خلافات سياسية محلية وخارجية حول الدستور السوري

خلافات سياسية محلية وخارجية حول الدستور السوري

تستمر سياسة الحصار والعقوبات على أمل إحداث أيَّ خرق أو شرخٍ في طبيعة العلاقة المعقدة والمركبة بين النظام السوري ومناصريه

كتب: شفان ابراهيم
في وقت تستمر فيه العقوبات الاقتصادية الغربية على سوريا، عبر الحظر على الشركات والمؤسسات الفاعلة والشخصيات المؤثرة في الاقتصاد السوري، ومع استمرار الإدارة الأميركية بالتلويح بقانون “قيصر”، وبينما تجري الاستعدادات لجولة جديدة من اجتماع اللجنة الدستورية حول سوريا، فإن تنبؤات ونظرة الغرب وأميركا حيال حل المشكلات السياسية والإنسانية للمجتمعات الغير مستقرة والتي تستمر فيها التوترات والتصدعات في علاقاتها مع أنظمتها الحاكمة، عبر الحصار الاقتصادي، لا تزال دون مستوى النتائج المتوخاة، خصوصاً أن لا نظام سياسياً منهاراً أو غير من سلوكياته نتيجةً للعقوبات الاقتصادية.

مع ذلك تستمر سياسة الحصار والعقوبات على أمل إحداث أيَّ خرق أو شرخٍ في طبيعة العلاقة المعقدة والمركبة بين النظام السوري ومناصريه من الكتل السياسية والشعبية، والطبقة البورجوازية المرتبطة مباشرة بمصالح النُخب الحاكمة، وتالياً الحصول على التنازلات المطلوبة لإيقاف تداعيات قانون قيصر، والتي تشكل في جوهرها مطالب المعارضة السورية قبل أيّ عملية دستورية، خصوصاً ما تحتاجه العملية الانتخابية من “عودة المهجّرين السوريين بطريقة آمنة وإرادية محترمة. لكنها مساعٍ تصاب بالفشل، فلا كُتل في إمكانها التأثير على سياسات دمشق الاقتصادية أو السياسية.

جولة جديدة من المباحثات حول القضايا المتبقية المتعلقة بتشكيل اللجنة الدستورية وآليات وإجراءات عملها بدأها غير بدرسون منذ أيام في دمشق. ولم يكن غريباً تكرار المسؤولين الحكوميين السوريين، الشروط نفسها بما يضمن قيام اللجنة بدورها وفق إجراءات واضحة ومتفق عليها مسبقاً، وبعيداً من أي تدخّل خارجي. الشرط الأخير تحديداً يُشبه الأحجية، فكيف إن كان تشكيل اللجنة الدستورية عبارة عن محاصصة دولية، ويكفي التدليل على الوقت المستغرق لتحديد أسماء كتلة المجتمع المدني والخلاف حولها، لمعرفة عمق التدخل الحاصل.

وصحيح أن قرار تشكيل اللجنة الدستورية جاء ضمن مقررات مؤتمر سوتشي كأحد مسارات الحل السياسي في سوريا في كانون الثاني (يناير) 2018، والاتفاق بين الدول الضامنة الثلاث، روسيا وتركيا وإيران، لكنه يُعيدنا إلى بيان جنيف 2015 والقرار الدولي 2254 والحديث علانية وللمرة الأولى عن إمكان إعادة كتابة دستور جديد. وأيضاً لم يكن متعارضاً في المضمون مع البنود الأربعة التي أقرتها مفاوضات جنيف حول الأزمة السورية والتي بموجبها شكلت رؤية الحل السياسي في سوريا وهي: الدستور، الانتخابات، الحكم، الإرهاب.

بيد أن التدخل الخارجي الحقيقي يتوضح عبر الصراع الروسي الأميركي على اللجنة عبر جملة من النقاط. أولاً: تسويق روسيا للجنة الدستورية، واعتبارها الحل الوحيد للأزمة السورية، حيث ترغب موسكو في تقديم مرجعيتي آستانا وسوتشي كأساس للجنة المشكلة؛ هادفة من وراء ذلك السيطرة على اللجنة. والهدف سحب البساط من مرجعية جنيف ومحاصرتها والاستفراد بالقرار 2254. في حين أثمرت الضغوط الأميركية على الأمم المتحدة باعتماد اللجنة الدستورية وفقاً لمقررات مفاوضات جنيف وبنودها الــ12، كذلك اشترطت ألا يكون مسار سوتشي تحديداً بديلاً من مسار حنيف، وتوضّح ذلك بعدم عقد أكثر من مؤتمر واحد في سوتشي.

ثانياً: اختلاف التوجهات، حيث تسعى روسيا لصياغة دستور جديد للبلاد وفقاً للدستور التي أعدته مسبقاً، وإجراء انتخابات، وربما بحث الفترة الانتقالية بشرط عدم تدخل الأطراف الخارجية، وتقصد بذلك أميركا، بتغيير النظام بالقوة، وتشترط ضمان وحدة الأراضي السورية، والضغط باتجاه انسحاب كل القوات الأجنبية، وهي تستثني نفسها وإيران من الانسحاب؛ بحجة شرعية وجودهم.

قابل ذلك رد فعل أميركي توضح عبر موقف المبعوث السابق ستافان دي مستورا للتأكيد أن الأمم المتحدة هي الجهة الوحيدة المخولة منح الشرعية للجنة صياغة الدستور، مع العلم أن الإعلان عن تشكيل اللجنة كان عبر الدول الضامنة الثلاث وليس الأمم المتحدة. وتأكيد واشنطن على القرار 2254.

ثمة مشكلات محلية أيضاً غير مرتبطة بالصراع الدولي حول الدستور السوري، تتجلى بأبرز ثلاثة أسئلة متشابكة أهمها وأولها: من سيجبر النظام على تطبيق الدستور إن تم الاتفاق عليه، وهل ستشهد سوريا المزيد من العقوبات الرادعة لمنع التهرب من الاتفاق عليه، أم أن حرباً أخرى ستقوم بعد عشرة أعوام من الحرب؟. وثانيها، هل نحن أمام دستور جديد أم تعديل الدستور الحالي؟ فالمعارضة السورية تطالب بكتابة دستور جديد، وتحديد جدول زمني لذلك، في حين أن الوفد السوري يصر على أن تغيير مادة واحدة في “دستور 2012” يعني أنه دستور جديد، وعدم الحديث في أي جدولة للموضوع. وعلى الرغم من طرح دستور 2012 مصطلح التعددية السياسية، بدلاً من المادة الثامنة التي كانت تشدد على دور الحزب القائد في الدولة والمجتمع، لكن مشكلات جمة لا تزال تعتري ذلك الدستور، فشكل مجلس القضاء الأعلى، ومنع تشكيل أحزاب قومية ودينية مناطقية، خصوصاً أن ذلك يؤكد فشل الأحزاب الكردية والإسلامية في النجاح بكل المحافظات السورية، عدا عن عدم السماح لهم بالنشاط السياسي وفق الدستور.

ثالثاً، المتعارف عليه في دول ما بعد النزاع، أن الأفضل هو كتابة دستور موقت يضمن عودة النازحين والمهجرين، وإعادة الممتلكات لأصحابها الفعليين. وهو ما أُهمل في دستور 2012 الذي لم يتطرق إلى مصير قرابة 7 ملايين مُهجر، وتحديداً لجهة أملاكهم المسيطر عليها من قبل كُتل وأجساد عسكرية مختلفة التوجهات والانتماءات والهويّات، وعدم حمل مئات الآلاف منهم لأيَّ مستندات ثبوتية لأملاكهم أو لشخصياتهم والمواليد الجُدد الذين لم يتم تسجيلهم في السجل المدني السوري، إضافة إلى عمليات النهب الممنهج والسيطرة على أملاك الأكراد في عفرين وسري كانيه وتل أبيض.

في المقابل، فإن الأكراد في سوريا لا يزالون يعيشون هاجس العملية الدستورية، فهم المكتوون بنار التعريب، والعيش تحت هاجس تكرار عدم إنصاف الدستور المقبل لهم. خصوصاً مع استمرار دستور 2012 في محق وسحق الوجود الكُردي وباقي القوميات في سوريا. وقد نصت مقدمة الدستور علانية على عروبة كل من يعيش في سوريا، وأكدت التراث والحضارة العربيين لا غير. كما ورد في المادة 1 في الفصل الأول من الباب الأول على تسمية “الجمهورية العربية السورية” والشعب في سوريا جزء من الأمة العربية. كما حدت المادة 3 على أن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام وهو ما يُلغي باقي الأديان. وورد في المادة 4 أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لسوريا. عدا عن الخلاف الكُردي مع المعارضة والنظام السوري حول شكل الدولة ونظام الحكم المقبل، وتفصيلاته المطلوبة من طريقة إدارة الأطراف وحقوقها السياسية دستورياً… إلخ.

والتقسيمات الإدارية التي يقول الأكراد إنهم ظلموا منها، وينصدمون برغبة المعارضة السورية بإلغاء التقسيمات الإدارية في المنطقة الكُردية التي جاءت بها الإدارة الذاتية، والتي يصب في قسمٍ منها في خدمة المنطقة الكُردية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كمصير كوباني “عين العرب” ما بين ضمها إلى حلب، أو الرقة، أو ببقائها ضمن الجغرافية السياسية الكُردية في سوريا. وفي الوقت الذي ترفض وتعارض المعارضة السورية التقسيمات التي حصلت بعد 2011 والتي تسببت بها مختلف التشكيلات العسكرية المقاتلة في سوريا، لكنها تقبل بالتقسيمات الإدارية للنظام السوري في المنطقة الكُردية قبل الـ2011.

في العموم، فإن اللجنة الدستورية ليست سوى أدوات دولية لتمرير سياسات تخدم مصالحها ومشاريعها. والمؤسف بعد عقدٍ من شلال الدم، فإن السوريين غير مستعدين للمشاركة الجدية في وضع دستور جديد. لكن لا مفر للسوريين إلا بقبول اللجنة على أمل الخروج بدستور أو مواد دستورية موقتة يضمنان عودة المهجرين مندون ملاحقات، وإعادة الإعمار، وانتخابات حرة، والبدء بإعادة ترميم الجمهورية السورية مُجدداً.

تبقى النقطة الوحيدة المشتركة بين وفدي النظام والمعارضة، أن لا تنازل عن المركزية في إدارة الدولة، وهي المعضلة التي لم يتمكن أحد من الخروج منها.

مقالات ذات صله