الوحشية والمرض العقلي: الارهابي المتطرف يعود الى الغابة..!

العودة الى الغابة
علي سالم: من فضلك، لا تثق بي كل الثقة عندما أحدثك عن المرض العقلي. فلست طبيبا معالجا، أنا فقط مراقب يقف على ناصية الدنيا متأملا أحوال البشر، مراقبا لسلوك الفرد والجماعة، مستعينا بما عرفته من التاريخ. وأعترف أن سلوك الإنسان عندما يكون مسلحا بالوعي لا يجذب انتباهي بحده الأقصى. فالوعي يجعلك حذرا فيما تقوم به من أفعال، ويدفعك لمراعاة التقاليد والحرص على أن تراك الناس شخصا طبيعيا. أما عندما تندفع لفعل ما مدفوعا باللاوعي، أو بالخلل العقلي الذي نسميه بالجنون فهذا بالفعل ما يثير اهتمامي بشدة. تلك الأفعال التي تتم في غيبة الوعي بشكل عام تشير إلى مرحلة في تاريخ البشر تعود إلى مرحلة الكهوف.
لقد حدثتك منذ أيام عن ظاهرة التهام الأب عند الإنسان الأول، وقلت لك إنه عندما ينتاب المرض الأب وهو شيخ القبيلة يتجمع أبناؤه الشبان ويقتلونه ويطبخونه ويأكلونه بالهناء والشفاء ليهضموا قوته وحكمته. ثم أوضحت لك أن ما تبقى من هذه الظاهرة هو ثورة المراهق على السلطة الوالدية في سن المراهقة وهي تلك المرحلة التي تستغلها الجماعات الدينية المتطرفة لتجنيد هؤلاء المراهقين. غير أني لم أقل لك من قبل أن كل ما فعله الإنسان طوال تاريخه من أعمال وحشية، لا يختفي بفعل آلاف السنين التي مرت، بل يلجأ لكهف بعيد داخل عقول البشر. هذا الكهف هو ما نسميه اللاوعي. ولو أنك غصت بطريقة ما داخل هذا اللاوعي ستكتشف أنك أمام دفتر أحوال تم فيه تسجيل كل أحداث البشر طوال تاريخهم القديم. هنا نأتي للسؤال: هل يمكن لسبب ما أن يقفز فعل ما من هذه الأفعال التي نظنها اندثرت، إلى الوعي مرة أخرى؟.. هل يمكن – الآن – أن يقتل شاب والده وأن يطبخه وأن يأكله..؟
الإجابة: صفحة الحوادث في الصحافة المصرية (7 فبراير/ شباط 2015) تجيب بنعم. وتنشر خبرا عن شاب مصاب بمرض عقلي يعيش مع والده ارتكب هذه الجريمة البشعة. بالطبع لست أخوض في هذا المرض العقلي، فهذه ليست مهنتي ولا مهمتي، أنا فقط أنبهك أن المرض العقلي بوجه عام يعلن عن نفسه بممارسة طقس كان يمارسه الإنسان في عصور ما قبل التاريخ المكتوب. سأتخلى عن استخدام كلمة (المرض) وأستخدم تعبير الخلل العقلي أو النفسي. في غياب الوعي بدرجة من الدرجات ينشط اللاوعي ويقذف بما في جوفه من أفعال قديمة أو أقوال قديمة أو طقوس قديمة مثل حرق البشر وهم أحياء على سبيل المثال. غير أني أنبه لحقيقة يعرفها جيدا كل الأطباء وكل القانونيين. وهي أن الخلل العقلي والجنون لا يعفيان من المسؤولية الجنائية إلا في حالات نادرة. المتطرف هو شخص يعاني من خلل عقلي ترتب عليه ضعف الوعي بداخله، ثم نشاط خبيث للاوعي جعله يستحضر كل ما كان يمارسه من وحشية من آلاف السنين. وهو من أجل ذلك يسقط من حسابه ومن وعيه كل ما حققه الإنسان من تحضر. المتطرف الإرهابي يعمل على العودة إلى الغابة مرة أخرى.
*كاتب مصري
 

Read Previous

حكاية الشهيد معاذ والقاتل ''الفهداوي''

Read Next

الملك يبحث مستجدات الحرب على "داعش" مع منسق التحالف الدولي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *