كيف لا يزال الحكّام عندنا هم هؤلاء الحكّام؟! – عقل العويط

كيف لا يزال الحكّام عندنا هم هؤلاء الحكّام؟! – عقل العويط

ما الذي يجعل رجل السياسة مختلفًا عن الناس العاديّين، أقصد رجل السياسة اللبنانيّ والناس العاديّين اللبنانيّين؟ إلى الآن، لا أعرف أنْ أتوصّل إلى جوابٍ مقنعٍ للذات، ومقنعٍ للآخرين في الآن نفسه.

أضربُ المثل الآتي، تعبيرًا عن هذا العجز: بعد الرابع من آب (وقبله أيضًا بكثير)، تغيّرت أحوال الناس تغيّرًا جذريًّا، بالمعنى الدراماتيكيً المفجع، إمّا موتًا مأسويًّا، أو دمارًا، أو تهجيرًا، أو تشريدًا، أو إحباطًا، أو يأسًا، أو خبلًا، أو تيهًا، أو خرابًا نفسيًّا، أو فقرًا، أو جوعًا، أو انتحارًا، أو سوى ذلك من الأحوال التي إنْ دلّتْ على شيء فعلى أنّ الكارثة هي هذه الكارثة التي تنوب عن كلّ وصف، وتتحدّى كلّ وصف.

أمّا الحاكم، أمّا المسؤول، فمَن في مقدوره أنْ يكشف النقاب عن دمعةٍ انحدرتْ من عينه في ليلٍ كابوسيٍّ كئيب؟ مَن يستطيع أنْ يقدّم، ولو صورةً وجدانيّةً واحدةً عنه، تشي بلحظةٍ إنسانيّة؟ لا أحد يستطيع. لأنّ الحاكم، لأنّ المسؤول، في منأى من المأساة، وأبعد ما يكون عن مفاعيلها.

البرهان: أنظروا إلى وجوههم، إلى قسماتهم، إلى عيونهم. أنظروا فقط، واستخلِصوا!

بعد الرابع من آب، في مقدور المرء أنْ يجيب بكلامٍ يقينيٍّ، عن أسئلةٍ، من مثل: هل تغيّرتْ أحوال الحاكم، المسؤول، بعد الرابع من آب؟ هل يتفاعل مع الفجيعة؟ هل يشعر بها؟ هل يتألّم؟ هل يأكل كالعادة؟ هل ينام؟ هل يمرض؟ هل يبكي وهو يضع رأسه بين يديه؟!

إذا كنتُ أتفادى الأجوبة الوقحة والفظّة عن تساؤلاتي وأسئلتي الآنفة، فليس لأنّي أتهرّب وأتفادى، بل فقط لأنّي، إلى لحظة كتابة هذا المقال، لم أسمع بانتحار أحدٍ من الحكّام والمسؤولين (الكبار الكبار)، ولا باستقالة أحدٍ، ولا بإدخال أحدٍ على جناح السرعة إلى مستشفى، بسبب إصابته بجلطةٍ أو بانفجارٍ قلبيّ أو دماغيٍّ من جرّاء المأساة. وأيّ مأساة!

لا أزال، بذهولٍ قياميٍّ، أسأل بفجاجة: كيف لحدثٍ كهذا الحدث التفجيريّ الزلزاليّ الجهنميّ غير المسبوق، أنْ لا يقيم الدنيا ولا يُقعِدها… في السياسة اللبنانيّة، وفي أوساط الحكّام والمسؤولين، وفي الأحزاب والتيّارات الصنميّة المترهّلة، وقادتها التاريخيّين والمستجدّين، وفي قصور أهل الطبقة السياسيّة اللبنانيّة؟!

إنّما العكس “الطبيعيّ”، العاديّ جدًّا، هو الذي يستمرّ ويتواصل ويجري كنهرٍ مطمئنٍّ إلى مجراه وغايته ومصبّه.
فالسياسة لا تزال هي هي، والمواضيع السياسيّة وشجونها وشؤونها وهمومها هي هي، وقواعدها ومقارباتها هي هي، ومعاييرها هي هي، والأشخاص القائمون بها هم الأشخاص أنفسهم الذين أوصلوا لبنان وعاصمته وحياة اللبنانيين ومصائرهم إلى ما هم جميعهم عليه.

فكيف؟ كيف يكون ذلك، وكيف يستمر كلّ ذلك؟!

الحرّ يثور، الأبيّ يتمرّد، المناضل يناضل، المتظاهر يتظاهر، المفجوع يتفجّع، البلا سقف بلا سقفٍ يبحث عن سقف، والمفقود مفقود، القتيل يُوارى، الفيلسوف يتفلسف ويستخلص، المثقّف يتأمّل ويرى وينتقد ويقترح، الكاتب يكتب، الراوي يروي، الشاعر يجعل الحدث قصيدةً، السينمائيّ يؤفلم، المسرحيّ يمسرح، الرسّام يرسم، النحّات ينحت، الراقص يرقص، والموسيقيّ يتلمّس النوطات التي ترفع التراجيديا إلى فضاءات السمفونيا الخالدة. وهلمّ.

لن أقارن بين مفارقات العمل الفرديّ والعمل الجماعيّ، ولا بين الفعل الإبداعيّ الخلّاق والفعل الثوريّ التغييريّ الديموقراطيّ، لكنّي أحضّ حضًّا لا هوادة فيه، على لزوم توصّل الجماعات والأفراد اللبنانيّن الثائرين إلى ما يقضّ مضاجع الطبقة السياسيّة الحاكمة قضًّا منهجيًّا بنيويًّا تنظيميًّا ضاغطًا إلى أقصى حدود الضغط.

كيف، كيف إلى الآن، لم نتوصّل إلى “شيءٍ” كهذا؟!

يجب. يجب. بالنضال، بالكلمة، بالعصيان المدنيّ الخلّاق، بتأليف أحزابٍ وطنيّةٍ علمانيّةٍ وتغييريّةٍ جديدة، بتنظيم الانتفاضة، بالحبّ، بالأمل، بالإرادة، بالاختراع، بالرسم، بالموسيقى، بالرواية، بالشعر، بالمسرح، بالسينما، بالنحت، وبكلّ ما ملكت أيماننا.

أعتقد أنّ أعمالًا من مثل هذه الأعمال، هي قيد الإنجاز، ولا بدّ أن تفعل شيئًا كثيرًا، وأنْ تُغيِّر.

هل أكون مدّعيًا إذا انتقلتُ إلى كلامٍ شخصيّ؟ أرجو أنْ لا. فقد انتهيتُ قبل أيّام قليلة من كتابة نصٍّ شعريٍّ طويل عن الساعة السادسة وسبع دقائق من مساء يوم الثلثاء الواقع فيه الرابع من آب 2020. لن أتحدّث عن هذا النصّ، لكنّي أزعم أنّي كتبتُهُ أكثر من مرّة، وأعدتُ قراءته وكتابته أكثر من مرّة، ليكون، إلى حدٍّ ما، وعلى قدْر ما أستطيع، لائقًا بموضوعه المأسويّ، وليكون مترفّعًا في الآن نفسه عن الاستعراض الأنويّ، أو منغمسًا في الرثاء، والعويل، على عادة ما تكون عليه أغلب الكتاباتِ التي تلي مباشرةً الحوادثَ العظمى، وتكون منفعلةً بها، وراضخةً لأثرها الدراميّ في الكلمات.

وإذا كنتُ بعد اعتكافٍ طويلٍ عن النشر الأدبيّ، مهتمًّا بإصدار هذا النصّ الشعريّ في كتابٍ، وليس بالعربيّة فحسب – وهي لغتي وأمّي – وإنّما أيضًا بالفرنسيّة وسواها، كالإنكليزيّة مثلًا، فاعتقادًا منّي بأهمّية المساهمة – كلٌّ في مجاله – في إعلان ما جرى في الساعة السادسة وسبع دقائق من الرابع من آب، باعتباره حدثًا – بل جريمةً – يخصّان الإنسانيّة.

بعد كلّ ما جرى، كيف لا تزال السياسة عندنا هي السياسة، وكيف وجوه الحكّام والمسؤولين لا تزال هي وجوههم إيّاها؟!

مقالات ذات صله