ميركل.. زعيمة في عصر سقوط الأيديولوجيا – مهاب نصر

ميركل.. زعيمة في عصر سقوط الأيديولوجيا – مهاب نصر

«هي امرأة لها حياة خاصة ولها دور شعبي جدا في الوقت ذاته، فهي تفضل أن تعود إلى شقتها المتواضعة كل مساء، حيث تسكن مع زوجها، على أن تعيش في رخاء المستشارية»… هكذا كان تعليق ماريون فان رنترغيم في كتاب «انجيلا ميركل.. سحر السياسة» على حياة المستشارة الألمانية، أحد أبرز الوجوه النسائية في عصرنا.

قد تذكرنا ميركل برئيسة الوزراء البريطانية السابقة ذات القبضة الحديدية مارغريت تاتشر، ولكن لميركل مصدر قوة آخر لا يتمثل في الكاريزما القوية والنزعة الخطابية.

امرأة هادئة في عصر عاصف، كان على ألمانيا فيه أن تكون العنصر الأكثر فاعلية ضمن اتحاد أوروبي يختبر قوة القارة العجوز بكل اختلافاتها، وبأزمات ما بعد سقوط جدار برلين.

ميركل نفسها عرفت العهد السابق في برلين الشرقية تحت الحكم الحديدي الخاضع للنفوذ الروسي. كانت هناك في الوقت الذي عمل فيه فلاديمير بوتين في السفارة عنصر مخابرات على الأرجح.

بعقلانية وحزم تعاملت مع منصبها فامتازت سياستها وخدمتها للشعب، بحسب ما جاء في الكتاب «بالقيم الراسخة والقادرة على مواجهة التغيرات والفوضى في العالم، كما لو أن هناك فريقا من المستشارين المخلصين الذين يعملون بجانبها بكل إخلاص وسرية تامة منذ عدة سنين».

يقدم الكتاب عرضا وافيا لحياة المستشارة الألمانية تتقاطع فيه صفاتها الشخصية وسيرتها مع حياتها العملية منذ تسنمت مسؤوليات سياسية، وعلاقتها بكثير من زعماء العالم وآرائهم فيها.

امرأة تحرص على الدقة وتهتم بالتفاصيل «إذ لا تذهب قط إلى أي اجتماع دون أن تطالب أولا بجدول أعمال في غاية الدقة. فهي تجمع في رأسها أعقد الملفات ومعلومات سياسية عن المحاورين ونقاط ضعفهم والعناصر التي يمكن التفاوض حولها».

بعيداً عن التفلسف بخلاف الزعماء الذين يحرصون على أن يبدو ذوي حكمة ملهمة، تفضل ميركل الوصول إلى مبتغاها بشكل مباشر، فليس مناطا بها أن تنصب نفسها فيلسوفة على العالم، الذي تتجنب أن تصنع له نظريات كبرى.

لقد جاءت من حياة عاشتها تحت حكم شمولي تعرف عيوبه ومآسيه، كما تعرف الصوت المدوي لسقوط الأيديولوجيات.

لذا تبدو مثلما صورها الكتاب بين الأمومة وسيدة الأعمال الراسخة «لا تشعر بالكلل ولا الملل، يتنهد نظراؤها وينظرون في ساعاتهم، لكنهم يتركونها تفعل ما تشاء، فهي وحدها من يعجبها ذلك».

ألمانيا بشطريها كانت لها تجربة مريرة أحد شطريها تحت حكم النازي المفرط في الاستعلاء والنزعة الإمبراطورية، والآخر خلف الستار الحديدي. لذا كفكفت ميركل من ميول الزعامة المفرطة فكانت، كما يقول الكتاب «رمزا لألمانيا الحديثة في نظام يهدف إلى تجنب التفرد بالسلطة».

قبولها لمئات الآلاف من اللاجئين لم يكن فحسب قرارا إنسانيا، بل اتسم بجرأة في اتخاذ قرار ربما لا يتحمل معظم السياسيين مسؤوليته.

بحسب الكتاب لا تبدو ميركل رغم حزمها، جافية أو قاسية، بل ودودة على الدوام، ولم تخسر حضورها كامرأة، المدبرة للأمومة لكن جمعت إليها حكمة مرحلة تاريخية مليئة بالتقلبات، ورصانة امرأة تريد أن تحافظ على بيتها وأمتها دون الدخول في مغامرات عاصفة، كانت هي نفسها شاهدا على الكوارث التي تمخضت عنها.

مقالات ذات صله