مَن أنا لأُطلِق الأحكام القاتلة على الآخر، وبأيّ حقّ؟! – عقل العويط

مَن أنا لأُطلِق الأحكام القاتلة على الآخر، وبأيّ حقّ؟! – عقل العويط

ملاحظة لا بدّ منها: هذا المقال لا يتناول أحكام القيمة التي يتمّ إطلاقها على الطبقة السياسيّة المجرمة، ولا يتناول الأحكام التي يطلقها أطراف هذه الطبقة، بعضهم على بعض، وضدّ بعض.

أكتب هذا المقال، منطلقًا من تتبّعِ ظاهرةٍ مستشريةٍ في الأوساط اللبنانيّة، أكانت سياسيّةً أم حزبيّةً أم ثوريّةً أم مجتمعيّةً أم عائليّة، فرديّةً أو جماعيّة، هي ظاهرةُ استسهالِ إطلاقِ الأحكام القاطعة على الآخرين، بسهولةٍ ما بعدها سهولة، وبتسرّعٍ ما بعده تسرّع، مترافقَين (السهولة والتسرّع) مع شعورٍ طاغٍ بـ”الحقّ” في إطلاق مثل هذه الأحكام، تقييمًا واتّهامًا وتخوينًا أو قتلًا وإعدامًا.

بصرف النظر عن مضمون هذه الأحكام، وبصرف النظر عن مُطلِقيها، وبصرف النظر – خصوصًا – عن نفوري واشمئزازي من بعضها (الكثير)، وعن “ضعفي” حيال بعضها (القليل) الآخر، فإنّي – من موقعي الإنسانيّ الأخلاقيّ أوّلًا، ومن موقعي الثقافيّ الفكريّ ثانيًا، ومن موقعي الوطنيّ السياسيّ المتحرّر من أيِّ انتماءٍ يُذكَر إلى أهل هذه المافيا – الطبقة السياسيّة، الحزبيّة، الماليّة، الطائفيّة، أدعو بحزمٍ ما بعده حزم، كلّ مَن يعنيه موقعي، وتعنيه كتاباتي ومواقفي، إلى الكفّ فورًا عن الولوغ في هذا المستنقع الدنيء، مستنقع إطلاق الأحكام على الآخرين.

أسمح لنفسي بأنْ أكون متشدّدًا للغاية في هذه المسألة الأخلاقيّة – الثقافيّة – السياسيّة، متوجّهًا بشكلٍ خاصّ إلى كلّ مَن يعنيه موقفي، متحصّنًا بتاريخٍ شخصيٍّ طويلٍ من الانتماء الحرّ المناهض مناهضةً جذريّة وبنيويّة وجوهريّةً لكلّ أهل هذه الطبقة السياسيّة المهترئة والمعفّنة والقاتلة، وبكلّ أحزابها وفئاتها وقادتها على الإطلاق.

لأقول: إنّ استهسال إطلاق الأحكام على الآخر (وكيف إذا كان هذا الآخر – أيّا يكن – ربّما (أكرّر: ربّما) أكثر تحرّرًا واستقلالًا وثوريّةً ونظافةً ونزاهةً وعقلانيّةً منّي شخصيًّا؟!)، يمثّل عجزًا فاضحًا لدى مُطلِق الأحكام.

هذا مستنقعٌ، إنْ دلّ على شيء فعلى أنّ مَن يهوى الاغتسال بمائه المقزِّز، والمراوحة فيه، هو في حالٍ يُرثى لها من هشاشة العقل والحكمة والرصانة والدراية، وفي حالٍ يُرثى لها من العجز عن مقارعة الموقف المرفوض – أيًا يكن – بالحجة والبرهان والتحليل والتفكيك والقدرة على الإقناع.

ما يهمّني في هذا المقال، لا ما يتمّ تبادلُ إطلاقِهِ من أحكامٍ، بين جماعات الطبقة السياسيّة والطائفيّة والماليّة، وزمرها، ومريدي زعمائها وأحزابها وميليشياتها وتيّاراتها (فليذهبوا جميعهم إلى الجحيم. الجحيم تليق بهم، وهم لائقون بها)، بل – خصوصًا – ما تحفل به (بدون تعميم) وسائل التواصل الاجتماعيّ، والشاشات، والجرائد، والإذاعات، المناهضة لهذه الجماعات والأحزاب والتيّارات والميليشيات، من رثاثةٍ، ومن قلّةِ حيلةٍ، ومن انعدام ذكاء، ومن قصرِ نظرٍ، وارتجاجِ بصيرة.

إنّ العجز عن مواجهة السلطة، وبنيتها الشيطانيّة، يجب ألّا يحمل المرء، والناس المناهضين للسلطة، على ارتكاب ردود أفعالٍ، أقلّ ما يُقال فيها – بصرف النظر عن الخطأ والصواب – إنّها تقوّي السلطة، وترسّخ بنيتها الشرّيرة، وتحكّمها برقاب لبنان واللبنانيّين.

فلنتواضع قليلًا، ولا نكبّر الحجر كثيرًا.

وليسأل كلٌّ منّا نفسه هذا السؤال: مَن أنا (شو تاريخي، وشو أنجزت؟!) لأسمح لنفسي بإطلاق الأحكام على الآخر، وبأيّ حقّ، وبأيّ حجّة، وبأيّ برهان، وبأيّ بديل؟!

مقالات ذات صله