عبد الوهاب البياتي – رباح آل جعفر

عبد الوهاب البياتي – رباح آل جعفر

مَن يُوقف النزفَ.. في ذاكرة المحكوم بالإعدام قبل الشنق؟!.

سألتُ الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي هذا السؤال، ليبدأ لقاؤنا الأوّل بين نزيف وحبال ومقاصل وذكريات محكومة بالدم والدمع، حتى أننا ظنّنا أنفسنا في تلك اللحظات شهود إثبات في معتقل!.

وفي تلك الأزمنة الخوالي كانت موجة التطورات الديمقراطية في أوربا الشرقية قد بدأت، بما يشبه (الربيع العربي) ووجدتها فرصة أن أسأل البياتي، وقد تفكّك الاتحاد السوفيتي إلى جمهوريات، إذا كان قد تخلّى عن (عقيدته) الاشتراكيّة، ليكون “رأسماليّاً” بحسب رياح التغيّير (الغلاسنوست) و (البروستاريكا) ؟!.. ولم يجبني عن السؤال، لكنه ابتسم في وجهي، قائلاً:

كان بإمكاني أن أصبح مليونيراً، ولكن أن تصبح “الشاعر في روما” كما يقول المثل وليس في قرية، فذلك أمر صعب دونه خرط القتاد.. ولهذا فإنني أفضّل أن أكون الأوّل في روما على أن أكون صاحب الملايّين من المال، ولو كنت أملك هذه الملايّين لوهبتها للفقراء والمحتاجين!.

كان البياتي ينام أقلّ من ربع النهار، ويقضي أكثر من نصفه في القراءة والتأمّل، وربعه الآخر في التسكّع، والبحث عن حدائق خفيّة في مدن يغطّيها الصقيع!.

ووجدته لا يفرح الفرح المحض ولا يحزن الحزن المحض، بل كانت هناك نار تتقد في داخله ليل نهار، وتحيل عالمه إلى حرائق، وكان هو وسط هذه الحرائق يبتسم متى تقطر حزناً وفرحاً.. وكان كثير الاستماع والاستمتاع بصوت مغنّ من اليمن، أبو بكر سالم، لم يكن يعرفه كثيرون في العراق، وهو يُفسّر عشقه لهذا المغنّي، بقوله: إنه لا يُدرك عمق صوته إلا من عانى الغربة داخل بيته، أو داخل وطنه!.

انحشرنا ذات مرّة نحن الثلاثة: البياتي والشاعر المبدع عدنان الصائغ وأنا في سيّارة أجرة، وذهبنا من حيّ الطالبيّة في بغداد إلى دار ابنه علي في شارع فلسطين، فتنهّد البياتي بحسرة طويلة من أعماق قلبه، ولمحت سحابة من الحزن تلمع في عينيه، ليقول: غرباء يا وطني نموت.. وقطارنا أبداً يفوت!.

مرّة سألته عن حظّه من الدنيا، فكان ردّه: إنه غير محظوظ!. وفي لحظة سرح في ملكوت الله، ثمّ عاد ليقول: الحياة لغز غامض، والإنسان ذرّة تتطاير في النور.. الحظّ مجردّ كلمة، والحزن مجرّد كلمة، وكلّ العالم كلمات في كلمات، لكنّ عصا الشاعر السحريّة هي التي تجعل لهذه الكلمات سياقاً ونُبلاً وأصالة.. ومن دون الإنسان ليس هنالك في الجبّة شيء: (ما في الجبّة إلا الإنسان).. ولم أفهم ماذا يقصد، ولم يسألني ماذا فهمت؟!.

وفي تلك السنوات المرتبكة.. عاد البياتي من اسبانيا ليقيم في العراق، وسمعت منه يُردّد: إن كثيراً من الناس لم يروا بلادهم إنما فتحوا عيونهم وقلوبهم على الخارج، وأقفلوها على أنفسهم!.

وكنت أقول له: ليس المهمّ أن يسافر الغريب إلى بلاد غريبة، بل أن يعود إلى بلده، ليقول، لعلّ أحداً ينتفع بما رأى وسمع وقرأ!.

وعندما ضاقت الأرض على البياتي بما رحبت، وضاقت القلوب التي في الصدور، وجد نفسه يهاجر الهجرة الأخيرة، ليموت هناك بعيداً في منفاه، وهناك يُدفن في مقبرة محيي الدين بن عربي بدمشق.. ولهذه الحكاية قصة أخرى!.

مقالات ذات صله