ما بعد ضرورات التأريخ وصخب الاحتفال: اجتنابُ الوقوع في الذكرى – عقل العويط

ما بعد ضرورات التأريخ وصخب الاحتفال: اجتنابُ الوقوع في الذكرى – عقل العويط

مضى 17 تشرين الأوّل 2020 مثلما يمضي أيُّ يومٍ آخر في نظام الكوكب. ثمّة فارقٌ بالطبع لا بدّ من أنْ يكون قد ميّزه عن باقي النهارات والليالي، والتواريخ، لكنّه، على وجدانيّته الاستثنائيّة، وعناده البهيّ، وصلابته العقليّة والروحيّة، لم يكن جوهريًّا إلى الحدّ الذي يُوقِف الزمن. تأمّلوا معي: لم تغبْ شمسُ المدينةِ قبل موعدها المرسوم، ولا هي كانتْ أشرقتْ بعد الأوان. لم يتزحزحْ كرسيٌّ من موضعه، ولا أيضًا ارتدّ طاغيةٌ عن طغيانه، بل أمعن واستشرى. والحال هذه، لم يقلْ أحدٌ إنّ منطقَ القيلولة قد اختلّ، أو إنّه موشكٌ على الاختلال. تمثالُ الشهداء لا يزال شهيدًا في ساحته، وتمثالُ المغترب لا يزال ينظر ساهمًا صوب البحر الذي أصبح خرابًا.
هذه عينةٌ بسيطةٌ، وهي جزءٌ من كلٍّ شبهِ متكاملٍ، وشبهِ مستتبّ. تأمّلوا معي أيضًا ما يأتي: يمكنني أنْ أسترشد بالكتابات، بالمقالات، بالخطب، بمحاورات التوك شو، وبوسائل التواصل، وهذه كلّها أرهقتِ البيوتَ المهدودةَ، كما الموتى والمفقودين، كما الحالمين والرافضين والشعراء، بسيلها العارم، ولم تجدْ سببًا للكفّ عن العبث العاديّ المتمادي، وأحيانًا للكفّ عن العربدة. فهي واصلتْ مسارها، ومضتْ، كما يواصل نهرٌ مجراه ومسراه، وكما يمضي إلى مصبّه المخطّطِ له، من دون أنْ يثيرَ هلعًا على ضفّتيه، أو يجرفَ صنمًا منصوبًا، حيث لا يليق بنهرٍ أنْ يجاورَ صنمًا.
لكي يتخلخلَ الثبات، ويرتجفَ الوقت، لا بدّ من أنْ ينزاحَ جبلٌ من موضعه، ولا بدّ من أنْ تنكسر عقاربُ الساعة التي لم تنكسرْ على ما يبدو، وليس ثمّة ما يوحي أنّها ستتوقّف أو تنكسر.
الكتابةُ نفسُها، بل العقلُ الكتابيُّ ذاتُهُ، ألا يجب أنْ يُعادَ النظر فيهما، ومساءلتهما؟ وإلّا ماذا ينفع أنْ يُكتَبَ ويُقرأ؟! هل يجدي أنْ نستفيقَ غدًا على استشاراتٍ ملزمةٍ، أو على احتمال إرجاء موعدها، مرّةً واثنتين، أو على تكليف أحد أركان المنظومة الحاكمة الفاسدة مهمّة تأليف حكومة، من دون أنْ يخشى حاكمٌ على مخدّته الليليّة، وأحلامه وأضغاث أحلامه؟! من المؤسف مثلًا، على هامش الفواجع المتلاحقة، أنْ تقرأ مقالًا مهيبًا يمتدح أحد الحكّام. أليس كذلك؟! ليس الامتداح ما يُعيب، بل وقعُ الامتداح على الجثامين المضرّجة، والقلوب الثخينة، وأحواض الحبق التي لم تجد قبرًا تأوي إليه. بل وقعُ الامتداحِ هذا على الفتيات والفتية الأحرار الثوّار الأغرار الذين يتوقون إلى نصٍّ يكون هو البوصلة وهو المنارة وهو الزورق إلى المنارة. قد لا أكون من أهل الكفاءة لأهتدي إلى نقدٍ من شأنه أنْ يرشدَ ويصحّح. لكنّي أفترض أنّ المدينةَ تبحث الآن في نخاعها السرّيّ، عن عصبٍ فريدٍ، عن يدٍ، عن قبضةٍ، عن عقلٍ ذكيٍّ، عن ممرٍّ مائيٍّ نقيٍّ يجعلها قابلةً للاغتسال من أدران قوّاديها ومُضاجِعيها. هؤلاء، وأقصد القوّادين والمُضاجِعين، ومعهم المستكبرون والسماسرة والباعة والخونة والمتعاونون والمنتهزون والمتسلّقون والطفيليّون، كيف يمكن التعايش معهم بعد الآن، وخصوصًا إذا شاؤوا أنْ يستحصلوا للتوّ، وسيستحصلون بالتأكيد، على سجلّاتٍ عدليّةٍ نظيفةٍ، لا خطأ فيها، ولا زيف، ولا شبهة غبارٍ أو ركامٍ أو دمٍّ أو عار؟!
وتأمّلوا ما يجب: أليس من حقّ المدينة، ولبنان، والأحرار، أنْ تكون ثمّة “قوّةٌ” تغييريّةٌ نقيّةٌ (تقريبًا وقليلًا) في الكون، في النظام العالميّ، بل ها هنا في الداخل، وكم بالأحرى في نخاع النخاع اللبنانيّ، تمنح، بل تصنع الفرصةَ – الحظوة، وتُسقِط صنمًا عن قاعدة تمثاله أو كرسيّه، وتزيح جبلًا من موضعه، وتُخرِج نهرًا عن مساره ومجراه، وتغيّر أقدار مصبّه؟!
زؤانٌ كثيرٌ. زؤانٌ كثيرٌ. زؤان كثير. لكنّ القمح وفيرٌ ووفير. وللغربال في بيروت بعد الاحتفال، وعشيّة الاستحقاقات الوجوديّة والمصيريّة، الداهمة والمتلاحقة، للغربال أنْ يغربل. ثمّة حاجةٌ إلى فروسيّاتٍ عظيمةٍ، وعقولٍ عظيمةٍ، وقلوبٍ عظيمةٍ، وإراداتٍ عظيمة، وأفكارٍ عظيمة، وتخطيطاتٍ عظيمةٍ، وكتاباتٍ عظيمة، وحتّى إلى… أنانيّاتٍ عظيمةٍ، شرط أن تُسفَح من أجل هذه البلاد وهؤلاء الاحرار العباد.
… هذا إذا كان المُراد أنْ تشرقَ شمسٌ في غير موعدها المرسوم، وأنْ يتزحزحَ كرسيٌّ من موضعه، ويرتدَّ طاغيةٌ عن طغيانه!

مقالات ذات صله