من راتزل مروراً ببلفور وصولاً لترامب.. لا للتطبيع – عبدالعزيز آل إسحاق

من راتزل مروراً ببلفور وصولاً لترامب.. لا للتطبيع – عبدالعزيز آل إسحاق

في الثاني من نوفمبر عام 1917 أرسل سيئ الذكر آرثر جيمس بلفور رسالته الشهيرة إلى اللورد روتشيلد التي قطع فيها وعده وأيدت الحكومة البريطانية بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، حيث منح من خلال وعده السيئ “من لا يملك لمن لا يستحق”، وعاش العالم منذ ذلك اليوم في دوامة بين الدفاع عن حق فلسطيني، وصد محتلين غاصبين.

ومن الوطن الصغير الذي وعد به بلفور إلى حاجة لتوسع بسيط، ومن ثم توسع كبير، ومن ثم السيطرة على أراضٍ عربية والدخول في حروب انتهت بانتصارات وهزائم، حالة من الأفكار التوسعية والعدائية والاحتلال الجديد التي غيرت معالم الجغرافيا السياسية، وغيرت أيضا جغرافيا المنطقة العربية.

الأفكار التوسعية والسيطرة على العالم كانت ولا تزال حلماً للكثير من المصابين بمرض العظمة، أو الذين تأثروا بأفكار من عانوا منها، الألماني فريدريك راتزل مؤسس علم الجغرافيا الحديثة، قال ذات يوم: يوجد على هذا الكوكب مكان كافٍ لدولة عظيمة واحدة فقط، هذا الواقع عاشه الألمان، واعتقدوا بأنهم سيتسيدون العالم، حيث كان راتزل يروج لفكرته: أن الدولة كائن عضوي يكبر وتزيد احتياجاته باستمرار، وأن الحدود هي أشبه بجلد الكائن العضوي، والذي يجب أن يتمدد باستمرار مع نموه، وصنع فكرته بأنه لا حدود منتهية للدول؛ طالما أن حاجتها تستمر وتكبر، ويحق لها أن تلتهم جيرانها الأصغر منها طالما أنها بحاجة لذلك.

من هنا خرج من ألمانيا الكثير من الأشخاص الذين يؤمنون بفكرة القطب الواحد، وحاولوا السيطرة على العالم، لكن راتزل، ومطبق نظريته “هتلر” رحلوا وسقطت العظمة التي كانوا يحلمون بأن تكون واقعاً.

هذه الدولة التي تعتقد بأنها تكبر الآن هي الكيان الصهيوني، التي ابتلعت فلسطين الحبيبة بشكل شبه كامل على مستوى الأراضي، كما قامت بسبب “احتياجاتها” بالسيطرة على هضبة الجولان السورية وهضبة الأردن، وحاولت أيضا بسبب “احتياجاتها” ابتلاع سيناء وجنوب لبنان.

ومن يظن بأن السائر في طريق التطبيع قد يذهب إلى مرحلة يكون فيها شريكاً أو نداً فهو مخطئ، وذلك لأن هناك عوامل كثيرة تمنع الدول العربية المطبعة بدون استثناء من أن تكون في يوم من الأيام نداً للكيان الصهيوني أهمها: المبدأ الذي أسست عليه الدولة الصهيونية – طريقة إدارة الدولة – الدعم الخارجي، وكلها في صالح الكيان الصهيوني.

وفي عصر العولمة فإن الولايات المتحدة تبدو أنها متأثرة بما يفعله كوشنر في إدارتها، حيث جاء بأفكاره الاقتصادية لعالم السياسة، وظن بأن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دور الشركة الأم لبقية دول العالم، وأن دول العالم عليها أن تختار؛ إما أن تكون فروعاً للشركة الأم؛ تأتمر بأمرها وتنفذ ما تقول وما تفرض من سياسات، أو أن تكون شركات منافسة يجب القضاء عليها أو إجبارها على الانضمام للفروع.

ووسط هذا الضغط الهائل من الإدارة الأمريكية على دول عربية كثيرة، فإننا نتشرف في قطر بالموقف القطري باتجاه التطبيع، الذي رفض القيام به دون حل شامل للقضية الفلسطينية وضمان حق العودة للشعب الفلسطيني.

المشكلة الكبيرة اليوم ليست فقط أن الكيان الصهيوني يبحث عن التوسع، والتوسع هنا لم يعد بالحرب، بل إن هناك دولاً عربية تعتقد أنها أصبحت أيضاً دولاً توسعية وقادرة على القيام بأدوار أكبر منها، وبدلاً من أن تكون حصناً ودرعاً للعرب، فإنها تساعد على إضعاف كل الدول العربية المحيطة بفلسطين لتكون فروعاً، أو منافسين يجب سحقهم.

وإذا كانت العولمة كما يعرفها أهلها: بأنها القدرة على التعامل مع العالم على أنه سوق واحدة، فإن عولمة السياسة لا يمكن فيها التعامل مع الدول وكأنها دولة واحدة، فهناك دول حقيقية قائمة، وهناك كيانات ستبقى للأبد كيانات محتلة يجب تحرير الأرض منها لتقوم الدولة الحقيقية التي تحتل أراضيها.

اليوم هذا الحلم بجنون العظمة والسيطرة على العالم يسيطر على الكيان الصهيوني، ومندوبها الجديد في المنطقة العربية “الإمارات”، لكن الإماراتيين الذين يحلمون بالسيطرة على العالم بالتضامن مع الصهاينة لا يعرفون أن كرسي العظمة حسب المؤمنين به، لا يتسع لاثنين.

مقالات ذات صله