، ناهيك عن خوف قوى ونُخبٍ فيها عديدة من أيّ وحدةٍ تهدر استقلالها وسيادتها ومصالح الفئات والطّبقات المتمسّكة بها كياناً وطنيّاً نهائيّاً لها.

وليس من شكٍّ في أنّ هذه «الأدلّة» تشير إلى عوائقَ خارجيّةٍ وداخليّة حقيقيّة أمام عمليّة الوحدة، لا سبيل إلى إنكار آثارها الكابحة. بيد أنّ هذه، وعلى هوْلِ ما تستطيعه صدّاً لإرادة الوحدة، ليست مسوِّغاً للقول إنّ باب التّوحيد العربيّ أُغلِقَ من دون رجعة، إلاّ إنْ تَخيَّل قائلُ ذلك أنّ لهذه الوحدة وجهاً واحداً وحيداً، هو ذاك الذي تطلّع إليه العرب منذ «الثّورة العربيّة»، خلال الحرب العالميّة الأولى، حتّى عقودٍ أخيرة كانت فيها فكرةُ الوحدة لا تزال تسكُن وعيَ نُخَبٍ وتخامر نفوسها. أعني بهذا الوجه: الوجه التّوحيديّ الإدماجيّ والاندماجيّ الذي تقوم به دولةٌ واحدةٌ مركزيّة من النّموذج «البوناپارتيّ» و«البسماركيّ». الوحدة التي تكون من هذا النّوع هي، فعلاً، ممتنعة للأسباب الثّلاثة المذكورة، التي يكفي سبب واحد فقط (الثّالث، أي الدّاخلي، مثلاً) ليحُولَ دونها، فكيف بغيره؟! وإلى ذلك، فإنّ فكرة هذه الوحدة، المجسَّدة في دولةٍ قوميّة موحّدة جامعة، تفتقر إلى حاملٍ اجتماعيّ وحاملٍ سياسيّ ينْقلانها إلى حيّز الإمكان التّاريخيّ ويجذِّفان ضدّ تيّار إفشالها من الخارج والدّاخل. هذا، طبعاً، على فرض أنّهما يَقْويان على ذلك.

غير أنّ في الوسع تصوُّرَ شكلٍ آخر من الوحدة لا يخيف قوى الدّاخل المتردّدة، كما قد لا يستفزّ – كثيراً – دول الغرب (أميركا خاصّةً)؛ إنّها القائمة على مبدأ الاتّحاد الإقليميّ من نمط «الاتّحاد الأوروبيّ». وهذه وحدة لا تضع في إستراتيجيّتها مبدأ الاندماج السّياسيّ والقوميّ في كيان واحد. لا تعترض الولايات المتحدة، مثلاً، على اتّحاد بلدان أوروبا في إطارٍ إقليميّ للاندماج الاقتصاديّ والماليّ والوحدة النّقديّة، لكنّها لن تسمح باندماج ألمانيا وفرنسا في دولةٍ واحدة، كما لم تسمح بتكوين جيش أوروبيّ موحّد. وهي قد لا يخيفها اتّحاد إقليميّ بين الصّين وروسيا، لكنّها لن تسمح باندماجهما في كيانٍ واحد.

وهكذا بالنّسبة إلى العرب، إنِ امتلكوا إرادة التّوحيد من طريق بناء إطارٍ اتحادي بينهم.

مقالات ذات صله