التنمّر الالكتروني… ظاهرة طبيعية أم أزمة سوسيولوجية؟

التنمّر الالكتروني… ظاهرة طبيعية أم أزمة سوسيولوجية؟

كتبت: مايا الحاج
يحظى النجوم باحتفاءٍ وترحيبٍ أينما وُجدوا. يُسارع الجميع نحوهم من أجل صورةٍ أو توقيع. يخطفون الأنظار، ويتلقّون الاهتمام والمديح من كلّ صوب. لكنّ حياة المشاهير هذه لا تنسحب على الفضاء الالكترونيّ، حيث يتعرّض هؤلاء- أكثر من غيرهم- الى التنمّر، عبر تعليقاتٍ جارحة من حسابات متابعيهم.

الثورة الهائلة التي شهدتها وسائل التواصل والاتصال، فرضت أشكالاً جديدة في علاقة النجم بالجمهور. حياة النجوم باتت متاحة أمام الجميع، ما غيّر كثيراً في هذه العلاقة. فالفنان كان هو “الحلم” أو ربما الصورة المشتهاة في عيون محبيه، وفرصة اللقاء به شبه مستحيلة، لكنّ مواقع التواصل خلقت مساحة مفتوحة للتلاقي الدائم، واليومي معه. هكذا تقلصت المسافات، وبات الفنان “المثال” شخصا عاديا ومتاحا عبر فيديوهات تكشف تفاصيل حياته مع عائلته، وأصدقائه، في المطعم والمطبخ وغرف النوم والصالات الرياضية…

شيئاً فشيئا، صارت هيبة “النجم” تتضاءل، وإن ظلّت أرقام المتابعين تتضخم. وليس كلّ هؤلاء المتابعين هم بالضرورة من المعجبين. كثيرون منهم يلحقون هذا الفنان أو ذاك لمجرّد المتعة في التلصّص على حياته، ومعرفة تفاصيل خفية عنه. ومنهم من وجد في صفحات المشاهير المفتوحة أمام الجميع فرصةً لإثبات وجوده. وإذا كان الفنان يستشعر تفوقه بماله وملابسه وأرقام المتابعين، فإنّ بعض المتابعين يحاولون الإستقواء عليه بكلامه الجارح، وبالتنمرّ، والشتائم.

يسرا اللوزي والتنمّر
ولعلّ آخر ضحايا التنمرّ الإلكتروني هي الممثلة المصرية يسرا اللوزي التي استطاعت قبل أعوام قليلة أن تستغلّ معاناتها الشخصية مع ابنتها الأولى دليلة، في سبيل خدمة مجتمعها من خلال توعية الأهل على ضرورة اجراء فحوصات السمع المبكرة لأطفالهم. هكذا، شاركت يسرا في حملات كثيرة لمساعدة أطفال يعانون من مشاكل السمع، ومبادرات مثل زراعة قوقعة الأذن، وغيرها… ورغم هذه الانجازات، خرج أخيراً أحد المتابعين ليصفها ب”أمّ الطرشة”، غير آبه بإحساس الفنانة- الأم، ولا ابنتها الطفلة ولا قسوة المرض. فالتنمّر هنا تجاوز حدّ المتوقّع ليصل الى مراحل غير مقبولة. ولهذا اختارت يسرا اللوزي أن تردّ على ذاك المتنمّر بجوابِ جعل من اسمها “تراند” في الدول العربية كافة.

ومع أنّ مثل هذا الكلام لا يمثّل سوى صاحبه، وهو في النهاية لا يخرج سوى من جاهلٍ أو ظالم، نجد أنّ الانحطاط في المستوى اللغوي والأخلاقي والتساهل في التنمّر والتطاول والتجريح هو انعكاس لانحطاط عام تعيشه مجتمعاتنا العربية بعد أزمات سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة.

وكانت يسرا اللوزي ايضاً قد تعرضت للتنمّر خلال مشاركتها في مهرجان القاهرة السينمائي بسبب اكتسابها بعض الوزن بعد ولادتها ابنتها الثانية، فتساءلت عن سرّ التنمّر على المرأة الممتلئة ورفض الناس لها، في حين أنّ النساء العربيات عامّة غير معروفات بأجسادهن النحيفة.

أيضاً… ضحايا التنمّر
في وقتٍ متزامن، تعرضت الممثلة سوسن بدر الى التنمّر بعد تعليق تمنّت فيه الرحمة للمخرج حاتم علي، ليجيبها أحدهم “عقبالك”، متمنياً لها الموت. هذا الايذاء المجاني جاء لمجرّد الايذاء، لكن بدر لم تتجاهله وإنما ردّت بهدوء وذكاء لافتين بأنّ شكرته على دعائه لأنّ الموت رحمة وفرصة للقاء وجه الله.

وكذلك استغربت الفنانة مي كساب اهتمام المتابعين بوزنها، والتنمّر على جسمها، في حين أنها أمّ ومرضعة، ولا بدّ أن يحصل هذا التغيير في شكلها.

وقبل سنوات، شنّ المتابعون حملة تنمّر شرسة على الفنانة دينا الشربيني عقب اطلالتها في مهرجان الجونة، ووصفها الكثيرون بأنها قبيحة ما استدعى تدخّل الفنانين بغية وضع حدّ لهذه التعليقات الجارحة وغير الأخلاقية.

وقبلها، تعرضت أيضاً نادين نجيم أيضاً للتنمر بسبب عمليات التجميل، معتبرين أنها خسرت جمالها وملامحها الانثوية، لكنّها ردّت على المتنمرين بفيديو صورت فيه فكّها وشكل وجهها، علامةً على إعجابها بنفسها وعدم اهتمامها بكل التعليقات الجارحة التي تسمعها.

ضدّ النساء
وكلّما تابعنا هذه التعليقات، نتأكد أنّ الفنانات- الإناث- هنّ أكثر عُرضة للتنمّر من الرجال، وهذا ليس مستغربا في مجتمعات تحكمها عقليات “ذكورية”، تحاكم المرأة على جسدها ولبسها وشكلها وخياراتها الحياتية قبل أي شيء آخر. وهذا ما نلاحظه عادة بعد مهرجانات سينمائية ومناسبات عامة يتمّ التعليق فيها على ملابس الفنانات ومظهرهن بسخرية لا تطاول الرجال، الا في ما ندر.

ونظرا الى انتشار وسائل التواصل في حياتنا اليوم، يمكن القول ان التنمّر الالكتروني هو اليوم الأشهر والأخطر، لكونه لا يخضع الى أية حدود وضوابط. وغالباً يرتبط التنمر بعبارات الكره والتجريح ورفض الآخر/ المختلف. وهذا ما لمسناه عقب نشر نجم ليفربول محمد صلاح صورة له مع عائلته وهم يحتفلون بجانب شجرة الميلاد (الكريسمس)، ما استدعى موجة غضب عارمة من بعض المتابعين الذين استنكروا احتفاله بعيد مرتبط بديانة أخرى.

تتنوّع أشكال التنمّر إذا وتعدد مسبباتها، لكنّها تبقى من الظواهر الخطيرة سوسيولوجياً وسيكولوجياً، وهي بطبيعة الحال تحتاج الى مراقبة وسياسة خاصة، تبدأ من التربية والتعليم ولا تنتهي بالإعلام ووسائل الإعلان. لكنّ السؤال يبقى، هل الردّ على المتنمّر مهم كما فعلت يسرا اللوزي مثلاً؟ أم أنّ التجاهل وسيلة أفضل، على غرار ما يفعله معظم النجوم؟

مقالات ذات صله