حرب أفغانستان الأخيرة.. مصالحة – عبدالعزيز آل إسحاق

حرب أفغانستان الأخيرة.. مصالحة – عبدالعزيز آل إسحاق

التاريخ الأفغاني يكرر: لا الحرب تصنع السلام، ولا الصراع يولد الاستقرار والقوة تقابلها القوة فقط

حان الوقت لاستبدال منهج الفضاءات البديلة في الداخل الأفغاني وتحويل الصراع الاجتماعي لاندماج

في يوليو عام ١٩٩٤ خرج ٥٤ طالباً من طلاب المدارس الدينية في منطقة اسمها سنج سار، وكانوا غاضبين من سيطرة المجموعات المسلحة على المدن وفرض نقاط تفتيش وإتاوات على السكان، فهاجموا نقطة تلو الأخرى لنزع سلاحها وإزالة نقاط التفتيش.

من هؤلاء الـ ٥٤ تشكلت حركة طالبان، حيث بايع الطلاب الملا محمد عمر أميراً لهم، ومنها انطلقوا لعموم مدينة قندهار في أفغانستان وتمكنوا من يوليو ٩٤ إلى مايو ٩٧ أن يفرضوا نفوذهم على أفغانستان ويشكلوا دولة وحكومة اعترفت بهم باكستان والمملكة العربية السعودية والإمارات!.

اليوم تحضر حركة طالبان لتجلس على كرسي المفاوضان نداً لند مع الحكومة الأفغانية التي جاءت بعد حرب طاحنة مدعومة بكل القوى الدولية، وذلك بعد أن جلست بنفس الندية مع الولايات المتحدة الأمريكية للتفاوض بشأن مستقبل الوجود الأمريكي في أفغانستان ومستقبل دور الحركة.

وبعد سنوات من الحرب الأمريكية على أفغانستان بحجة قتال القاعدة وطالبان، وبعد عمليات طويلة في مشارق الأرض ومغاربها، يشاء القدر أن يكون أحد أبرز فريق طالبان في المفاوضات الطالبانية الأمريكية خمسة من معتقلي غوانتانامو وهم: خير الله سعيد والي خيرخوا، وملا محمد فضل، وملا نور الله نوري، وعبد الحق واسق، إلى جانب محمد نبي عمري.

يرسل الفرقاء الأفغان الذين يلتقون في الدوحة اليوم رسالة مفادها أن بلادهم عصية على الاحتلال، وأن الأفغان لا يمكن أن يستسلموا لمعتد، وأن السلاح لا يمكن أن يصنع الاستقرار في بلادهم، وأن منطق القوة لا يمكن الحديث معه إلا بنفس المنطق والمكانة.

هكذا يأتي الأفغان الملاحقين من الجميع، وفي كل مكان، لا بواكي على قتلاهم، ولا مهتم بخسائرهم البشرية والمادية، فالخوف سيطر على العالم من الدفاع عنهم، أو حتى التعاطف معهم، خوفاً من أن يجرح ذلك الكبرياء الأمريكي، يأتون اليوم ولديهم دولة داخل دولة، يسعى القطب الأكبر في العالم الولايات المتحدة في عاصمة الوساطة العالمية الدوحة أن يساهم في إقناعها بأن تلقي السلاح وتتفاوض مع الحكومة الأفغانية بما يضمن لها دورا مهما في مستقبل البلاد ومصيرها.

إن التاريخ يعطينا درساً مهماً اليوم، أنه لا يمكن فرض أي شيء مخالف للدين أو الطبيعة على الشعوب الحرة التي تملك قرارها، حتى لو كان ذلك على ظهر مطية محلية.

في عام ١٩٧٨ حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني، الذي أعلن تطبيق برنامج ماركسي لإصلاح الدولة فاضطهد المؤسسات الدينية فوجد الإزاحة من الأفغان.

وبعد ذلك جاءت الحرب السوفييتية ضد أفغانستان التي خلفت أكثر من ١٠ ملايين ما بين قتيل وجريح ومشرد ولاجئ، ومن ثم جاءت الحرب الأمريكية على أفغانستان التي خلقت ملايين القتلى والجرحى والمشردين وما زالت البلاد تعاني منها، ناهيك عن الحروب الأهلية والقتال بين الفصائل ما بين كل حرب وأخرى.

إن التقاء الفرقاء اليوم في الدوحة لا يعني الوصول لنهاية المطاف، فقد تطول المفاوضات، وقد تشهد انتكاسات حتى بعد الاتفاق على حل، وقد تشهد تدخلاً من تجار أو أمراء حرب لا يريدون للبلاد استقرارا، لكن الأهم أن الجميع اتفق على الجلوس على طاولة المفاوضات، وبحث كل الملفات، وقطر لن تألو جهداً – كما فعلت سابقاً – في أن تصل هذه المفاوضات لاتفاق نهائي شامل، مستقر، فقد أصبحت الدبلوماسية القطرية طويلة البال صعبة المراس حكيمة القرار، وهي لن تقف دون تذليل كل صعوبات الحل لهذا الاتفاق.

لقد عانت الحكومة الأفغانية عبر سنوات ما بعد سقوط طالبان وحليفتها القاعدة من أن صفتها التمثيلية عند أغلبية الشعب كانت شبه منعدمة بالمعايير المتعارف عليها، مما جعل الفضاءات البديلة في المجتمع الاجتماعي حاضنة مستقلة لكل من يريد أن يقف ضدها، وكان من السهل تعبئة أي مجموعة عبر ترسيخ فكرة مقاومة “المحتل الأمريكي” الذي يدعم الحكومة “غير الشرعية” في عقول من يتم ضمهم.

لقد كانت الولايات المتحدة في المجتمعات التي تدعمها في العالم الإسلامي حاضرة بنفس النموذج الخاطئ، وبنفس حجم الرفض الشعبي، ففي نهاية عام ٢٠٠٧ قام مركز بيو للدراسات بدراسة نسبة الأشخاص المتعاطفين مع الولايات المتحدة في الدول التي تكون حكوماتها مقربة من واشنطن فكانت: ١٥٪ في باكستان و٢٠٪ في الأردن و٢١٪ في مصر، وأعيدت الدراسة في عهد أوباما فكانت ١١٪ في باكستان و١٤٪ في الأردن و١٦٪ في مصر.

لقد عانى الأفغان من فكرة استعمارية نشأت بعد عمليات التحرر من الاستعمار، وهي فكرة إشراك المجتمعات في الحرب، حيث لم تعد الحرب بين دولتين بقدر ما هي الحرب بين دولة ومجتمع تتحكم فيه الدولة المعادية بفئة أو أكثر وتحركها لتحارب الأخرى مخلفة الدمار أو الاستغلال الذي تريده الدولة المحركة.

لا بديل لمن يجلسون على طاولة الحوار اليوم إلا الوصول إلى حل، معتمدين على قدرة المجتمع على تحقيق الاندماج، وعلى هذا الدعم القطري الأمريكي، وعلى دفع المجتمع الدولي والجيران لأفغانستان لتكون دولة فاعلة في المجتمع الدولي، لكن الحل لا يأتي دون تقديم تنازلات من كل جناح، اليسار المتطرف الذي تمثله طالبان، واليمين المتطرف أيضا والذي تمثله الحكومة، التنازلات من أجل أفغانستان وشعبها، ومن أجل مستقبل بلا حرب ولا قتلى ولا مصابين.

من الأقوال المأثورة عن الحرب “ليس هناك طريقة مشرفة للقتل، ولا طرق لطيفة للتدمير، ولا يوجد خير في الحروب إلا نهايتها”، وعلى الجالسين على هذه الطاولة أن يؤمنوا بأن نهاية الحرب بالسلام هي البداية الجديدة، لهم ولشعبهم.

مقالات ذات صله