العقل والمدينة المنتجة.. تداخل سيرة المفكر عزيز السيّد جاسم

العقل والمدينة المنتجة.. تداخل سيرة المفكر عزيز السيّد جاسم

 

بقلم: جاسم عاصي
لا‮ ‬يمكن الفصل بين‮ ‬المدينة والفاعل العقلي‮ (‬المبدع ــ المفكر‮) ‬،تماما مثلما استحالة التفريق بين المكان والإنسان،‮ ‬لأن المكان حامل للجينات على شتى صنوفها وتداخلاتها‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تضفي‮ ‬على الشخصية خصائص متفردة‮. ‬من هذا المنطلق سوف تكون مداخلتنا عن المفكر(عزيز السيّد جاسم)معززة‮ ‬بعلاقة المدينة بالنموذج في‮ ‬مجال الوعي‮ ‬وتطور الحقل المعرفي‮ ‬،وخلق النموذج الحامل لعدته التي‮ ‬لا تستسلم سوى‮ ‬للمؤثر العقلي‮ ‬ــ الجيني‮ ‬والمكتسب ــ الذي‮ ‬يرفع من قيمته المعرفية المكتسبة ذاتياً‮ . ‬وخير مثل لنا على هذا علاقة مدينة(أوروك‮) ‬بنماذجها كتاريخ قديم‮. ‬ومدينة(الناصرية‮) ‬كحاضنة منتجة للمعرفة عبر التاريخ بشطريه القديم والحديث‮ ‬،تماثلت معها حد التطابق بمقياس‮ ‬التبادل الجدلي‮ ‬لما‮ ‬ينتجه العقل المفكّر‮.‬
لا شك في‮ ‬؛أن السلطة المركزية في‮ ‬مدينة أُوروك كانت للمعبد‮ ‬،وفي‮ ‬هذا الجمع المقدس ثمة تباين في‮ ‬طبيعة السلطة بين رموز الآلهة سواء في‮ ‬الوظيفة أو التسلط‮. ‬الأمر الذي‮ ‬أحدث تبايناً‮ ‬في‮ ‬معطيات المدينة‮ ‬،‮ ‬متمركزاً‮ ‬في‮ ‬شخصية(جلجامش‮) ‬،‮ ‬التي‮ ‬بارك آلهة المعبد بعض من سلوكه السلبي‮ ‬مثل‮( ‬اخذ الأطفال من أحضان الأمهات والحاقهم في‮ ‬معسكرات التدريب‮ ‬،والدخول إلى منزل العرائس قبل الزوج‮ ‬،‮ ‬والاعتداء على الجيران من المدن‮) . ‬كل هذ رفع مقياس التذمر عند الرعايا،‮ ‬وحدث جراء هذا أن خلقت(أوروروــ أنكيدو‮ )‬بدافع من الإله(شمش‮). ‬إن الامساك هنا بالمخلق الذي‮ ‬صعّد وجوده حدّة الصراع داخل الحاضنة ومكوّنها السياسي‮ ‬والاجتماعي‮. ‬لأن الوافد كما‮ ‬يصفوه،‮ ‬أي‮ ‬الدخيل على مكوّن المدينة‮ ‬غير مقبول‮ . ‬فقد تم وجوده‮ ‬بإرادة وفعل إلهي‮ ‬أيضاً‮. ‬مما أحدث وجوده انعطافه ايجابية في‮ ‬شخصية الملك في‮ ‬التخلص من ممارساته اللاإنسانية‮ ‬والصعود إلى قعل قتل حارس الغابة(خمبابا‮). ‬لذا اجتمعت الأسباب للتحريض والتعبئة لقرار اغتيال‮ (‬أنكيدو‮) ‬حسب رأي‮ ‬الباحث(ناجح المعموري‮ ). ‬
ما نوّد التركيز عليه من هذه المقدمة ؛ إن(السيّد جاسم‮) ‬تماثل في‮ ‬معرفته وسلوكه الاجتماعي‮ ‬والسياسي‮ ‬مع هذا نموذج أنكيدو‮. ‬فهو وافد من مدينة صغيرة باتجاه مدينة أكبر ثم أوسع(بغداد‮) ‬،‮ ‬وكان له دور كبير التأثير في‮ ‬البنية العامّة لمكوّنات المدينة الكبيرة كما سنرى من مسار التحليل والبحث في‮ ‬المسكوت عنه في‮ ‬شخصية السيّد ضمن علاقاته العامّة‮.‬
هنا لا بد من الفحص الدقيق لتشكيلات المدينة‮ ‬،‮ ‬لكي‮ ‬نصل إلى استنتاج‮ ‬يخص العلاقة بينها وبين المثقف‮. ‬ذلك لأن السيّد جاسم امتدت تأثيراته نتيجة فعالياته الفكرية(العقلية‮) ‬إلى خارج المدينة‮ ‬،‮ ‬ومنها العاصمة بغداد‮ ‬،وأصبح له موّقعاً‮ ‬في‮ ‬الثقافة العربية والعالمية‮ ‬،ودليلنا على هذا اصدار بيانات استنكار لاعتقاله واغتياله عالمياً‮ ‬،وتكرار الاحتفاء واستذكاره‮. ‬وهذا بطبيعة الحال أثّر وأغاظ السلطة السياسية‮ . ‬
المكان والتوجهات
ما نعنيه بالمكان ؛المدينة وحصراً‮ (‬مدينة الناصرية‮) ‬،لأنها المكان الذي‮ ‬شهد علاقات متلازمة وناميةومنتجة‮. ‬ولنبدأ بالمقاهي‮ ‬باعتبارها الحاضنة التي‮ ‬يلتقي‮ ‬في‮ ‬رحابها المثقفون‮. ‬فمقهى المفكر(عزران‮) ‬،‮ ‬بالرغم من وجودها في‮ ‬سوق شعبي‮ ‬،إلا أن شخصية صاحبها جاذبة للآخرين‮. ‬لذا فالمثقفون‮ ‬يلتقون دائماً‮ ‬داخلها وتدور بينهم حوارات‮ ‬يُشارك خلالها(عزران‮) ‬بحيوية،‮ ‬هو‮ ‬يُدير المقهى ويُلبي‮ ‬احتياجات الجلّاس،‮ ‬إلا أنه سمعياً‮ ‬ينشّد إلى الحوارات الدائرة‮ .‬لذا‮ ‬يُشارك بطرح الرأي‮ ‬أثناء توفر الفرصة‮. ‬وعزران ليس شخصية عادية‮ ‬،‮ ‬بل مثقف من طراز متميّز‮ ‬،‮ ‬لديه اهتمامات فلسفية‮ ‬،تركزت في‮ ‬مبحث ما دار في‮ ‬حقل فلسفة(افلاطون،‮ ‬سقراط‮) ‬وله كتب مخطوطة لم تر النور‮. ‬وكان السيّد تستهويه هذه الخصية فيرتاد مقهاه مع أقرانه‮ . ‬ثم مقهى‮ (‬التجار‮) ‬،وهي‮ ‬من عنوانها تنتسب إلى تجار المدينة،‮ ‬وهي‮ ‬كذلك‮ ‬،لكنها فتحت مجالها للمربين والمثقفين،‮ ‬فجل أُدباء المدينة من المعلمين والمدرسين‮ ‬،لاسيّما ذوي‮ ‬الميول السياسية‮ ‬يلتقون في‮ ‬رحابها‮ . ‬كذلك مقهيي‮ (‬اللواء والعروبة‮) .‬وقد وصفناهما هكذا لتقاربهما‮ ‬،‮ ‬فهما متقابلتين‮ ‬،‮ ‬ويحتل كل منهما رأس السوق الكبير جهة بناية المحافظة،‮ ‬اللواء سابقاً‮. ‬وكانت تشهد صراعات مستمرة‮ ‬،‮ ‬حيث كانت مقهى العروبة‮ ‬يرتادها القوميون والبعثيون‮ ‬،‮ ‬وقرينتها اللواء‮ ‬يرتادها اليساريون عموماً‮ .‬ولا ننسى مقهى(أبو أحمد‮) ‬صغيرة المساحة‮ ‬،كبيرة بروادها‮ . ‬في‮ ‬هذا المقهى تختلف العلاقة بين صاحبها وروادها،‮ ‬فهي‮ ‬مبنية على الود والمحبة‮. ‬وأبو أحمد‮ ‬يراعي‮ ‬الأدباء ممن‮ ‬يتعذر دفعهم‮ ‬ثمن الشاي‮. ‬ولا‮ ‬يطالبهم به على الأطلاق‮. ‬كان جل المثقفين‮ ‬يلتقون داخله‮ ‬،لاسيّما الوافدين كزائرين إلى المدينة‮ ‬،فيكون لقائهما في‮ ‬مقهى أبو أحمد الشهيرة‮.‬
إن هذه المقاهي‮ ‬وغيرها هي‮ ‬ورش عمل ثقافي،‮ ‬تُنتج داخلها الأفكار وتطور للكتابة والتخطيط للأعمال المسرحية،‮ ‬لأن من بين روادها المسرحيون،‮ ‬كتاب ومخرجين وممثلين‮. ‬توضع‮ ‬اعلانات العروض على جدرانها‮ ‬،كذلك الاعلانات عن الندوات‮ . ‬ومن بين روادها الفنانون التشكيليون‮ .‬كان السيّد جاسم‮ ‬يتواجد مع أقرانه،‮ ‬ويتصدر مجالسهم بالحوار‮ ‬،ما كان‮ ‬يتحلى به من سرعة بديهية وعمق معرفي‮ .‬فهو‮ ‬يحظى‮ ‬باحترام خاص‮ . ‬وعلاقته مع الجميع مهما اختلفت الأجيال‮ ‬يسودها الاحترام والود وقوة التلقي‮ ‬وحساسيته عبر الاصغاء إلى طروحاته الأدبية والفكرية‮ .‬فهو مفكرو شاعر وروائي‮ ‬وناقد من طراز كبير‮ ‬،تعلمنا منه الكثير‮ ‬،لاسيّما طروحاته في‮ ‬مجلة(الآداب‮) ‬اللبنانية‮. ‬ومن خصائص التحلي‮ ‬بخاصية ارتجال الخُطب في‮ ‬المحافل‮ ‬العامّة‮ ‬،حتى لُقِبَ‮ ‬بـ(ميرابو)الثورة‮.‬
العلاقات الثقافية
لا شك إن العلاقات لتي‮ ‬كان‮ ‬يُقيمها السيّد جاسم مع أقرانه وعلى تباين الأجيال‮ ‬،‮ ‬كان مبرره كامن في‮ ‬انتمائه اليساري‮ .‬فهو سياسي‮ ‬مثقف‮ ‬،‮ ‬ومفكر جدلي‮ ‬،‮ ‬يبحث عن الأكثر صلاحاً‮ ‬للواقع‮ .‬فتحولاته نابعة من قدرته على الإحاطة بالمعرفة التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى جدل الحركة العقلية‮ ‬،‮ ‬ووضع كل معرفته المكتسبة ضمن ميزان خلق التوازن الفكري‮ . ‬وهذا بطبيعة الحال أدى إلى احداث نقلات نوعية عبر أزمنة‮ ‬غير قصيرة‮. ‬فعنده البقاء للأصلح‮. ‬فبنيته الفسلجية تنحو إلى الفحص الدائم للمكتسب ومداورته وفق قانون الوجود والديالكتيك‮ ‬الذي‮ ‬يشكل ناظماً‮ ‬له‮. ‬لذا فعلاقته مع المثقفين تحتكم إلى قانون الحوار الدائم والحيوي؛ الأخذ والعطاء‮ ‬،قبول الصالج ورفض الطالح‮. ‬ربما هذا السلوك العقلي‮ ‬البحت من أوقعه في‮ ‬اشكالية الفهم عند الآخرين والسلطة السياسية حصراً‮ . ‬
لكننا نحتكم إلى قانون التقارب الذي‮ ‬ارتبط بالمدينة كمكان منتج للمعرفة منذ القِدم‮. ‬ولتكن سياحتنا لرصد العلاقة بالآخر من باب تبادل المعرفة‮ ‬،‮ ‬وتحريك ما ركد جرّاء مسيرة الوجود‮. ‬فعلاقته بشخصية(رزاق النجار‮)‬،يعرفها الجميع‮ . ‬فهي‮ ‬علاقة تواد واحترام‮ ‬،نستطيع أن نصنفها ضمن حقل العلاقة الصوفية‮. ‬توأمان عرفهما مجتمع المثقفين‮ .‬وعرفوا أيضاً‮ ‬؛أن السيّد جاسم لا‮ ‬يقصد عند زيارته للمدينة إلا صاحبه الروحي‮ ‬أولاً‮ .‬تستقبلهما المكتبات والمقاهي‮ ‬،‮ ‬يتصفحون الجديد من الاصدارات‮ ‬،‮ ‬والدوريات من الصحف والمجلات العراقية والعربية, وتحتويهما المقاهي‮ ‬عبر تعليقاتهما الثقافية وطروحاتهما السياسية‮ . ‬السؤال ماذا أحدث عمقهما المعرفي‮..‬؟ وهل كان هذا من أسباب ما وصلا إليه من مصير؟ الاجابة‮ : ‬بنعم‮ . ‬ففي‮ ‬نعم ؛كان الواقع السياسي‮ ‬حصراً‮ ‬غير قادر على استيعاب طروحات المثقف الجدلي‮ . ‬ماذا حصل بعد تعاقب السنين والأحداث،‮ ‬أن اتخذ‮ (‬رزاق النجار‮) ‬قراره بعدم الركود في‮ ‬بقعة واحدة‮ ‬،‮ ‬ملتحقاً‮ ‬بالمقاومة الفلسطينية حد الاستشهاد على أرض لبنان‮.‬
كذلك العلاقة المبنية على أُسس أُسرية مع بيت(آل عمران‮) ‬،وهي‮ ‬علاقة مبنية على الود والوفاء‮. ‬فالسيّد أقام الصلة مع أفراد أُسرة عاقروا الثقافة عبر اختصاصات مختلفة كالمسرح والتشكيل والكتابة السياسية‮ .‬فعبر المخرج والممثل والشاعر(عزيز عبد الصاحب‮) ‬كان مثقفو المدينة‮ ‬يراقبون هذه العلاقة‮ ‬،ويعتزون بها كثيراً‮. ‬،فشخصية‮ (‬عبد الصاحب‮) ‬دالة على جهد‮ ‬غير طبيعي‮ ‬في‮ ‬صقل الخاصية الذاتية،‮ ‬فهو مجدد في‮ ‬مجال الاخراج المسرحي‮ ‬،‮ ‬وممثل بارع على المسرح‮ ‬،‮ ‬وشاعر مارس مبكراً‮ ‬كتابة قصيدة النثر‮ .‬والسيّد جاسم تستهويه مثل هذه الشخصيات‮ ‬،‮ ‬لا لشيء‮ ‬،‮ ‬سوى كوّنها مكملة لوجوده المعرفي‮. ‬شهدت الأجيال تلك العلاقة‮ ‬،وباركوها عبر تطلعهم إلى‮ ‬تطورها‮ .‬هذه العلاقة إلى ماذا انسحبت من مصير؟ فعزيز استقبلته رهافة الصوفية المتألقة‮ ‬،‮ ‬والتجرد من بهرجة الحياة‮ . ‬وحين رحل خلّف نموذجاً‮ ‬يحمل قيّمه الخاصة وهل النجل(سعد عزيز عبد الصاحب‮)‬،‮ ‬فناناً‮ ‬مجتهداً‮ ‬،‮ ‬ومثقفاً‮ ‬جريئاً‮ ‬في‮ ‬طروحاته‮ . ‬وبقي‮ ‬عبد الصاحب علامة فارقة في‮ ‬تاريخ المدينة المعطاء مثل زميله السيّد جاسم‮.‬
وتأتي‮ ‬العلاقة مع‮ (‬ورشة‮) ‬المثقف‮ (‬عبد الرزاق رشيد الناصري‮) ‬،‮ ‬وهي‮ ‬بقالية مزدوجة الوظيفة‮ ‬،‮ ‬حيث تحتوي‮ ‬زوايا الدكان على المصادر من الكتب‮ ‬،‮ ‬وكثيراً‮ ‬ما كنا تجد المثقفين‮ ‬يقفون أمام الدكان وهم‮ ‬يحملون دزينة الكتب‮ ‬،يتحاورون‮ ‬عن بُعد‮ ‬،وبعض منهم‮ ‬يجلس داخل البقالية‮ . ‬والسيّد‮ ‬يقف بقامته الممتلئة‮ ‬،‮ ‬ورشاقته الدائمة‮ ‬،‮ ‬كأنه استنبت على الأرض بقوة‮ . ‬مرة تجده بقيافته الاعتيادية كمعلم،‮ ‬وفي‮ ‬أُخرى‮ ‬يرتدي‮ (‬الدشدائة مع السترة‮ ) ‬وبين‮ ‬يديه كتاب ضخم كأن‮ ‬يكون جزء من رأس المال‮ ‬،‮ ‬أو كتاب في‮ ‬الفلسفة‮. ‬وقد أربك رجال الأمن‮ ‬يومهاً‮ ‬بما‮ ‬يحمله من مثل هذه الكُتب‮ ‬،‮ ‬فضنوا أنهم أمسكوه بالجرم المعهود‮ .‬وحين اقتيد إلى دائرة الأمن اكتشف المدير أنه قاموس اللغة الانكليزية للبعلبكي‮ . ‬وقد نشر هذه الطرفة في‮ ‬مجلة الآداب اللبنانية في‮ ‬ستينيات القرن المنصرم‮. ‬ورشة الناصري‮ ‬تستقبل الزوار من المثقفين مثل(عبدالرحمن طهمازي،‮ ‬الفنان قتيبة الشاعر شريف‮ ‬،‮ ‬جمعة اللامي‮) ‬وغيرهم‮ . ‬
ومع القاص والروائي‮(‬عبد الرحمن مجيد الربيعي‮) ‬،‮ ‬شهدت الأجيال الثقافية تلك العلاقة‮ ‬،‮ ‬فقد بارك السيّد ناقداً‮ ‬مجموعته البكر والجريئة في‮ ‬التجريب‮( ‬السيف والسفينة‮) ‬،كذلك روايته‮( ‬الوشم‮) ‬،‮ ‬وكانت علاقاتهما قد امتدت إلى بغداد حيث أقاما‮ ‬،‮ ‬وعملا في‮ ‬الوظائف الثقافية كوزارة الثقافة لعبد الرحمن،‮ ‬ومجلة وعي‮ ‬العمال بالنسبة للسيّد‮ .‬
أما علاقته مع الكاتب والمخرج والممثل المسرحي‮ (‬مهدي‮ ‬السماوي‮) ‬فكان اللقاء معه‮ ‬يعتبر معجزة كان‮ ‬يتمناها السماوي،‮ ‬كما وصفها‮ ‬نفسه،‮ ‬بعد أن شجعته على تحقيق هذا اللقاء‮ . ‬حدثني‮ ‬عن اللقاء قائلاً‮ : ‬السيّد‮ ‬يعرف عن أعمالي‮ ‬أكثر مني‮ ! ‬أخذني‮ ‬بحديثه طيلة الساعات سياحة في‮ ‬المسرح الروماني‮ ‬وما كان‮ ‬يحفل به المشهد العراقي‮ ‬والعربي‮ ‬والعالمي‮ ‬من مدارس للفن المسرحي‮ ‬،‮ ‬مدارس‮ ‬ومؤلفات وإخراج‮ . ‬أسهب في‮ ‬طرح رأيه بمدرسة(بريخت‮) ‬واجتهادات‮ (‬عوني‮ ‬كرومي‮ ‬وصلاح القصب‮ )‬،‮ ‬بعد أن عرّج على‮( ‬يوسف العاني‮ ‬،‮ ‬خليل شوقي،‮ ‬ناهدة الرماح‮) ‬وغيرهم‮. ‬هكذا كان السيّد موسوعياً‮ ‬في‮ ‬ضروب الثقافة والمعرفة‮. ‬المعرفة التي‮ ‬تأكل صاحبها في‮ ‬العراق وترديه قتيلا‮ .‬
انتبه الروائي‮(‬جمعة اللامي‮)‬إلى هذه العلاقات‮ ‬،‮ ‬فعالجها في‮ ‬روايته(الثلاثية الأُولى‮). ‬وكان المناضل والمثقف العضوي‮(‬خالد الأمين)من بين الشخصيات في‮ ‬الرواية‮. ‬كذلك عزيز الموسوي‮ ‬وكريم البقال‮ .‬كانت علاقة السيّد مع الأمين مبنية عل احترام وجهات النظر لحداثة السياسي‮ ‬والمثقف الفتي‮. ‬كان‮ ‬يتميّز بصغر سنه وكبر معارفه‮ . ‬فهو سياسي‮ ‬من طراز خاص،‮ ‬وتنظيمي‮ ‬بارع‮ ‬يدير خلايا التنظيم الشيوعي‮ ‬في‮ ‬الناصرية بجدارة تنظيمية،‮ ‬مثقف وشاعر‮ . ‬انتهى به المطاف في‮ ‬قصر النهاية سيء الصيت،‮ ‬وحسبما ذكر الراحل‮ (‬كريم القصاب‮) ‬وقد شاهده صدفة أثناء‮ ‬خروجهم إلى تواليت المعتقل قائلاً‮ : ‬كان خالد‮ ‬يسير على أطراف أصابعه‮ ‬،‮ ‬لأن جلاوزة ناظم كَزار أحرقوا ساقيه بالقطن المغمس بالكحول‮. ‬مات معانياً‮ ‬من ألمه بعد بترت ساقيه بسبب مرض الغنفرينا‮ .‬ابتدأت علاقة السيّد به أثناء وقوفه أمام بقالية الناصري‮ ‬،‮ ‬فأعجب بثقافته‮ ‬وخاصيته السياسية القوية‮. ‬كذلك علاقته مع الروائي‮ ‬والقاص والشاعر والمترجم‮ (‬أحمد الباقري‮ ‬وقيس لفته مراد‮) .‬هذه العلاقات المتشعبة في‮ ‬اختصاصات مبدعيها‮ ‬،وفّرت للسيّد فرصة إقامة حوار مباشر وغير مباشر‮. ‬بمعنى رسخت من تجربته في‮ ‬واقع وتاريخ المدينة‮ . ‬لأن العدة المعرفية والثقافية لشخصه تميّزت بالسعة والتنوّع وشجاعة الموقف‮. ‬وقد وضّحنا ذلك في‮ ‬كتابنا(لكي‮ ‬لا تنكسر مساحة البياض‮) ‬المكرس لتاريخ نماذج مدينة الناصرية‮. ‬أما علاقته بطاهر النداف‮ ‬،الشخص البسيط مهنياً‮ ‬واجتماعياً‮ ‬،‮ ‬لكن السيّد كان‮ ‬يهتم به ويتخذ من واجهة دكانه ملتقى للمثقفين‮ .‬ثم زياراته للمكتبة المركزية في‮ ‬المدينة‮ ‬،واللقاء بأمينها القاص والمثقف(صبري‮ ‬حامد‮) . ‬الكل كان‮ ‬يتطلع إلى وجود السيّد بينهم ومنهم(صالح البدري‮ ‬،كاظم الخالدي‮ ‬،‮ ‬أحمد الجاسم‮ ‬،‮ ‬حيدر عبد الحسين الجاسم،‮ ‬رملة الجاسم،‮ ‬قاسم دراج‮ ‬،‮ ‬حسين السلمان‮ ‬،‮ ‬كاظم جهاد‮ )‬والقائمة تطول‮.‬
المكتبات الأمكنة المستقبِلة
بضع مكتبات لتسويق الصحف والكتب والدوريات،‮ ‬لكنها واجهات مهمة للمشهد الثقافي‮ ‬للمدينة هي‮ (‬مكتبة الأهالي‮ ‬لجبر‮ ‬غفوري‮ / ‬مكتبة طاهر‮ ‬غفوري‮/ ‬مكتبة الوعي‮ ‬الوطني‮). ‬فالأُولى تغير مكانها‮ ‬،‮ ‬بعد أن كان موقعها خلف مقهى اللواء‮ ‬،وصاحبها عضو في‮ ‬الحزب الوطني‮ ‬الديمقراطي،‮ ‬وله علاقة بأمينه(كامل الجادرجي‮) ‬،‮ ‬كان‮ ‬يتكفل بتوزيع جريدة الحزب الأهالي‮). ‬أما الثانية فقد حفلت بشتى المطبوعات والدوريات والصحف المحلية والعربية‮. ‬والثالثة واضح انحيازها لليسار العراقي‮ ‬،خاصة في‮ ‬شخصية‮ (‬كاظم شناوة‮) ‬المناضل من بين عائلة مناضلة‮. ‬كل هذه الشخصيات والمراكز الثقافية التي‮ ‬يرتادها السيّد جاسم باستمرار كانت شاهدة على علاقة المثقفين مع بعض‮ ‬،‮ ‬وعلاقة السيّد بها وبهم من خلالها‮.‬،‮ ‬فأنت تراه‮ ‬يخرج من هذه المكتبة أو تلك محمّل برزم الكتب‮ ‬،‮ ‬هو ورزاق النجار‮ ‬،أو كاظم عجمي‮ ‬الصديق المقرّب للسيّد‮ ‬،‮ ‬بثقافته الموسوعية‮ ‬،‮ ‬والفلسفية‮ .‬كان شخصية متميّزة من بين جيله والأجيال الأُخرى اللاحقة‮. ‬كانت تجمعهما جلسات طويلة في‮ ‬أزمنتها ومادتها المطروحة للنقاش كما شهد على ذلك عدد من الذين حضروا مجلسهم‮.‬
خاصية العلاقة والتأثير‮: ‬كل ما أملته علينا الذاكرة الفردية‮ ‬،والتي‮ ‬اتكأت على ذاكرة جمعية‮ ‬،‮ ‬وضعت شيء من مشهد وسيرة واسعة بالتأكيد،‮ ‬وغفلت عن‮ ‬غيره‮. ‬وهذه خاصية ملازمة لكل من‮ ‬يروم تسجيل تاريخ المدن والشخصيات الاستثنائية عبر التاريخ‮. ‬ونحن إنما سجّلنا انطباعات مزيج بالتاريخ‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬شيّده المفكر(عزيز السيّد جاسم‮) ‬بجهده وطيبته وسعة قلبه وملكته العقلية‮ ‬،حيث استفاد من علاقاته لتطوير ذاته المستندة إلى ؛أن لا شيء حقيقي‮ ‬دون الحوار والمكاشفة‮. ‬فقد فاض على الآخرين بفيض احساسه الوطني‮ ‬وحساسية انتمائه إلى مدينة جنوبية مسوّرة بالماء‮ .‬إنها مدينة عائمة على‮ ‬غمر مسطحات المياه‮ ‬،‮ ‬تستنشق عبير قصبه وبرديه‮ ‬،‮ ‬وتحمل من نكهة سومر‮ ‬،‮ ‬وملاحم أرضها وعقول نماذجها‮.‬
رحم الله السيّد جاسم أباً‮ ‬وأخا ومعلماً‮ ‬نستلهم منه دائماً‮ ‬العِبَر من شخصيته الفذة ولياقته العقلية الفائضة،‮ ‬فتقوى عزيمتها واصرارنا على استعمال العقل الذي‮ ‬أكدت عليه مدوّنات السيّد كتباً‮ ‬وأفكاراً‮ ‬،ستبقى دروساً‮ ‬دائمة للأجيال‮ ‬،‮ ‬فهي‮ ‬دليل قاطع على علاقة العقل بمنتج المدينة‮. ‬فبدون العقل‮ ‬يؤول الأمر إلى الخراب‮ .. ‬والخراب المستمر‮.‬

مقالات ذات صله