“الفنّ الجريح” في فيلّا عودة “إخبارٌ” فنّيٌّ استثنائيّ بجريمةٍ ضدّ الإنسانيّة – عقل العويط

“الفنّ الجريح” في فيلّا عودة “إخبارٌ” فنّيٌّ استثنائيّ بجريمةٍ ضدّ الإنسانيّة – عقل العويط

يمكن المرء أنْ يكتب عن الفنّ الجريح في بيروت – لبنان، ديوانًا برمّته، بعد تفجير 4 آب 2020 الجهنّميّ، الذي أودى بمتاحفَ جليلة، وصالاتِ عرضٍ رياديّة، ومجموعاتٍ فنّيّة، عامّةٍ وخاصّة، وأمعن فيها تدميرًا وتشويهًا وتمزيقًا وحرقًا وتشريدًا. يستحقّ هذا الفنّ الجريح أنْ يؤرَّخ، ويوثَّق، ويُقدَّم في شأنه “إخبارٌ” نقديٌّ وفنيٌّ متكاملٌ، يضيء عليه، بالرصانة والجدّيّة الموضوعيّة، وينأى به عن الرثاء والبكاء والتفجّع والعويل من جهة، وعن العظاميّة والتفخيم والتأليه من جهة ثانية. في فيلّا عودة، معرضٌ أقلّ ما يُقال فيه إنّه حدثٌ فنّيٌّ استثنائيٌّ، صارخٌ وغير مسبوق، في فكرته، وفي الشكل والمضمون والسينوغرافيا والإخراج، يجدر اعتباره مانيفستًا بجريمةٍ ضدّ الإنسانيّة.

“بطلان” يتقاسمان الريادة والبطولة في هذا المعرض: البطل الأوّل هو جان لوي مانغي، في السينوغرافيا الخلّاقة التي وضعها، وجعلت المكان (فيلّا عودة)، ومحتوياته الأثريّة والفنيّة، ولوحاته وتماثيله المعروضة، هو “الموضوع”. البطل الثاني هي الأعمال التشكيليّة الفنيّة، التاريخيّة أو الحديثة أو المعاصرة، التي التهمها التفجير الكارثيّ، فأصبحت طعمًا للدمار والحريق والخراب والتفكّك والتأكّل والاندثار والتمزّق، وخصوصًا من حيث طريقة عرضها، وتوزيعها، وتقديمها، وتأخيرها، بإلقاء الأضواء، أو الظلال، أو الظلام الدامس عليها.

هذا كلّه يمثّل في ذاته إنجازًا إخراجيًّا وفنّيًّا رهيبًا، صاعقًا، خارجًا على المألوف، من شأنه جعل الزائر رهين التهيّب والانخطاف والاتّحاد بأحوال المكان والعرض والمحتويات، حيث تختلط المشاعر والأحاسيس والانتباهات الفنّيّة والنقديّة والعقليّة، لتُدرج المشهد في سياق الفجيعة التاريخيّة التي حلّت بالمدينة ككلّ، وبكينونتها، وبالدلالات المترامية للحدث المشؤوم.

يصعب على المتلقّي الإنفكاك عن هذا الترابط الوثيق بين الشكل والمضمون، بين الإطار والجوهر، وأيضًا بين داخل مكان العرض وخارجه البيروتيّ – اللبنانيّ، المشرّع على الفجيعة برمّتها.

الفنّ الذي احتضنته بيروت – لبنان، جديرٌ كالمدينة نفسها، كالمدينة الثقافيّة خصوصًا، وجديرٌ كلبنان الثقافيّ نفسه، بأنْ يُولى الأهميّةَ المستحَقّة. فها هي الفيلّا برمّتها متحفٌ ومعرضٌ في الآن نفسه. الطبقة الأرضيّة والطبقة الأولى تضمّان كنوزًا وفسيفساءات وتماثيل ومنحوتات وثريّات أثرية، جعلها جان لوي مانغي تغرق في حالٍ من الظلمة المقصودة، شبه الدامسة، باعتبار أنّ الغاية من المعرض لا توجيه الأنظار إلى مقتينات المكان وموجوداته بل إلى اللوحات والمنحوتات التي تمثّل خلاصة الفنّ المطعون في جسمه وروحه، هذا الفنّ الذي تركّزتْ على قطعه و”ضحاياه”، أنوارٌ وأضواءٌ تضفي مناخًا من التراجيديا العلنيّة الموصوفة، الأشبه ما تكون بأوركسترا جنائزيّة، دفينة، متهيّبة، صامتة، لكنْ كثيرة الدلالات، ومن دون عويلٍ استعراضيّ.

يقع الزائر على يوحنّا المعمدان (أغلب الظنّ أنّها لوحةٌ للفنان الإيطاليّ من القرن السابع عشر، غويدو ريني) وصليبا الدويهي وبول غيراغوسيان وشفيق عبود وفريد عوّاد وإيلي كنعان وبيبي زغبي وميشال هرموش وحسن جوني ومحمد سعيد بعلبكي وندى صحناوي وكاتيا طرابلسي وأندي ليانز بولتو (فنان كوبيّ طليعيّ) ونبيل نحاس واندره هوشار فتال وفلافي عودة وجان مارك نحّاس وفؤاد جوهر وريما أميوني وسيسي سرسق وجوزف حرب وأروى صفيّ الدين والبريطانيّ توم يونغ والعراقيّ سيروان باران ونايلة رومانوس إيليّا وألان فاسويان وعماد فخري وليلى جبر جريديني وهلا عز الدين وهادي سي وميساك ترزيان ورؤوف الرفاعي، وقد تضرّجتْ أعمال هؤلاء كلّها، بنسبٍ تراوحت بين التدمير الكامل والتتشوّه الجزئيّ.

يصعب على الزائر أنْ يتفادى الانحياز. يصعب عليه أنْ يبقى على الحياد. يصعب عليه أنْ لا يتورّط في الانسياق، ليصير في خضمّ هذه المشهديّة، وفي جحيمها. إذ لا بدّ من أنْ “يُصاب” هو الآخر في روحه، و”يُطعَن” و”يُجرَح”، و”ينزف”، من جرّاء ما آلت إليه هذه اللوحات والمنحوتات والتماثيل، وقد نالها من نالها، بعضها من دمارٍ كامل، وبعضها من إعاقاتٍ صميميّة، وبعضها الثالث من بصماتٍ، فحواها أنّ الوحش القياميّ الأبوكاليبتيّ قد مرّ من هنا، وقد فعله فعله فيها، وهو فعلٌ دمويٌّ وهمجيٌّ غير قابلٍ للنسيان والمحو أو الالتئام.

قد يكون من المتوقَّع جدًّا ومن العاديّ جدًّا، “جمع” هذه الأعمال في إطارٍ مأسويّ تراجيديّ، وخصوصصا بعد الزلزال المريع الذي ضرب بيروت. لكن اللّاعاديّ على الإطلاق يتمثّل في الرؤية السينوغرافيّة والإخراجيّة الخلّاقة التي جسّدها جان لوي مانغي من حيث توزيع هذه الأوركسترا البصريّة الموجعة، ومن حيث إخراجها، وعرضها، بما يجعلها، في تدرّجاتها من أقصى الظلمة إلى أقصى الضوء، مرورًا بالمراتب الظليلة كلّها، آيةً من الآيات التي تشهد، لا لـ”ضربة النرد” الفنيّة ذات المنحى العبقريّ فحسب، بل التي تشهد على جريمة الرابع من آب 2020، وهي الجريمة التي أقلّ ما يجب أنْ توصف به بأنّها لا ضدّ بيروت ولبنان، بل ضدّ الإنسانيّة وضدّ الكون وضدّ الإنسان وضدّ الفنّ وضدّ الحياة على السواء.

المعرض الذي بدأ في السادس عشر من كانون الأوّل 2020، أغلق أبوابه “قسرًا”، ابتداءً من يوم أمس، إنفاذًا لقرار الإقفال العامّ، بعدما كان من المقرّر أنْ يستمرّ إلى السادس عشر من الجاري. إجعلوه “إخبارًا” فنيًّا بجريمةٍ ضدّ الإنسانيّة.

 

مقالات ذات صله