بِلا مخّ وبِلا دمّ وطبعًا بِلا ضمير – عقل العويط

بِلا مخّ وبِلا دمّ وطبعًا بِلا ضمير – عقل العويط

لقد نفد الوقت، أو هو على وشك النفاد. بقي يومٌ، يومان، ثلاثة، أسبوعٌ، أسبوعان على الأكثر. بعد ذلك، خلص. ليُحصِ – بعد ذلك – كلّ امرئٍ أصابعه، وعدد خطواته. هذا إذا بقيَ أمامه وقتٌ لترف الإحصاء.

حسنًا فعل رئيس الجمهوريّة، المؤتمَن على مصير شعبه وبلاده، حين قال، ردًّا على سؤالٍ صحافيّ: “رايحين ع جهنّم”. ليته كان أكثر صراحةً فقال: لا لزوم لنذهب إلى أيّ مكان. نحن هنا في جهنّم. فكونوا مطمئنّين.

لم يبق تعليقٌ محتمَلٌ، ولا كاريكاتورٌ، ولا هجاءٌ، ولا تقريعٌ، إلّا تفتّقتْ به عبقريّةُ المتمترسين وراء وسائل التواصل الاجتماعيّ، كردّ فعلٍ على قول الرئيس. كلُّ اجتهادٍ إضافيٍّ – منّي أو من سوايَ – في هذا الباب، سيكون من باب لزوم ما لا يلزم.

حسنًا فعل الرئيس أيضًا حين قال موضحًا، أو ردًّا على سؤالٍ في شأن الحكومة: نحن الذين نؤلّفها لا الرئيس الفرنسيّ.

لا بدّ أنّ الرئيس مطمئنٌّ جدًّا، هو وصحبه وأهل مشورته وعشيرته والحلفاء والأوصياء، إلى أنّ مسألة التأليف هي في أيدٍ “وطنيّةٍ” أمينة. نِعمَ الأيدي الوطنيّة يا فخامة الرئيس. وبئسَ التدخّلُ الفرنسيّ الأجنبيّ الذي – على رغم بصيص الأمل الضئيل الذي قد يكون ينطوي عليه، لا يتورّع عن وصف مبادرة السيّد سعد الحريري في شأن اقتراحه تسمية وزيرٍ شيعيٍّ لشغل حقيبة وزارة المال بأنّها “مبادرة شجاعة”. بِئسَ المبادرةُ الحريريّةُ برمّتها.

يحلو لي أنْ أستعين، مرّةً ثانيةً، لكنْ بدون تعليقٍ أو تأويل، بالمتنبّي القائل:

مَن يهُن يسهل الهوان عليه/ ما لجرحٍ بميتٍ إيلام.

لمَن فاتته استعانتي في مقالٍ سابقٍ بـ”حكمةٍ” أولى للمتنبي، فليأخذْها منّي مجدّدًا ها هنا:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.

السياسيّون في لبنان، وطبقتهم الحاكمة على وجه الأخصّ منعّمون وعائشون في نعيم (أهل جهالة). لم يتركوا بابًا مفتوحًا للخلاص إلّا أغلقوه، ولا بصيص أملٍ إلّا أطفأوه. يمتطون الدستور، وينتهكونه، ويستخدمون منه ما يلائمهم، وعندما تحزّ المحزوزيّة يقولون إنّ الدستور هو العلّة، وتاليًا لا بدّ من تغيير هذا الدستور. كيف؟ بمؤتمرٍ وطنيٍّ حينًا، بالتقسيم حينًا ثانيًا، بالفيديراليّة حينًا ثالثًا، بدائرةٍ انتخابيّة (مدنيّةٍ) واحدةٍ خارج القيد الطائفيّ (ليس إكرامًا للدولة المدنيّة بل للعدد المتغيّر المستجدّ)، وبدل الثنائيّة المثالثة، وبدل توقيعَين ثلاثة تواقيع حينًا رابعًا. وهكذا دواليك. 6 و6 و6 مكرّر. وسوى ذلك من درْكٍ وانحطاطٍ سياسيين.

لقد نفد الوقت. هذا ما لا بدّ أنْ يراه كلُّ متألّمٍ أو كلُّ صاحبِ عقل، إلّا أهل السياسة اللبنانيّة الذين هم فوق الألم، وأعلى من العقل. شغلُهم الشاغل “اغتيال” كلِّ مبادرةٍ لإنقاذ لبنان ومنعه من الزوال. من أجل ماذا؟ من أجل أنْ يواصلوا التربّع على عروشٍ من الجوعى والمرضى واليائسين والتائهين والضحايا والجماجم.

هؤلاء الذين وجوهُهم وقسماتُهم بِلا مشاعر، وبِلا أحاسيس، لم يتركوا عملًا شرّيرًا في ممارسة السياسة والحكم إلّا ارتكبوه. هم اختصاصيّو قتل الدستور والأمل والحياة والفرح والحرّيّة. لقد جعلوا كلَّ ارتكابٍ عملًا دستوريًّا وقانونيًّا مسموحًا به ومقبولًا، حفظًا لهم ولمصالح أهل الطوائف والمذاهب والرعاع وسماسرة نهب الحزينة والمال العامّ والخاصّ، على حساب تعريض البلاد لخطر الزوال، وتجويع الناس، وتهجيرهم، وتيئيسهم، وإشاعة الفوضى، وجعل المصائر الفرديّة والجماعيّة في المهبّ الأرعن المخيف.

لقد نفد وقت الخلاص. وآن وقتُ الزوال والتفكّك والاندثار.

على رغم هذا كلّه، ثمّة في لبنان مَن لا يزال يتعامل مع الوقت بِلا مخّ، وبِلا دمّ، وبِلا ضمير.

مقالات ذات صله