لصوص الحكايات في رواية «قابض الرمل» لعمر خليفة

لصوص الحكايات في رواية «قابض الرمل» لعمر خليفة

موسى إبراهيم أبو رياش

تبدو رواية «قابض الرمل» لعمر خليفة للوهلة الأولى، حكاية بسيطة، بحبكة شبه بوليسية، تحولت في النهاية إلى فيلم هندي، ولكنها في الحقيقة صفعة قوية، وحكاية عميقة، ذات دلالات كبيرة ومتشعبة، تضرب بعنف، وتخلخل كثيرًا من قناعاتنا حول ذاكرة النكبة وأحداثها بشكل خاص، والقضية الفلسطينية بشكل عام، وهي تحمل دعوة لإعادة النظر ، وتحديد الأولويات، والكف عن البكائيات الفارغة التي لا تسمن ولا تغني، ولا ترجع حقًا ولا تقهر عدوًا.

أصبحت القضية الفلسطينية، وخاصة عند فلسطينيي الخارج، أقرب إلى الذكريات البعيدة، والاحتفاليات الشكلية، والتي توشك أن تتحول إلى تاريخ منسي، فالمعرفة والوعي بالقضية يتلاشى تدريجيًا، ويكاد الجيل الجديد لا يعرف شيئًا ذا قيمة عن قضيته، فكيف بأجيال الأوطان العربية الأخرى؟ فقائد المجموعة للصحفيين الأربعة من أصل فلسطيني لا يعرف ترتيب ألوان العلم الفلسطيني، والمترجمة لا تعرف إعداد المقلوبةالطبخة الفلسطينية الأكثر شعبية، صحيح أن جهل ألوان العلم وطبخ المقلوبة ليس كارثة، ولكنها رمزية دالة على أن أبسط الأمور مجهولة أو مشوشة، فكيف بالأحداث الكبرى والمشكلات المعقدة؟ وللأسف فإن الأجيال الجديدة تجهل أبجديات قضيتها وأساسياتها، وتتعامل معها كأمر لا يعنيها، ولا تتحمل أي مسؤولية تجاهها.

إن الوعي بالقضية، وإدراك أبعادها ومفاصلها، ومعرفة الأولويات، والعمل على إبقائها حية في النفوس ضرورة لتبقى الجذوة مشتعلة، والبوصلة في اتجاهها الصحيح. ليس مطلوبًا من الأجيال الفلسطينية أن تحفظ تاريخ فلسطين ونكبتها بكل التفاصيل، ولكن أن تعرف قضيتها جيدًا، وإدراك أبعاد المؤامرة من الأطراف المختلفة، والسبيل إلى تحرير فلسطين، بعيدًا عن الشعارات والبطولات الوهمية.

هل الجهلة والخونة الذين يمثلهم الفريق الصحفي، نماذج مشرفة قادرة على العمل للقضية؟ إنها تخون نفسها، وتتمرغ في وحل الجهل واللامبالاة، ولا يهمها إلا وظيفتها، ولا تشغلها القضية من قريب أو بعيد، إلا بما يمكن أن تجنيه من مصالح وثناء من رئيس التحرير، لم يكن هم الفريق أن يحصل على قصص النكبة من العجوز، ولكنهم استماتوا حفاظًا على وظيفتهم ولئلا يُفضحوا أمام الآخرين، فما هم إلا لصوص حكايات كما يصفهم العجوز، يتربحون من القضية في كل موسم، عابثون بالمبادئ والقيم، فالصحفي الذي يخون زوجته يقول بشأن الفضيحة التي قد تطالهم جراء فشلهم في التحقيق الصحفي مع العجوز: «سيتعامل مع الفضيحة بوصفها جزءًا من نضاله كفلسطيني في سبيل معرفة الحقيقة»(87). أما الصحفية التي تخون زوجها، فتسخر منه ومن عدم اكتشافه خيانتها بعد، تقول: «إنه رجل عملي جدًا، يؤمن بالله وبفلسطين وبحق العودة وبي»(123).

وإذا كان حال أبناء فلسطين كذلك، فلا عتب على الآخرين، فقد خنا القضية وتاجرنا بها وتربحنا منها، ولا يراها معظمنا إلا مصدرًا للمكاسب والمناصب والسلطة، هي قميص عثمان الذي نرفعه كذبًا وبهتانًا.

موقف العجوز الثمانيني ورفضه الحديث عن النكبة التي عايشها بعمر خمسة عشر عامًا، أثار العديد من التساؤلات، ولكن موقفه كان دعوة لإعادة النظر، والكف عن الحديث في الهوامش والتفاصيل التي لا تقدم ولا تؤخر، ففلسطين ضاعت، وهذه هي الحقيقة الصارخة، وما عداها لا يهم؛ فالتفاصيل والحكايات لن تحرر فلسطين، ولن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء؛ صحيح أن التوثيق مهم للحكايات والأغاني والعائلات والوثائق وغيرها، ولكنها تبقى ثانوية في معركة التحرير، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، فالعالم لا يعترف بوثائق أو تاريخ مهما كثر الشهود، فهو يعرف ما حدث تمامًا، ويعرف ربما أكثر منا، ولكن الحق دائمًا تفرضه القوة، والغلبة للأقوى، والأقوى يفرض سيطرته ووجوده، هذه هي المعادلة، وهكذا هو العالم على مر العصور والأزمان، القوى يتقدم ويعلو، والضعيف يتوارى أو يختفي.

لم يكن رفض العجوز الحديث عن النكبة تكبرًا أو بخلًا أو لموقف سياسي، وإنما لأن أحداث النكبة وذاكرتها قصص وذكريات وتسالي للآخرين، ولكنها بالنسبة له جراحات لم تندمل، وحاضر لم يغب عن باله يومًا، يقول: «يريدون ذكرياته عن النكبة. أي نكبة تحديدًا؟ هل يشرح لهم عدد النكبات التي مر بها في حياته؟ كل يوم مر عليه منذ خروجه من قريته كان نكبة»(180). ولذا كان يرفض الإجابة عن أي سؤال عن النكبة ومن أي كان، يقول: «من خمسين سنة والناس بتسألني نفس الأسئلة. شو صار معكم. كيف طلعتو؟ ليش طلعتو؟ هل قاومتو؟ ليش ما قاومتو؟ وين رحتوا؟ قديش ذبحوا منكم؟ شو كان إحساسك؟ شو بتتذكر؟ نفس الأسئلة ما تغيرت. كنت شاب ووصلت حافة الموت هسّا والأسئلة هي هي. ولكم بدّيش أحكي. افهموا. هاي نكبتي أنا مش نكبتكم. مين انتو أصلًا عشان تعرفوا شو صار معي؟ وشو بدكم باللي صار؟ اللي صار صار. روحوا حاربوا وحرروا فلسطين بدل ما تسألوا شو صار»(113). فالأولوية كما يراها العجوز ليست بالعودة إلى الوراء والانشغال بما حدث، وإنما بما يجب أن يحدث.

وقد أوضح حفيد العجوز والأقرب إليه، الصورة بجلاء، مؤيدًا موقفه، فالجد يرفض الحديث حتى لأبنائه وأحفاده، يقول: «أبي واعمامي ولدوا بعد النكبة بسنين، ومن ثم فهم يتعاملون مع أبيهم كوثيقة تاريخية مهمة لكنها ترفض أن تُكتب. هذا هو بالضبط. يريد أبي أن يتحول جدي إلى كتاب، إلى وثيقة يتفاخر بها ربما أمام أصدقائه ومعارفه»(25). ولكن الجد إنسان بمشاعر وأحاسيس، تجرحه الذكريات، وتوجعه الصور المستعادة.

كانت النكبة جرحًا غائرًا في أعماق العجوز، ولذا يروي الابن الأكبر أنه «حين كان يسمع أمي وهي تروي قصص النكسة والاحتلال وعبدالناصر والهزيمة أمامنا كان يضحك ساخرًا: هاي احتلال. النكسة احتلال. الاحتلال بروح وبيجي. الاحتلال مش نكبة. النكبة هناك. في ال 48. النكسة مش احتلال. نابلس ظلت نابلس. ال 67 مش نكبة. اللي بده يعرف النكبة يعرف شو صار في ال 48»(32). فالنكبة تختلف جذريًا، فقد كانت مذابح وتقتيلًا وهدمًا وتخريبًا ومحوًا وتهجيرًا قسريًا وطردًا، ولذا فهي تبقى حية ماثلة في أذهان من عاشوها حتى الرمق الأخير بكل رعبها وبشاعتها وهولها ودمويتها وفظاعتها وقسوتها ووحشيتها.

حاولت عصابة الصحافيين الأربعة بشتى السبل الضغط على العجوز ليتكلم عن النكبة أو على الأقل معرفة سبب امتناعه، مما أدى إلى طردهم من الصحيفة، فلجأوا إلى الانتقام، ولكن العجوز انتصر عليهم بالضربة القاضية، وسخر منهم، ومنحهم جملة واحدة «ضاعت فلسطين»، فلم يحصلوا إلا على السراب، ولم يقبضوا إلا الرمل، وخاسر من يقبض على الرمل؛ فهو يتسرب مهما حاول التشبث به، ولا يبقى منه إلا ذرات قليلة تسخر من القبضة التي تظن أنها تمسك بها. وعندما يُصرُّ العجوز في كل أحاديثه، وطوال عمره، أن «فلسطين ضاعت»، فهو يؤكد أن فلسطين مفقودة، وليست في مجال رؤيتنا، وهذا يتطلب جدية البحث عنها بكل السبل، واستردادها ممن سرقها أو خطفها، لأنه كلما طالت مدة الضياع، قلت فرص الخلاص والإنقاذ.

وبعد؛؛؛ فإن رواية «قابض الرمل، المكتبة الأهلية، عمّان، 2020، 197 صفحة»، ليست دعوة لليأس والقنوط والإحباط، بل هي تعرية للواقع، ومحاولة لتعديل المسار، والنظر للنكبة من زاوية مختلفة، وصرخة لضرورة الوعي والمعرفة والعمل المنتج المؤدي للتحرير، والتأكيد أن نكبتنا في أنفسنا هي النكبة الكبرى، وما لم نرتق بأنفسنا إلى مستوى التحديات، فسنبقى نعيش في نكبات حتى الممات.

والجدير بالذكر أن عمر خليفة، أكاديمي، يعمل أستاذًا اللأدب العربي بجامعة جورج تاون في قطر.أصدر مجموعة قصصية بعنوان «كأنني أنا» وكتابًا أكاديميًا باللغة الإنجليزية بعنوان«Nasser in the Egyptian Imaginary ».

مقالات ذات صله