ضربة ترامب ضدّ إيران.. احتمال قائم حتى 20 يناير – جورج عيسى

ضربة ترامب ضدّ إيران.. احتمال قائم حتى 20 يناير – جورج عيسى

إذا كان الرؤساء الأميركيّون يتحوّلون إلى “بطّة عرجاء” خلال الأشهر الأخيرة من ولاياتهم، فإنّ ترامب أصبح “بطّة جريحة عدوانيّة” بحسب تعبير “فايننشال تايمس”. يتأكّد المراقبون من تلك العدوانيّة حين يرون رفضه الاعتراف بخسارة الانتخابات الرئاسيّة ورفضه التعاون مع فريق بايدن خلال المرحلة الانتقاليّة. ولهذه العدوانيّة وجهها الخارجيّ أيضاً. بحسب صحيفة “نيويورك تايمس”، سأل ترامب مستشاريه عن إمكانيّة توجيه ضربة عسكريّة ضدّ منشأة نطنز النوويّة خلال الأسابيع المقبلة. جرى التداول بهذه الضربة في 12 تشرين الثاني بعدما قال المفتّشون الدوليّون إنّ هنالك زيادة في كمّيّة اليورانيوم المخصّب لدى إيران بحوالي 12 ضعفاً عن الكمّيّة المسموح بها وفقاً للاتّفاق النوويّ. لكنّ ترامب عدل عن تفكيره لأنّ مستشاريه أقنعوه بخطورة ذلك.

من غير المؤكّد ما إذا كان تراجع ترامب عن توجيه الضربة نهائيّاً. للرئيس المنتهية ولايته مشكلة تكاد تكون “شخصيّة” مع طرفين: منافسه بايدن الذي تفوّق عليه في الانتخابات، وإيران التي رفضت القدوم إلى طاولة المفاوضات من أجل مناقشة اتّفاق جديد. ومع تفكير بايدن بإعادة فتح المحادثات مع الإيرانيّين، بإمكان ترامب عبر استهداف إيران أن “يضرب عصفورين بحجر”: معاقبة طهران وإرهاق بايدن في سياسته الخارجيّة. تسريب خبر قتل إسرائيل الرجل الثاني في تنظيم القاعدة وهو يتجوّل في أحد ضواحي طهران أحد الأمثلة على ذلك. لكنّه قد لا يكون الوحيد.

أمر واقع دوليّاً
تكثّف إدارة ترامب خطواتها عالميّاً كي تفرض شبه أمر واقع على بايدن. من تخفيض عدد القوّات في ألمانيا بحوالي 10 آلاف مروراً ب 500 في العراق وألفين في أفغانستان وصولاً إلى حديث عن انسحاب أميركيّ من الصومال (حوالي 700 جنديّ)، يبدو ترامب مستعجلاً لتقييد خيارات خلفه في نقاط عالميّة ساخنة. تصبح إيران جزءاً من الصورة الكبيرة التي يرسمها ترامب. لكنّه قد يكون جزءاً مهمّاً لأنّه فشل في تغيير نظامها أو جرّه إلى المفاوضات. في هذا الإطار يمكن فهم مواصلة ترامب فرض عقوبات على كيانات وأفراد إيرانيّين إضافة إلى تقليص مدّة إعفاء العراقيّين من استجرار الطاقة الإيرانيّة التي تمثّل حوالي ثلث الحاجة الإجماليّة للبلاد.

عاش العراق على تلك الإعفاءات التي كانت تُمدَّد كلّ فترة، لكنّها شهدت تخفيضاً زمنيّاً متتالياً، بدأ من 120 يوماً وصولاً إلى 45 يوماً وفقاً لآخر قرار أميركيّ. وسيكون لترامب إمكانيّة تمديد هذا الإعفاء أو قطعه قبل مغاردته المتوقّعة للبيت الأبيض. هذه الأسباب وغيرها تحتّم عدم الإسقاط النهائيّ لاحتمال قصف ترامب إيران على الرغم من تراجعه عن ذلك في الأيّام الأخيرة. ومن مصادفات التاريخ أنّ هنالك مناسبة قد تسهّل عملاً كهذا قبل يوم التنصيب: الذكرى السنويّة الأولى لاغتيال واشنطن القائد السابق لـ “قوّة القدس” الجنرال قاسم سليماني. وهذا الاعتقاد تَشاركَه عدد من المراقبين الأميركيّين خلال الساعات القليلة الماضية.

الاحتمالات ترتفع… بشكل مباشر وغير مباشر
منذ يومين، كتب دايفد أندلمان مقال رأي في شبكة “أن بي سي” الإخباريّة توقّع فيه استمراريّة احتمال شنّ ترامب غارة ضدّ إيران خلال الفترة الانتقاليّة، من أجل أن يلقي المهمّة الشاقة في ترتيب الأمور على كاهل خلفه. يذكّر أندلمان بأنّ قرار اغتيال سليماني قد اتُّخذ قبل سبعة أشهر على تنفيذه وأقرنه ترامب بشرط فرض الميليشيات الإيرانيّة تهديداً على حياة الجنود الأميركيّين، وهكذا حصل. اليوم، ومع انخفاض عدد القوّات الأميركيّة في العراق، ومع اقتراب الذكرى السنويّة الأولى لاغتيال سليماني، قد تبدأ الميليشيات المدعومة من إيران بشنّ هجمات انتقاميّة ضدّ المصالح الأميركيّة ومن بينها السفارة، مستغلّة تراجع الدور الأميركيّ.

وفقاً لهذا التحليل، يرفع ترامب احتمالات ضرب إيران بشكل مقصود لفرض ضغط “تنظيف الفوضى” على بايدن، خصوصاً أنّه يمنع فريقه الانتقاليّ من الوصول إلى معلومات تتعلّق بالأمن القوميّ. وهو يزيد أيضاً من هذه الاحتمالات بطريقة غير مقصودة عبر “التعرية الأمنيّة” للمصالح الأميركيّة من خلال تقليص عدد جنوده في العراق.

“مكيافيلية”
الكاتبة السياسيّة روبين رايت ترى أنّ “الخيارات أمامه (ترامب) كي يتحرّك عسكريّاً (ضدّ إيران) ستبقى على الطاولة حتى 20 كانون الثاني”. رأت رايت في مجلّة “نيويوركر” أنّ ترامب يريد أن تكون الكلمة الأخيرة له في الملفّ الإيرانيّ. و”الأعذار” أيضاً ستكون موجودة من أجل دفع الرئيس إلى هذه الخطوة. فإيران قد تفكّر بالانتقام لمقتل سليماني كما أنّ القذائف لا تزال تتساقط بالقرب من السفارة في بغداد.

وخلال حديث مع رايت، يصف المدير السابق للتواصل الدوليّ في البيت الأبيض بريت بروين الأيّام الأخيرة لترامب في الرئاسة بأنّها “مكيافيلية”. يريد ترامب الاستعداد للترشّح في 2024 وفي الوقت نفسه وضع بايدن على سكّة الفشل. بحسب بروين، يقول ترامب: “كيف يمكنني وضع الظروف التي ستتحدى بايدن وهاريس كثيراً والتي ستمكّنني لاحقاً من الإشارة إليها والقول يا للفوضى التي خلّفاها”.

خياران؟
قد يكون ترامب أمام خيارين فقط إذا أراد أن يكون “مكيافيلياً” بحسب توصيف بروين وتحليله. ثمّة صعوبة في تهيئة ترامب نفسه للترشّح إلى انتخابات 2024 والتسبّب في الوقت نفسه بحرب ضدّ إيران. فهو لن يستطيع تحميل بايدن وزر ضربة أميركيّة تجاه طهران، إلّا إذا كان متأكّداً من أنّ الأخيرة عاجزة عن الردّ بشكل موسّع، وهو أمر صعب التكهّن به. وفي حال توسّعت الحرب الناتجة عن ضربة عسكريّة سريعة محتلمة، سيتمّ نسيان أنّ ترامب هو الرئيس الأميركيّ الوحيد الذي لم يورّط بلاده في حرب خارجيّة منذ عقود، وهو مكسب كبير له في حال أراد الترشّح مجدّداً.

ثمّة حسابات نظريّة أخرى يمكن أن تريح ترامب من هذه التعقيدات، أقلّه نسبيّاً. في مطلع الشهر الحاليّ، توقّع وزير الاستيطان الإسرائيلي عن حزب “الليكود” تساحي هنغبي أن تهاجم إسرائيل إيران في حال انتخاب جو بايدن رئيساً. فهل تشنّ تل أبيب ضربة عسكريّة ضدّ طهران بالنيابة عن ترامب، كما فعلت مع الرجل الثاني في تنظيم القاعدة حين قتلته داخل العاصمة الإيرانيّة، بالنيابة عن ترامب أيضاً؟

مقالات ذات صله