عام من السباق مع الوقت لإيجاد لقاح كورونا.. والأمل قريب

عام من السباق مع الوقت لإيجاد لقاح كورونا.. والأمل قريب

48 “لقاحاً مرشحاً” يجري اختبارها على الإنسان حول العالم بالإضافة إلى 11 لقاحاً في مرحلة التجارب الثالثة النهائية

لندن – ا ف ب
يقترب العالم من إنتاج لقاح مضاد لفيروس كوفيد-19، بعد عام من ظهور هذا المرض الجديد، في هدف تحقّق بفضل أبحاث خيضت بسرعة قياسيّة، رغم أن العديد من نقاط الاستفهام لا تزال قائمة.

متى يصبح اللقاح بمتناول اليد؟

كان شهر تشرين الثاني (نوفمبر) حاسماً، فقد صدرت فيه أولى إعلانات المصنّعين عن مدى فعالية اللقاحات التي يعملون عليها.

في أوروبا، أكدت الوكالة الأوروبية للأدوية، الاثنين الماضي، أنّها قد تعطي الترخيص لأولى اللقاحات قبل حلول نهاية العام أو مطلع عام 2021.

على أساس هذه المواعيد رسمت العديد من الدول خططها في الأيام الأخيرة، على غرار إسبانيا وإيطاليا وفرنسا.

وتأمل الولايات المتحدة من جهتها بالشروع بحملة تلقيح منتصف كانون الأول (ديسمبر)، فور الحصول على ترخيص إدارة الغذاء والدواء.

السلطات الصينية أعطت، بدورها، الضوء الأخضر لاستخدام طارئ لبعض اللقاحات التي صنعتها شركاتها.

كان تحقيق هذا التقدم في مجال اللقاحات ممكناً بفضل تسريع على الجبهات كافة لعمليات البحث والإنتاج الصناعي والتقييم، مدعومةً بتمويلات هائلة. ويحتاج تطوير لقاح جديد وطرحه في الأسواق عشر سنوات كمتوسط عادةً.

وتشدد الوكالة الأوروبية للأدوية على أنّ “المعايير التنظيمية نفسها، المتعلقة بالنوعية والسلامة والفعالية، اعتمدت على اللقاحات المضادة لكوفيد-19”.

لكن، أيا كان تاريخ الموافقة الرسمية على اللقاحات، لن يتم تلقيح كل سكان الأرض مرّة واحدة وفوراً.

وأخيرا ذكّر مدير عام “منظمة الصحة العالمية” تيدروس أدهانوم غيبريسوس أنّه “في المرحلة الأولى، ستكون كميات اللقاح محدودة والأولوية ستكون للفئات الأكثر عرضة للخطر”.

معضلة أخرى مهمّة ستطرح في هذا الإطار وهي المساواة بين الدول الفقيرة والغنية في الحصول على اللقاح.

بالنسبة الى غيبريسوس “طورت اللقاحات بشكل عاجل، ويجب أن يكون توزيعها العادل أيضاً أمراً عاجلا”، مضيفاً أنّ الدول الفقيرة والأكثر هشاشة “تواجه خطر التجاهل في خضم تدفق اللقاحات”.

أيّ لقاح هو الأفضل؟

ليس ممكناً الإجابة عن هذا السؤال في الوقت الحالي. منذ 9 تشرين الثاني (نوفمبر)، أعلن أربعة مصنّعين أن لقاحاتهم فعالة: التحالف الأميركي الألماني “فايزر/بيونتيك”، المختبر الأميركي “موديرنا”، التحالف البريطاني “أسترازينيكا/أوكسفورد”، ومعهد “غاماليا” الحكومي الروسي.

رغم سباق الإعلانات هذا الذي أعطى دفعاً للبورصات العالمية، لم تكشف الأرقام إلا في بيانات صحافية، ومن دون نشر بيانات علمية مفصلة.

تعتمد النتائج على المرحلة الأخيرة أو الثالثة من التجارب السريرية، التي أخضع لها عشرات الآلاف من المتطوعين. وتقاس الفعالية بمقارنة عدد من أصيبوا بالمرض في المجموعة التي تلقت اللقاح، بمن أصيبوا به في المجموعة التي تلقت لقاحا مزيّفا. وكشف عنها بعد إصابة عدد محدد مسبقاً من المتطوعين بالمرض: 170 لـ”فايزر/بيونتيك”، 95 لـ”موديرنا”، 131 لـ”أسترازينيكا/أوكسفورد”، و39 لمعهد “غاماليا”.

بلغت فاعلية لقاح “فايزر/بيونتيك” 95%، إذ أنّ من بين المصابين الـ170، 8 فقط هم من المجموعة الملقحة، و162 من المجموعة التي لم تتلق اللقاح.

بلغت فاعلية لقاح موديرنا 94,5% (5 مرضى من المجموعة التي تلقت اللقاح، 90 من المجموعة التي تلقت الطعم المزيف).

بلغت نسبة فاعلية لقاح “سبوتنيك-في” الروسي 91,4% قياساً بعدد المرضى الـ39، و95% قياساً بعدد مرضى لم يجر تحديده.

الحسابات التي اعتمدتها “أسترازينيكا/أوكسفورد” أكثر تعقيداً، فنسبة فعالية اللقاح تبلغ بالمتوسط 70%، إذا جمعت نتائج بروتوكولين مختلفين.

وبلغت الفعالية 90% لدى المتطوعين الذين تلقوا بداية نصف جرعة، ثم جرعة كاملة بعد شهر. وتراجعت النسبة إلى 62% لمدى مجموعة أخرى تلقت جرعتين كاملتين بفارق شهر بين الأولى والثانية. ويبين ذلك أن طريقة التطعيم الأولى حققت استجابة مناعية أفضل.

إلّا أنّ الفعالية ليست كل ما يؤخذ بعين الاعتبار. فلقاح “أسترازينيكا” هو الأقل ثمناً (نحو 2,50 يورو للجرعة). أما لقاحا “موديرنا” و”فايزر/بيونتيك”، فدونهما عوائق لوجستية، لأن التكنولوجيا المستخدمة في تصنيعهما تستدعي تخزيناً على المدى الطويل بدرجات حرارة منخفضة جداً (ناقص 20 للقاح موديرنا، وناقص 70 درجة للقاح فايزر”.

ما هي التساؤلات التي ليس لها إجابات بعد؟

أسئلة كثيرة لا تزال معلقة. مدير عام منظمة الصحة حذّر أن “اللقاح سيكون مكملاً لوسائل أخرى بحوزتنا، ولن يستبدلها”، حتى ولو “أنّ الضوء في نهاية النفق بات أقوى”.

يتعلق السؤال الأهم بمدى فاعلية اللقاح على المدى الطويل، وذلك لأن الحسابات الصادرة أعدّت فقط بعد أسبوعين من تلقي المتطوعين للجرعة الأخيرة.

تتساءل الخبيرة البريطانية بيني وارد من جامعة الملك في لندن، كما نقل عنها مركز الإعلام العلمي: “كم من الوقت تدوم الحماية؟ هل سيتمكن الفيروس من التحوّل للتهرب من اللقاح، وهو ما سيحدّ بالتالي من فاعلية التطعيم؟”.

سؤال آخر أساسي يطرح نفسه: “ليس واضحاً بعد ما إذا كان اللقاح يتفاعل بالطريقة نفسها مع فئة السكان الأكثر عرضة للخطر، بدءاً بكبار السن الذين يملكون نظاماً مناعياً ضعيفاً. وهؤلاء أكثر عرضة للإصابة بشكل خطير من أشكال المرض، ولذلك من المهم أن يكون اللقاح مفيداً لهم.

أخيراً، تبقى معرفة ما إذا كان اللقاح يمنع نقل العدوى، بالإضافة إلى التقليل من شدة المرض لدى الذين تلقوه. وهذه نقطة أساسية جداً لوقف الوباء.

ويرى الخبراء أنّه في هذا المجال يملك “أسترازينيكا/أكسفورد” ميزةً عن اللقاحات الأخرى.

وتقول الأكاديمية أليانور رايلي من جامعة “ادنبره”: “على عكس ما حصل في التجارب الأخرى، قام فريق أسترازينيكا/أوكسفورد بفحص كل المشاركين كل أسبوع من أجل كشف الإصابات الخالية من العوارض”.

وأكّدت جامعة أوكسفورد أنّ لديها “مؤشرات أولية تبيّن أنّ اللقاح قادر على منع نقل العدوى، لأنّه تمت ملاحظة تراجع بعدد الإصابات الخالية من العوارض”.

وقالت “أسترازينيكا” إنّ “الكشف المنهجي عن المرضى الذين لا يملكون عوارض، لا يتعلق بكل المتطوعين البالغ عددهم 23 ألفاً، بل بجزء منهم فقط، دون أن تعلن عن العدد المقصود”.

أخيراً، إذا لم تظهر التجارب أي عوارض جانبية خطيرة، فمن الضروري القيام بعملية “متابعة متواصلة” للتأكد من “عدم وجود أي آثار نادرة غير مرغوب فيها لكن أكثر خطورة عند استخدام اللقاح على نطاق أوسع”، وفق الدكتورة وارد.

كم عدد اللقاحات المطروحة؟

بالإضافة الى اللقاحات الأربعة التي وصلت الى مرحلة متقدمة، 11 هي في مرحلة التجارب الثالثة، وفق آخر إعلان لمنظمة الصحة العالمية بهذا الصدد يعود تاريخه إلى 12 تشرين الثاني (نوفمبر). من بينها، مشاريع عديدة لمختبرات صينية (مثل سينوفاك وسينوفارم وكانسينو).

بالمجمل، يوجد 48 “لقاحاً مرشحاً” يجري اختبارها على الإنسان حول العالم. وبالإضافة إلى 11 لقاحاً في مرحلة التجارب الثالثة، يوجد 37 في المرحلة الأولى (التي تهدف إلى تقييم سلامة المنتج)، والثانية (التي تدرس فعاليته).

وفضلاً عن تلك التي دخلت مرحلة الاختبارات فعلاً، تحصي منظمة الصحة 164 مشروع لقاح في المرحلة السابقة للتجارب السريرية.

ما التقنيات المستخدمة؟

استخدمت المختبرات وسائل مختلفة، بعضها مجرّب، وأخرى جديدة.

تعمل فرق متعددة بوسائل تقليدية، كتقنية اللقاح “الخامل” الذي يطور عبر فيروس تمت معالجة عوامله المعدية، وهي التقنية التي تستخدمها سينوفاك وسينوفارم الصينيتين.

توجد أيضاً لقاحات البروتينات المعادة التركيب، وهي تقوم على خلق استجابة مناعية عبر بروتينات وليس عبر فيروس.

وكذلك تقنية اللقاحات ذات “النواقل الفيروسية” وهي أكثر تطوراً، فهي تتخذ قاعدة فيروساً آخر يجري تحويله وتكييفه لمكافحة كوفيد-19. وتعمل “أسترازينيكا/أكسفورد” بهذه التقنية، كذلك الروس الذين يستندون في تطوير لقاحهم على فيروس غداني.

أخيراً، تعتمد مشاريع أكثر تطوراً عملياً على لقاحات قائمة على “الحمض النووي” أو “الرنا المرسال”. وتعتمد هذه التكنولوجيا على ضخ جزئيات من الإرشادات الجينية في الخلايا، لدفعها إلى تصنيع بروتينات أو “مضادات” موجهة ضد فيروس كورونا. تعمل “موديرنا” و”فايزر/بينوتيك” بهذه التقنية.

هل سيثق الناس باللقاح؟

أيا تكن مواعيد أولى حملات التطعيم، يبقى سؤال أساسي قائماً وهو هل سيقبل الناس تلقي اللقاح في سياق تزايد كبير بعدم الثقة؟

وبحسب دراسة صدرت منتصف تشرين الأول (أكتوبر) في مجلة “رويال سوسايتي أوبن ساينس” البريطانية، يؤمن جزء لا بأس به من السكان في بعض الدول بنظريات المؤامرة المتعلقة بكوفيد-19، التي تزيد من عدم ثقتهم باللقاح.

وعلى سبيل المثال، يعتقد 22% من مكسيكيين استطلعت آراؤهم في هذه الدراسة بصحّة فكرة تقول إنّ الوباء “جزء من خطة لفرض التلقيح العالمي”.

وبيّن تحقيق نشره مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) المنتدى الاقتصادي العالمي، وأجري في 15 بلداً، أنّ نسبة الأشخاص المستعدين لتلقي اللقاح انخفضت بالمقارنة مع شهر آب (أغسطس).

ويؤيد 73% فقط العبارة التالية “إذا كان لقاح ضد كوفيد-19 متوفراً، فسوف أخضع للتطعيم”، مقابل 77% في آب (أغسطس).

مقالات ذات صله